الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » وماذا بعد اختطاف الخالدي؟

وماذا بعد اختطاف الخالدي؟

لا أعلم كيف تنظر فئة من الناس، أغواها الشيطان وأضلها عن سواء السبيل، إلى المستقبل، هذه الفئة التي تتخذ من الكهوف مقرا لها وتتسلل في ظلام الليل لتقتل الأبرياء وتعيث في الأرض فسادا، كيف يمكن أن يغمض لها جفن وهي تخوض في دماء الناس دون جرم فعلوه. لا أعلم إن كانت هذه الفئة تعتقد أصلا أن هناك مستقبلا يجب أن نبنيه وندافع عنه ونجهز أبناءنا له، وأن الوقت الذي نضيعه في مواجهتها، أمتنا ومجتمعنا أحوج له منهم، فهذه الفئة تأبى أن نعمل وننتج وتجرنا وراءها إلى ما لا يفيد وينفع أمتنا وديننا. 

إنهم مجموعة من المغرر بهم بأسم الدين والمحزن فعلا أنهم مازالوا يتاجرون باسم الدين ويتحدثون وكأن الله قد جعلهم أوصياء على عباده، فهم يتصورون أنهم المنقذون وأن البشرية بحاجة لهم وأن عملهم الإجرامي هو من أجل مصلحة هذه الأمة، فمن يسمع الحوار الذي دار بين المطلوب رقم 85 (على القائمة التي صدرت من وزارة الداخلية عام 1430ه) مشعل الشدوخي (ممثل المختطفين) والسفير السعودي في اليمن حول اختطاف نائب القنصل السعودي في عدن عبدالله بن محمد الخالدي، الذي ندعو أن يفك الله أسره، سوف يتأكد أولا من سذاجة هؤلاء، وكيف أنهم يتوقعون أن دولة كبيرة تحكم بشرع الله يمكن أن تستجيب لمثل هذه المطالب الإجرامية. 

كيف يخطر ببالهم أن حكومة خادم الحرمين الشريفين، حفظه الله، يمكن أن تستجيب لمثل هذه المطالب السخيفة، فمن هو معتقل سوف يحاكم فإن كان بريئا فسوف يخرج، وإن كان قد ارتكب جرما يحاسب عليه القانون فسوف يعاقب، ولا نتصور أبدا أن مثل هذه المطالب المثيرة للشفقة يمكن لأحد أن يستجيب لها ولا نعتقد أن أحداً من مواطني المملكة يمكن أن يؤيد مطالب هذه الفئة المجرمة، فالابتزاز لا يمكن أن يصنع استقرارا، ومن يستجيب للإبتزاز مرة واحدة يعرض أمنه وأمن من هو مسئول عنهم للخطر، وحكومة المملكة لم تستجب لأي ابتزاز في تاريخها ولن تستجيب له في يوم. 

اختطاف نائب القنصل السعودي في عدن هو محاولة يائسة من تنظيم القاعدة في اليمن، فهم يحاربون طواحين الهواء، فبعد أن فشلوا في تحقيق مآربهم في المملكة انتقلوا إلى مناطق بعيدة، وعينهم على المملكة، فهم ينتهزون كل فرصة من أجل إشعال فتيل الحرب، وهم يتربصون بنا، ويودون لو تأتيهم الفرصة من أجل ضرب مقدراتنا وأمننا، لكنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، هذه المحاولة تعبر عن اليأس الذي يعيشون فيه، والمطالب المضحكة التي طلبها (الشدوخي) تؤكد على أن البساط سحب من تحت أقدامهم، وأنه لم يعد لهم تأثير، ولا يلجأ إلى أعمال “جبانة” تهدد الأبرياء إلا اليائسون الذين يريدون هدم المبنى على رؤوس الجميع. 

لا أعلم كيف يتصور من يقتل ويختطف الأبرياء أنه على حق، وكيف يتصور أن دولة بحجم المملكة يمكن أن تستجيب لمطالب المجرمين.. 

