الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العشيرة في العراق… دولة داخل الدولة

العشيرة في العراق… دولة داخل الدولة

كما أحس صدام حسين عام 1991 أن البعث وحده لا يكفي كقوة لضبط الشارع، تعلم معارضوه درسه سريعا واستعانوا بالقوى العشائرية كمنظومات اجتماعية متكاملة تستعين بها. في الحالتين كانت النتيجة هي اعاق عملية التحول المنشودة في المجتمع الى دولة حديثة تستند الى مفاهيم المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية.

في قراءتنا المتواصلة لروح التحولات الجديدة التي شهدها المجتمع العراقي بعد 2003 سنقف في هذه الحلقة أمام تحد جدي ساهم في تعميق روح الانقسام والتفتت واعاق عملية التحول المنشودة في المجتمع العراقي الى دولة حديثة تستند الى مفاهيم المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية.

ليست لدي رغبة في مهاجمة النظام الاجتماعي في العراق بقدر ما هي قراءة نقدية لدور هذه الوحدة الاجتماعية البدائية “العشيرة ” وظهورها الواسع على الواقع الجديد، بل وتعدي ذلك الى الحضور الكثيف في المشهد السياسي لزعامات قبلية وعشائرية تلاشى دورها في عقود مضت، لكن الوضع المرتبك أعادها الى الوجود لأسباب سنأتي لذكرها.

في قراءة سريعة لدور العشيرة منذ ثورة 1958 الى الان سنلحظ أن هذه الوحدة البدائية أخذت بالتفكك بعد هذه الثورة شيئاً فشيئاً كنتيجة، لرغبة سياسية واضحة لدى قادة الثورة بأضعاف دورها (قانون الاصلاح الزراعي الصادر في 30 ايلول 1958) وكذلك ظهور النفط كمورد اقتصادي مهم ساهم في تفكيك العشيرة والتحاق أفرادها بقطاعات العمل “الوظيفي” ضمن جهاز الدولة البيروقراطي، وكنتيجة أخرى لتحولات اجتماعية شهدها المجتمع العراقي منها تطور الوعي الشعبي ونمو ظهور الاحزاب والحركات السياسية وكذلك تطور التعليم والهجرة الواسعة باتجاه المدن وغيرها من الاسباب.

كان لظهور التيارات الحداثية اثر كبير في انحسار هذه الظواهر البدائية والسير قدماً في مشروع التحول المدني لو لا السياسات القمعية الطائفية والمناطقية التي اتبعتها السلطات الانقلابية فيما بعد والتي أحدث شرخاً عميقاً في بنية المجتمع وافقدت هذه الخطوات الكثير من فاعليتها، واعادت الى الواجهة اسئلة الهوية المرتبكة في العراق وظهور القرية والعشيرة في السلطة من جديد وسيطرة جماعات وعصابات متخلفة على السلطة عبر تنفيذ انقلابات عسكرية دموية.

وحتى العقد السبعيني من القرن الماضي شهد نقلة ساهمت في تفكك حدة التكتلات العشائرية والعصوبية، ولعل قرار منع حمل الالقاب العشائرية وتداولها كان قراراً جريئاً في حد ذاتهِ، لو لا تفسيره على انه محاولة للتغطية على احتكار عشيرة او مجموعة عشائر للسلطة في البلاد.

لكن مع تفجر الحرب مع ايران حاول المجتمع المقاومة للحفاظ على هويته المدنية الناشئة، لكن عسكرة المجتمع كانت سياسة تتأصل وتتسع مع اتساع الحرب وطولها الزمني.

الحرب مع أيران كانت فاصلة مع المجتمع المدني في العراق، وشهدت تغييراً جذرياً في توجهاته اللاحقة – مجتمعات الحروب تتأثر دائماً وتبقى مصابة بداء القسوة والالم وتصبح ذات مزاجات عنيفة متقلبة –.

كذلك فأن تلك الحرب لم تكن طبيعية في مجتمع طبيعي، فالأخير يعاني اصلاً من استمرار عمليات التبدل العنيف لأنظمة الحكم، والشعور المستمر لدى الغالبية بأنها ضحية ومهمشة وكذلك ساهمت في القضاء على التطور الاقتصادي البسيط الذي شهدته البلاد اعقاب الفورة النفطية في السبعينات.

