الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تركيا «السنية».. وفشل سياسة الاحتواء

تركيا «السنية».. وفشل سياسة الاحتواء

حين زار رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان طهران في مايو (أيار) عام 2010، ليقدم الدعم لمشروع برازيلي بخصوص ملف إيران النووي، وصفت الصحافة المحافظة في إيران أردوغان بأنه مثال يحتذى للقيادة الحكيمة في المنطقة، كما أفردت بعض الصحف تحقيقات موسعة عن تصريحات أردوغان المؤيدة لإيران، ولا سيما مواقفه المنتقدة لإسرائيل وللعالم الغربي، تجاه الدول المسلمة، حتى رأى بعض المعلقين أن العلاقات التركية – الإيرانية هي نموذج للاستقرار والتعاون، مجادلا بأنه منذ توقيع معاهدة قصر شيرين – أو معاهدة «زهاب» كما هي معروفة بالتركية – في عام 1639 بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، فإن الحدود ظلت محترمة، وما تزال تلك الاتفاقية أساسا لكل المعاهدات الحدودية بين البلدين.
لقد تمكنت حكومة حزب العدالة والتنمية التركية في الأعوام العشرة الأخيرة من التقارب مع كل من إيران وسوريا، إلى الحد الذي دعمت معه إيران حملة تركيا العسكرية على معاقل حزب العمال الكردستاني في 2006، وإلى درجة أن تراجعت سوريا عن مواقفها بخصوص لواء الإسكندرون، بل أسقطت التأشيرات للمتنقلين بين حدود البلدين. إضافة إلى ذلك عززت تركيا علاقاتها الاقتصادية بكل من إيران وسوريا لتتجاوز في أعوام قليلة أرقاما قياسية، وحصلت تركيا على تسهيلات إيرانية في قطاعي النفط والغاز، ولعل هذا ما دفع بالرئيس السوري بشار الأسد إلى التبشير بمحور إيراني – سوري مؤيد للمقاومة يضم إليه كلا من تركيا والعراق، في مواجهة ما اعتبره قوى مضادة تمثلها السعودية ومصر ودول الخليج (جريدة «الحياة» – 26 أكتوبر 2010).
حقيقة خذلت تركيا توقعات المراقبين بعد سقوط نظام صدام حسين، فهي لم تسعَ لملء الفراغ السني الذي أحدثه صعود الإسلام السياسي الشيعي إلى السلطة في العراق، ولم تبدِ أي رغبة في استعادة إرثها العثماني في مناطق النفوذ القديمة، بل على غرار ذلك فقد أصبح إسلاميو تركيا أكثر تصالحا مع «بعث» سوريا، وأقل حساسية تجاه النشاط الثوري الإيراني في المنطقة، ربما لأن سياسة الاحتواء التي تباهى بها أردوغان وحزبه قد أتت بفوائد كبيرة لتركيا، ولكن تلك السياسة تعرضت في العام الماضي لهزة كبيرة، اضطرت معها تركيا إلى إعادة تقييم علاقاتها بشكل كبير.
حين بدأت الانتفاضات الشعبية في بعض العواصم العربية بداية 2011، حاولت تركيا آنذاك التريث في تأييد الشارع، بل أظهرت مقاومة للتدخل الأجنبي في ليبيا، وأطلق أردوغان انتقادات لاذعة لـ«الناتو»، وحتى حين بدأت الانتفاضة في سوريا أوفدت تركيا دبلوماسييها إلى سوريا في محاولة لاحتواء الموقف وإقناع الأسد بإجراء إصلاحات، ولكن مع استمرار سقوط القتلى في الشوارع أطلقت أنقرة سلسلة من التصريحات المنددة بنظام الرئيس بشار الأسد، ولم يمضِ وقت حتى شاركت مضطرة في عمليات الناتو – لوجيستيا على الأقل – في ليبيا، وهو ما عقد العلاقة مع طهران بشكل كبير. الموقف التركي بدا مترددا، ففي حين كان أردوغان يطلق تصريحاته مهددا بالتدخل العسكري المباشر، ومتوعدا الأسد بمصير القذافي، بدت أجهزة الدبلوماسية التركية أكثر حذرا وأقل حماسا من خطب زعيمها، مما دفع كثيرا من المراقبين إلى القول إن تركيا تشهد انقساما، إما في مؤسسة الجيش أو الخارجية، حول خطورة التدخل في تغيير النظام في سوريا لاعتبارات أمنية، وللأبعاد الإثنية والطائفية التي يمكن أن تطول تركيا ذاتها إذا ما تحولت سوريا إلى مسرح للحرب الطائفية بين تركيا وإيران وأطراف عربية أخرى.
حتى نفهم التحول في السياسة الخارجية لتركيا لا بد من مراجعة تاريخية لبعض الوقائع، ولعلي هنا أشير إلى ثلاث محطات تاريخية:
أولا: ليس صحيحا أن تاريخ العلاقات التركية – الإيرانية كان مستقرا كما يريد دعاة التقارب – من الأتراك – مع إيران تأكيده، فإيران ظلت على علاقة مضطربة وغير مستقرة مع تركيا حتى العقد الماضي. في كتابه «الإسلام والعلمانية والقومية في تركيا الحديثة» يشير زونر كابتجاي (2007) إلى أن هناك وهما يتعلق بمعاهدة قصر شيرين، ويؤكد أن التوتر في العلاقات التركية – الإيرانية لأسباب قومية وطائفية ظل مستمرا حتى بعد نشوء الدولة الحديثة في كل من البلدين، وقد تجاوز الصدام التركي – الإيراني أربع حروب رئيسية. صحيح أن رضا شاه كان معجبا بمشروع أتاتورك القومي العلماني، ولكن في الوقت ذاته خاض كل من البلدين حربا في عام 1930، قادت إلى تعديل معاهدة الحدود بينهما، وظلت تركيا بعد ذلك بعيدة عن التواصل مع طهران لتوجهها نحو الغرب على حساب المنطقة.
