السبت , 10 ديسمبر 2016

التطرف.. لا ملة له

الغلو شطحة بشرية تقود معتنقيها إلى مغايرة السائد.. ومناهضة المنطق.. واعتناق الخلاف وليس الاختلاف.. وقد وجد في الناس منذ الأزل وسيبقى موجوداً ما وجدت الحياة
لما مثل المتطرف النرويجي بريفيك الأسبوع الفارط أمام المحكمة، وهو الذي قتل 77 مسلماً بدم بارد يتناسب وطقس هذه الدولة الإسكندنافية، دفع في أول كلامه ببراءته، مسوغاً قيامه بهذه الجريمة البشعة بأنها دفاع عن النفس!!
كيف وهو لم يتعرض للتهديد أو الابتزاز أو الخطر؟
فقط لأنه يرى أنه مهدد من خلال الانفتاح الذي لمسه في وطنه على نحو مهد للغزو الإسلامي بما يهدد التعددية الثقافية بحسب زعمه!!
بل إن بريفيك يمعن في تطرفه حين يظهر أسفه لأنه لم يذهب إلى أبعد من ذلك، ويتحدث عن المجزرة بوصفها فظيعة، لكنها كانت ضرورية، وكان هذا المتطرف النرويجي قد نشر يوم تنفيذه المجزرة شهادة طويلة من أكثر من 1500 صفحة على الإنترنت عرض فيها بشكل مفصل التزامه العقائدي بمكافحة الإسلام والماركسية. وكان بريفيك يعرف نفسه بـ “قائد فرسان الحق”!!
ألا تشعر ـ عزيزي القارئ كما أشعر ـ أنك قد سمعت كنية “قائد فرسان الحق” في ملة أخرى؟!، بل في بقعة جغرافية أخرى؟
والأكيد أنني لا أعني النرويج القابعة في أقصى شمال أوروبا، ولا دونها من قريب، بل إنك تسمع مثل هذه الألقاب كثيراً في مواقع أقرب إليك من شراك نعلك.
قائد فرسان الحق.. كنية تجعلني أتخيل صاحبها متلفعا بشماغ منقط بالأسود.. أو معتمرا بعمامة فوق رأسه، ومتلثماً حتى لا تبدو إلا عيناه ويقرأ بياناً بصوت هادر وعروق نافرة.
بنظرك ما هو المشترك أو الجامع والمتفق عليه بين رجلين مختلفين جغرافياً.. وثقافياً.. ودينياً؟
إنها ملة التطرف.. وعقيدة احتكار الحق.. يتساوى في ذلك كل المنتسبين للعقائد الدينية.. أو الفكرية.. أو السياسية بل وحتى الرياضية.
إن إيمان البشر بحق الاختلاف ويقينهم بالتعددية هو الذي يضمن لهم التعايش بسلام لا تكدره سطوة الرأي الواحد.
فكل المتطرفين ينزعون إلى إلغاء الغير ممن لا ينضوون في صفهم ولا يؤمنون بأفكارهم، وإنما يرون من أفقهم الضيق ما يقصيهم بعيداً عن المجموع، وعن الأغلب، وهكذا تنشأ العزلة، ويتكرس التطرف الذي لمسناه -دائماً – في المنظمات الإرهابية المتطرفة من حول العالم من مثل بادر ماينهوف الألمانية، أو منظمة الألوية الحمراء أو الجيش الأحمر اليابانيين أو منظمة “غوش إيمونيم” أو حركة هتحيا “النهضة” اليهوديتين، أو تنظيم القاعدة أو فيلق بدر.. إلى آخر تلك المنظمات وكثير غيرها.
الغلو شطحة بشرية متطرفة تقود معتنقيها إلى مغايرة السائد.. ومناهضة المنطق.. واعتناق الخلاف وليس الاختلاف.. وسترى أن هذا قد وجد في الناس – بعض الناس- منذ الأزل وسيبقى موجوداً ما وجدت الحياة..
بل لقد زايد كثير من المغالين على الأنبياء. ولنا في سيرة الرجل الذي قال لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: اعدل يا محمد، خير دليل.. وحينها قال رسولنا الكريم: سيأتي من بعدي قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
إن أكثر ما لفت نظري في مقولات السفاح بريفيك الذي قتل 77 مسلماً من الأطفال وصغار السن أنه دعا القوميين في أوروبا إلى تعلم نضال المقاومة من تنظيم القاعدة، واصفاً الشبكة بأنها أكثر منظمة مسلحة نجاحاً في العالم! مردفاً أنه سيكرر جريمته مجدداً لو أتيحت له الفرصة، مذكراً أنه قد نفذ بنفسه أروع عملية لمسلح قومي في هذا القرن.
إن التطرف، والغلو، والتشدد هو ما يعني في نظر معتنقيه إلغاء الآخر، وسحق المختلف. وصدق الله العظيم: “قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين”.
إن هذه الآيات الكريمات أعلى بيان وأوضح برهان على حقيقة أن البشر مختلفون وسيظلون كذلك ما دامت الدنيا.
والله بصير بما يعملون.
————

المصدر:موقع الأمن الفكري

-- إدريس الدريس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*