في هذا الوضع يصبح الركون الى الدولة باعتبارها قوة الضبط الشرعية عملاً غير مرغوب به لدى الجماعات السكانية، بل تحاول المجتمعات التي تشعر بالتهميش والاقصاء والخوف من المستقبل، المواجهة، فأن فشلت فستنكمش الى الداخل، لتمثل حركتها عبر قواها البدائية –قبائلية –مناطقية – طوائفية -.

من هنا يمكن ملاحظة عودة ظهور العشيرة الى الواجهة في المجتمع العراقي بقوة، قبل ان تشرعن السلطة هذا الظهور في اعقاب هزيمتها في حرب الخليج الثانية وما تلاها من ثورة شعبية عارمة في العام 1991، حين ذاك شعرت السلطة البعثية انها عاجزة عن ان تكون قوة الضبط الوحيدة في الشارع، فاستعانت بالقوى التاريخية “العشيرة”، وهنا ظهر الى الواجهة ما سمي حينها بشيوخ التسعينات – زعامات قبلية وعشائرية لم تكن معروفة على الخارطة ولكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة التي عمدت الى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها – وايجاد زعامات قبلية بديلة لتلك التاريخية كذلك دمج الكثير من رؤساء القبائل بأجهزة السلطة من خلال تنظيمهم حزبياً ومخابرتياً وامنياً، كذلك تقنين عملهم من خلال ارجاع قانون العشائر المقرر مطلع القرن الماضي.

وهكذا تلاشت الجهود والمحاولات الحثيثة لإشاعة مفاهيم عصرية وحداثوية لدى افراد المجتمع ضمن الجهود النيرة التي كانت تضطلع بها النخب الثقافية في مجتمع يحاول الخروج من سباتهِ الطويل والالتحاق بمصاف دول العالم المتحضرة.

وهذه الجهود المبذولة والكبيرة اصطدمت بعدة تحديات كبرى وقفت حائلاً دون تحقيقها على ارض الواقع، أما لأسباب سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، وغيرها من التحديات الأخرى التي عملت كـ”كوابح” لعملية التحديث والعصرنة التي كانت تنادي بها النخب الثقافية وتيارات الحداثة في العراق مبكرا.

بعد 2003 وهي المرحلة الاهم حيث شهدت تفكيك هياكل الدولة السابقة بكل ارثها وقيمها وتهشيم منظومتها، تطلع الجميع الى أن يكون الآتي هو دولة مدينة تشيع ثقافة التسامح ودولة القانون والعدالة الاجتماعية والغاء كل التمايزات التي وسمت شكل الدولة السابقة.

انفجار العشيرة

لكن الذي حصل كان العكس تماماً، فجاءت القوى السياسية بلا رؤية واقعية ولا تفاهمات لبناء دولة ما بعد صدام، ولم يكن يجمع بين ما عرفت بقوى المعارضة العراقية سوى هدف إسقاط الدكتاتورية، وبما أن الهدف تحقق على أيد قوات أجنبية، فلا يوجد ما تدعم هذه القوى موقفها الضعيف في الشارع. فحاولت أيجاد قاعدة لها وموطئ قدم يؤمن لها وجوداً في السلطة الجديدة، دون التفكير بنوع هذه القوى المؤمنةَ شعبياً، شكلها الاجتماعي، مزاجها السياسي، أو وعيها، ولهذا شهدت البلاد استقطاباً طائفياً حاداً وفجرت صراعاً حامي الوطيس بين الفئات الاجتماعية وهذا ما سنبحثه في موضع قادم.

في ظل البحث المحموم عن القاعدة الشعبية لم يكن أمام القوى السياسية سوى البحث عن منظومات اجتماعية متكاملة والاستعانة بها، وهذا ما وفرتهُ “العشيرة” التي أصبحت خزاناً انتخابياً جاهزاً قادرة على التأثير في المعادلات الانتخابية مستفيدة من تماسكها على شكل عصوبي.