وكما هو معروف، فإن اليائس يمكن أن يقترف من الحمق ما لا يتوقعه العقل ويطلب ما لا يطلب (بضم الياء). وهذا ما حصل فعلا، فهؤلاء يتصورون أنهم يمكن أن يحققوا انتصارا على المملكة بمجرد خطفهم لأحد دبلوماسييها، ولم يعلموا أن هناك من يفتدي الوطن بروحه وماله، ولعل تصريح شقيق نائب القنصل المختطف بأن أخيه فداء للوطن أصابهم بصدمة كبيرة لم يتوقعوها، فهم يعتقدون أن أبناء المملكة لن يلتفوا وراء حكومتهم، وقد تصورا، في السابق، أن هناك من أبناء المملكة من يؤيدهم، وأنهم بمجرد أن يقوموا بتفجيرات هنا أو هناك سيهب الناس لنجدتهم ونصرتهم ولم يعلموا أن أبناء هذه البلاد تربطهم بولي أمرهم عقد شرعي يملي عليهم الولاء والدفاع عن الارض والذود عنها، هذا العقد لن تستطيع فئة ضالة إضعافه أو التشكيك فيه، لأنه عقد وارتباط إيماني فرضته تعاليم ديننا الحنيف الذي تحكم هذه الدولة باسمه وتنظم الحقوق والواجبات بين الناس بشرعه. 

لا أعلم كيف يتصور من يقتل ويختطف الأبرياء أنه على حق، وكيف يتصور أن دولة بحجم المملكة يمكن أن تستجيب لمطالب المجرمين. في اعتقادي يجب أن نفهم كيف يفكر هؤلاء الناس، فهم فعلا لا يفهمون في السياسة ولا يعرفون أن الدول لا تستجيب للإبتزاز، ولا تخضع للعقليات الإجرامية التي تحركها أيد في الخفاء. 

هذه الشبكة الإجرامية تفتقر للفهم الحقيقي لمعنى “الدولة” وأن الخروج على العقد الاجتماعي والعقد الذي يربط من يحكم والمجتمع هو خروج عن النظام والاستقرار وأنه دعوة للفوضى والتشرذم والاقتتال. 

هؤلاء تعوزهم الحنكة السياسية، لذلك هم يعيشون على رؤوس الجبال، فهم يعودون للبدائية من أجل لا شيء وبدون هدف، وبلا مقدرة على تحقيق أي من طموحاتهم الإجرامية. 

من يريد الاصلاح عليه أن يعيش بين الناس، وأن يتحملهم، حتى لو أساؤوا إليه، فسيد البشر محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وسلم) تحمل أذى قومه ودعا لهم ولما مكنه الله منهم عندما فتح مكة عفا عنهم وقال لهم: (لا تثريب عليكم اليوم). أتمنى أن يراجع هؤلاء أنفسهم، فزرع المتفجرات وقتل الناس دون ذنب واختطاف من يعمل من أجل خدمة الناس ليست من شيم المسلمين وليست من ثقافتهم، فديننا يدعو إلى التسامح ودم المسلم من المحرمات التي تفضي إلى الخلود في النار، أما قول (الشدوخي) في حديثه للسفير أن السكين بقربه ليهدد بقتل نائب القنصل، فهذا يبين أن الدين بريء من أفعال هؤلاء، فهم يقتلون الأبرياء باسم الدين، وما يحزن فعلا أنهم مؤمنون بأن ما يفعلونه صحيح. 

على أنه من الضروري أن أشيد هنا بشفافية وزارة الداخلية، فإذاعتها للحديث الهاتفي بين السفير السعودي وممثل المختطفين (الشدوخي) فيه تحول كبير في التعامل مع الإعلام، فنحن ليس لدينا شيء نخفيه أو نخاف منه، وأتمنى أن يستمر هذا النهج، فالمبادرة بتشكيل الصورة الإعلامية الصحيحة مهمة جدا، ويجب علينا أن لا ننتظر حتى يشكل الآخر صورتنا في الإعلام ثم نرد عليه. 

هذه الشفافية تؤكد بإذن الله أننا نسير على الطريق الصحيح وأن تحولا ثقافيا بدأ في الإعلام السعودي يرتكز على المبادرة “الإعلامية” لا ردة الفعل ويؤمن بقيمة الشفافية.

————–

نقلاً عن الرياض

-- د. مشاري بن عبدالله النعيم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*