ثانيا: كان الموقف التركي واضحا في رفض نموذج الثورة الإيرانية، ولعبت تركيا دورا بارزا كعضو في حلف الناتو في التصدي لطموحات تصدير الثورة الإيرانية، وربما لهذا السبب قام النظام الخميني بدعم الجماعات المسلحة اليسارية الكردية، والأرمينية، والإسلامية مثل حزب الله التركي، ضد أنقرة خلال الثمانينات، وقاد الرئيس التركي الراحل تورغت أوزال سياسة واضحة في دعم باكستان خلال الحرب الأفغانية مع الاتحاد السوفياتي، وظلت تركيا متشككة في نوايا النظام الإيراني، وشهدت التسعينات اغتيال مثقفين وصحافيين علمانيين أتراك اتهمت أنقرة طهران بالتورط فيها.
ثالثا: فكرة التقارب مع طهران كانت مبادرة من نجم الدين أربكان زعيم حزب «الرفاه» الإسلامي، الذي اعتبر عراب التقارب مع الجمهورية الإسلامية، ومهد لذلك بزيارة الرئيس محمد خاتمي، وتوقيع اتفاقيات أمنية ونفطية. هذا التوجه كان يلقى معارضة من بعض قادة الجيش والمؤسسات العلمانية التي اعتبرته محاولة من قبل إسلاميي تركيا لتكرار النموذج الخميني في بلدهم، ولعل ذلك ما يفسر زيارة أربكان بعد رفع الحظر عنه في 2009 إلى طهران، وقول علي ولايتي، وزير خارجية إيران السابق ومستشار المرشد، بأن أربكان كان على الدوام صديقا لإيران.
هذه المحطات التاريخية مهمة لشرح مشهد التحول التركي من سياسة الاحتواء تجاه إيران وسوريا بين أعوام 2003 – 2010 إلى ما نشهده اليوم من ملاسنات بين الطرفين، ففي الشهور الأخيرة، استقبل أردوغان خصوم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، مثل رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، وطارق الهاشمي، إياد علاوي، بل ذهب إلى الحد الذي معه اتهم المالكي بالتوجه نحو أسلوب ديكتاتوري إقصائي وطائفي. في المقابل، رد المالكي على أردوغان بزيارة طهران، وعلق على ما وصفه بالتدخل «الطائفي» – أي السني – ضد حكومته في العراق، واصفا تركيا بالدولة «العدائية» في المنطقة.
لا شك أن تركيا تمر بمرحلة إعادة حسابات في علاقاتها مع إيران وسوريا، ولكن في الوقت ذاته لا بد من تأكيد أن هناك تيارين داخل السياسة التركية، أحدهما متحمس لمواجهة المحور السوري – الإيراني، والآخر – وبعضهم من حزب أردوغان ذاته – لا يزال يحذر من التخلي عن سياسة الاحتواء تجاه هذين البلدين.
الأحداث الأخيرة تثبت أن الخلافات التاريخية بين الطرفين ما تزال قائمة، فتركيا مهما حاولت بسياسة احتوائها، اضطرت في الأخير إلى استخدام هويتها «السنية» وقوميتها «التركية» حتى وإن لم يكن ذلك مباشرا، ولعلنا نستحضر هنا أن ذلك أمر غير جديد، فحين اشتعلت حرب ناغورنو – كارباخ (فبراير/ شباط 1988) بين الأرمن والأذريين في جنوب القوقاز، أخذت كل من إيران وتركيا موقفا مختلفا تجاه الأزمة، مما فجر خلافا دبلوماسيا بين البلدين، حيث كانت إيران تسعى لإعادة الأذريين إلى حضنها الشيعي الثوري، فيما كانت تركيا متخوفة من توسع نفوذ الخميني في جنوب القوقاز، وهذا ما دفع بالرئيس تورغت أوزال أثناء زيارته للولايات المتحدة في 1990 إلى التصريح علانية بأن «الأذريين شيعة، ونحن – أي تركيا – سنة، ولهذا فإن المسألة تخص إيران أكثر من تركيا».
اليوم يتجدد الخلاف التركي – الإيراني حول سوريا، حيث لا يخفي الأتراك شعورهم بأن مصالحهم مهددة في حال استمر نظام بشار الأسد، وحيث تعتبر إيران الموقف التركي – لا سيما رعاية تركيا للمجلس الانتقالي السوري وإيواءها للمهجرين من السنة السوريين – معاديا لمصالحها الاستراتيجية ببقاء حليفها البعثي.
لا شك أن السياسة محكومة ـ غالبا – بالمصالح، وهو ما قد يفسر تحول تركيا عن سياسة الاحتواء تجاه المحور الإيراني – السوري؛ لأن مصالحها قد باتت على المحك في المرحلة الراهنة. الأتراك يشعرون بمخاطر صعود أكراد سوريا في دمشق بعد رحيل الأسد، وهم متخوفون من توتير الأقلية العلوية في تركيا، ولهذا باتوا يبحثون عن بديل إخواني سني لحكم سوريا.
في عام 1985 صرح تورغت أوزال عن خيبة أمله بمستقبل إيران تحت حكم الملالي، فردت الصحافة الإيرانية بأن «تركيا ليست إلا بيدقا للمصالح الأميركية»، وبعد مرور 25 عاما قال أردوغان كلاما مشابها في نقد طهران، فردت الصحافة الإيرانية: «تركيا تنفذ أجندة أميركية لنشر النموذج التركي من الإسلام السياسي».
————–
نقلاً عن الشرق الأوسط

-- عادل الطريفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*