الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قاعدة اليمن أم قاعدة العرب؟

قاعدة اليمن أم قاعدة العرب؟

القبيلة في اليمن هي نفسها تقريباً القبيلة في كل بلدان الجزيرة العربية، وهي لا تشبه القبيلة في أفغانستان. ويمكن خلق أرض حقيقية للعمل التنويري داخل أسوارها بسهولة
قاعدة اليمن أم قاعدة العرب؟ قد يتفق أو يختلف معي الكثير حول صواب أو خطأ المسمى بالنسبة إلى (القاعدة في اليمن). لوصول هذا التنظيم إلى الأراضي العربية ممثلة في اليمن والصومال. فالقاعدة في نهاية الأمر مع وجود نسبة ضئيلة جداً من غير الأعراب مزيج عربي خالص الطعم واللون والرائحة واللغة والدين. وإسباغ مسمى (قاعدة اليمن) نسبة إلى مكان وجودها هو إجحاف وإساءة لبلد عربي أصيل كان ولا يزال العمق الاستراتيجي لعمق الجزيرة العربية بأكملها. ولو افترضنا بجواز التسمية، أليس من المفترض أن نطلق على القاعدة التي ولدت في أفغانستان وبيشاور (قاعدة أفغانستان). ليكون الأمر عادلاً ونحن نصنف الأحداث بشكل منهجي وقابل للتماهي، لأنه من الظلم أن تغفل الحكومات العربية عن خطر القاعدة والأماكن المرشحة لاحتضانها، لتكون أرضها الجديدة بدلاً عن أفغانستان. إذ ورويداً رويداً تسللت الجماعات الإرهابية والمتطرفة إلى اليابسة العربية الأفريقية في الصومال في بادئ الأمر. وكافحت لتوطيد أقدامها شيئاً فشيئاً كخطوة وكمرحلة أولى محسوبة وبدقة بالغة وبتكتيك عال جداً. معتمدةً سياسة (النَفَس الطويل) لبلوغ الهدف. وفي ذهنيتها الافتراضية أن حركة القدم التالية لن تكون إلا على يابسة الجزيرة العربية، ويقيناً لن تكون تلك اليابسة إلا الأرض اليمنية.
في اعتقادي لا أظن أن حكومات الدول العربية في حضن الجزيرة العربية كانت غافلة عن ذلك التحرك وتلك النوايا. لكن المهم هو تضييق مساحة الأرض والسماء على القاعدة ومجاميعها، وتعقيد حصولها على موضع القدم لخطوتها تلك التي أشرنا إليها، لتكفيهم صداع الوقت الراهن الذي يشكله تنظيم القاعدة على الأرض اليمنية. والذي بدأ في التكشير عن أنيابه مستغلاً حالة الأوضاع السياسية والأمنية المتردية في اليمن الآن. إذ ليس ذنب اليمن أن يكون بلداً فقيراً ومتأخراً اقتصادياً عن بقية منظومة دول الجزيرة العربية، وليس ذنب اليمن أن تكون أرضه الأقرب للقرن الأفريقي، وليس ذنب اليمن أن تكون المسافة بينه والإفريقية أقل من 30 كيلومترا فقط، هي عرض مضيق باب المندب الفاصل بينه والتراب الأفريقي. وليس ذنب اليمن أن تتشابه تضاريسه الجغرافية إلى درجة كبيرة مع تضاريس أفغانستان. وليس ذنب اليمن أن يكون (80%) من مجتمعه قبلياً وعصبياً شكلاً ومضموناً، لأن ذلك في الواقع هو نتاج تراكمات عصفت باليمن كثيراً عبر فترات زمنية وأحداث تاريخية شكلت صورة المشهد اليمني وتفاصيله الدقيقة. منها ما كان أنانياً جلفاً، ومنها ما كان ارتجـالياً صلفاً. جعل من اليمن فريسة سهلة بل وأكثر سهولة لطموحات وخطط القاعدة من الصومال، وخاصة لتنظيم عُرف ـ في بداياته ـ بقياداته القوية والخبيرة بالشؤون السياسية والجغرافية العربية.
لم يختر اليمن لنفسه هذا الوضع المأساوي. لكنه الحلقة الأضعف في الجزيرة العربية على الدوام. إذن فالقاعدة الموجودة حالياً على الأراضي اليمنية، ليست (قاعدة اليمن) وحده. وإنما قاعدة تستهدف العرب أجمعين، وعلى الأخص المملكة العربية السعودية التي استطاعت توجيه ضربات قوية لهذا التنظيم.
هكذا ربما قد نرى المشهد بكثير من الوضوح والمصداقية إذا أردنا بالفعل إيجاد حلول جذرية للتعامل مع مثل هذه التنظيمات وخلاياها. والبحث عن طُرق لتفكيكها فكرياً وتنظيمياً وعسكرياً. وضربها في العمق من خلال وضع خطط بعيدة المدى، تأخذ في حسبانها التأكيد على الوصول إلى الأهداف وتحقيقها. واعتماد سياسة النفس الطويل كأحد أهم وسائل الخطة.
ومن المعلوم أن القاعدة ليست مجرد تنظيم عسكري فقط، بل تنظيم فكري متشدد ومتطرف وعدائي ولا يرى فكرا غير فكر قادته الفكريين ومنظريه الذين طالما اعتسفوا النصوص اعتسافا، وإذابته ممكنة جداً في حال تمت محاصرته بطرق منهجية مرتبة ومدروسة. وتبدو الفرصة الآن سانحة للقيام بذلك أكثر من أي وقت مضى بوجود وسيط هائل يتمثل في (وحدة اللغة) مع كل أطراف المعادلة في الوقت الراهن. فوجود عناصر القاعدة ضمن محيط مجتمع عربي يحمل قيما وأخلاقا دينية وعربية موحدة في اليمن، ليس أمراً سيئاً على إطلاقه كما يعتقد الكثيرون، بل إنه يبدو ـ في نظري ـ المدخل الطبيعي لإذابة الفكر المتشدد لدى عناصر القاعدة.
أقول ذلك من واقع معرفتي وقربي من عمق المجتمع اليمني والقبيلة اليمنية ومعرفتي لتفاصيل دقيقة عن تشكيلها ونسقها وعاداتها وقيمها من القبيلة في الجزيرة العربية؛ فالقبيلة في اليمن هي نفسها تقريباً القبيلة في كل بلدان الجزيرة العربية، وهي لا تشبه القبيلة في أفغانستان قطعاً. ويمكن خلق أرض حقيقية للعمل التنويري داخل أسوارها بسهولة، من خلال بذل عمل جاد ومتواصل يأخذ في حسبانه خطة زمنية طويلة الأجل. يمكن تقسيمها إلى مراحل تخضع لتقييم معين. فالقاعدة في اليمن ليست بنفس قوتها خارجه، ولا تحظى بنفس الحرية السابقة التي منحتها لها قمم تورا بورا وقندهار، فدولة كاليمن ليست منفلتة بنفس القدر الذي عليه أفغانستان قطعاً.
—————-

نقلاً عن الوطن أونلاين

-- صالح الديواني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*