مع ضعف أجهزة الدولة وادوات الضبط فيها كان الرجوع الى القوى البدائية المسلحة لضبط الاوضاع الامنية، خطوة أخرى لجأت اليها السلطة، من خلال تشكيل ما عرف لاحقاً “بالصحوات” وتبعها تشكيل مجالس الاسناد التابعة للحكومة والممولة من المال العام فقد بلغ عدد هذه “المليشيات العشائرية” أكثر من 242 مليشيا تضم أكثر من 6480 شيخاً! حسب تقرير صادر من لجنة المصالحة الوطنية في العام 2010 حيث أعلنت لجنة متابعة تنفيذ المصالحة الوطنية التابعة لمجلس الوزراء العراقي أن عدد مجالس الإسناد العشائري التي تم تشكيلها منذ منتصف عام 2008 في جميع أنحاء العراق لإسناد قوات الأمن العراقية في إحلال الأمن، بلغت 242 مجلسا ينتمي إليها 6480 شيخا من شيوخ ووجهاء القبائل العراقية..

وذكرت اللجنة في تقرير صدر عنها حول أعمالها خلال العامين الماضيين وتسلمت “السومرية نيوز” نسخة منه، أن “عدد مجالس الإسناد المشكلة في محافظة بغداد بلغ 46 مجلسا يبلغ عدد أعضائها نحو 1075 عضوا”، مبينة أن “عدد مجالس الإسناد في المحافظات بلغ 196 ينتمي إليها نحو 5405 أعضاء من شيوخ ووجهاء القبائل في جميع محافظات العراق باستثناء إقليم كردستان”. في ظل هذا الاعتراف السياسي الواسع شهدت العشيرة توسعاً غير مألوف وصارت تمارس ادروا هي من اختصاصات الدولة، كالقيام بإدارة الموانئ او السيطرة على الحقول النفطية أو مشاركة الشركات المستثمرة للنفط وغير ذلك من الممارسات اللاقانونية.

كذلك عملت العشائر على اعادة تنظيم نفسها بصورة أكثر وضوحاً من خلال تنظيم المؤتمرات التي صارت تعقد في افخم فنادق العاصمة وبحضور سياسي رفيع جداً في دلالة على الاعتراف السياسي اللا محدود لشيوخ العشائر من قبل السلطة الحاكمة.أيضاً شهد العراق ولادة الكثير الكثير من التكتلات العشائرية التي تعمل في الحقل السياسي.

إضافة الى ذلك صارت العشيرة بديلاً للمحاكم القانونية وصار الحل العشائري للنزاعات بين السكان المحليين هو الاول قبل الحلول القانونية، أضافة الى شيوع ممارسات عشائرية مندثرة وعودتها للتدوال من قبيل “النهوة والكوامة والفصل” وغيرها.

وصار على الافراد العاملين في شتى الحقول السياسية والثقافية والاجتماعية حمل القابهم العشائرية معينة في دلالة واضحة على نمو وتعاظم دور العشائر، فقلما تجد مسؤولاً حكومياً او موظفاً رفيعاً دون تجد أن نهاية اسمه “اسم عشيرته “، يمتد هذا التعميم الى ارفع المناصب الحكومية، ولم يعد الأمر مقتصراً على حمل اسم العشيرة بل تعداه الى دفع رسومات شهرية لشيخ العشيرة تجمع في صندوق خاص يؤمن الدعم المادي لأفراد العشيرة ولمناسباتها وهو ما يعرف محلياً بـ”الودي “.

وهذا ما اعتبر نكوصاً واضحاً وتراجعاً لملامح الحياة المدنية في العراق، وهذا ما يكشفهُ عمران المدن التي صارت تتشبه بالريف من حيث بناء دواوين فارهة وأحياء المناسبات العشائرية في المدن كـ”العراضات والأهازيج ورفع الرايات العشائرية في المناسبات الاجتماعية” ووصل الأمر الى أطلاق بعض اسماء العشائر على بعض الاحياء السكنية والشوارع.

أن دولة مدنية لا يمكنها أن تنشئ في ظل نمو العصبيات القبلية وشيوع مفاهيم “الجماعة” وتلاشي مفاهيم الفردية، والمواطنة، ولعلني أختم بقول العلامة أبن خلدون حيث يقول في عدم أمكانية قيام دولة في ظل العصبيات القبلية حيث يقول “والسبب في ذلك أختلاف الاراء والاهواء وان وراء كل رأي منها وهوى عصبية تمانع دونها فيكثر الانتفاض على الدولة والخروج عليها في كل وقت وان كانت ذات عصبية لان كل عصبية ممن تحت يدها تظن في نفسها منعة وقوة..”

————

نقلاً عن ميدل ايست أونلاين

-- بقلم: حيدر قاسم الحجامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*