الأحد , 4 ديسمبر 2016

القرامطة الجدد..! 2-2

إن مبدأ الفيض والكشف والحلول والإشراق الذي صعده الفلاسفة الفرس وأضافوا إليه التناسخ الهندي لم يكن وليد صدفة، ولا وصولاً علمياً إلى حقائق مغيبة في الفكر؛ بل كان اشتغالاً جماعياً متواتراً من أجيال عديدة من علماء الفرس أرادوا به إسقاط مفهوم التوحيد كعقيدة…
…وإبطال مفهوم الوحي كرسالة، وإلغاء مفهوم الأنبياء والرسل كوسطاء، ولذا عمل المفكر الفارسي اليهودي “ابن الراوندي” في كتابه “الزمردة” على إلغاء الأنبياء وإبطال الرسالات؛ لأنه بهذا يلغي الديانات، وقد رد عليه كثيرون كالخياط وابن تيمية وغيرهما، وأخذ عنه فارسي ملحد آخر هذا القول فقال بإبطال النبوة، وهو العالم الطبيب أبوعلي ابن سينا وأن الديانات للغوغاء والدهماء، أما النخب فشأنهم شأن الرسل يصلون إلى الحقائق كما يصل الرسل ولذا تسقط عنهم التكليفات والواجبات الدينية! إن مبادئ الإلحاد والتجديف والتحريف نمت وانتشرت انتشار النار في الهشيم مع مطلع العصر العباسي الثاني على يد الفرس في الأعم الأغلب وبقصد وتخطيط ولم تكن مصادفة ولا اعتباطاً؛ مثل ببابك الخرمي والزنج وحمدان قرمط، وملاحدة المتكلمة كالسهروردي والطوسي والحلاج وابن الفارض وابن سينا وابن الراوندي وميمون القداح والجعد بن درهم وغيرهم، وهو استكمال لما قدحه الهرمزان الفارسي في المدينة مع اليهودي كعب الأحبار من تخطيط للتآمر على الدولة الإسلامية الأولى، وهو ما واصله باقتدار اليهودي اليمني الأسود عبد الله بن سبأ وما أشاعه من فتن، حتى نسبت له طائفة باسمه لتحريفها العقدي وسعيها إلى الشبه والضلالات وتدعى: السبئية. ومن العجب أننا في زمن آخر مختلف، ومتغير، ومحتشد بالمعارف الجديدة، ومتخم بطروحات الحريات الدينية وحقوق الأقليات، ومقاومة العنصرية؛ إلا أننا نرى ونتألم مما يقترفه نظام البعث النصيري من جرائم منطلقها – مع الأسف – طائفي خالص؛ بدليل قصف المدن السنية، واغتيال العلماء والدعاة، وهدم المساجد وإهانتها إما بالتبول فيها أو بتشغيل الموسيقى، واستهداف المآذن، وحرق المصاحف، والاستهزاء بالصلاة، وتعذيب المعتقلين والتمثيل بهم والاغتصاب، وإهانة الموتى، وبقر بطون الأطفال، والإعدامات الجماعية في السجون وعلى قارعات الطرق.
هذه الأعمال الوحشية الموثّقة تنم عن عداء عنصري طائفي شعوبي مسنود من الفرس ومن الأحزاب الباطنية من غلاة الشيعة، فالحرب الآن في سوريا هي في واقع الأمر امتداد لحروب قديمة ومؤامرات تأريخية مجوسية فارسية يهودية بدأت بعد فتح فارس بمعركة القادسية على يد سعد بن أبي وقاص ولم تنته بمقتل عمر بن الخطاب، بل استمرت مثيرة فتنة مقتل عثمان، ثم تصعيد الخلاف بين علي ومعاوية، وافتعال اعتداء في كل معسكر لإثارة الفتنة بين المتخاصمين في موقعة الجمل، ثم التشيّع الموهوم الذي هو في حقيقته حق يراد به باطل، أو قميص عثمان لتحقيق مآرب أخرى ليس منها إنصاف من مظلمة اندثرت ومر عليها أكثر من ألف وأربعمائة عام؛ بل لرغبة الوصول إلى هدم كيان الدولة العربية الإسلامية دينياً وسياسياً وقومياً.
والدلائل في التاريخ العباسي أكثر من أن تحصى، ليس أقلها فتنة خلق القرآن زمن المأمون وسعي ابن أبي دؤاد الفارسي سيئ السمعة ودوره الخطير في حبك سياقات هذه القصة الكلامية المثيرة للضحك، وقصة مقتل عبد الله ابن المقفع، وقصة نكبة البرامكة ودورهم الخفي في السعي لاستعادة المجد الفارسي زمن هارون الرشيد.
الدعوة إلى السجود لبشار، أو تأليف كلام على وزن الآيات الكريمة فيه تأليه له وكتابة ذلك على حيطان المساجد ليس إلا تطبيقاً لمبادئ النصيرية التي تؤمن بالحلولية والتناسخ، وترى أن الله يحل في خلقه المختارين، فهماً مغلوطاً للآية الكريمة {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} السجدة 9 والآية الأخرى {وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} آل عمران 189” فالإنسان – حسب فهمهم – ينوب عن الله في امتلاك كل شيء، من خصَّه الله بأن يحل فيه، كما يزعمون! ولذا يعتقدون أن بشار إله يستحق العبادة ويأمر فيطاع، وهو من يفني ويحيي كما قال جدهم الأعلى أبوطاهر القرمطي وهو يقف على سطح الكعبة “أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا”.
ولنا أن نعجب من عقل متسلط تعشش فيه أوهام الخرافة، تحييه الطائفة العلوية في شقها النصيري المتطرف لتتماسك عن الفناء، ولتتقوَّى بهذه الخزعبلات عن السقوط، فهي تعلم أنها دخيلة على الفكر الإسلامي النقي، وأنها مطاردة محاربة من كل القادة المسلمين، ولم تجد لها سطوة وقوة إلا في العهد الصفوي البائس الذي حكم جزءاً من العالم الإسلامي في فترة ضعف وهوان مريرة.
ولو تأملنا في تأريخ ومرجعية صاحب الدعوة النشاز لوجدنا عرقه فارسياً، ففي كل النحل الباطلة نجد هذا العنصر حاضراً، وهو ما يدل على سعيهم المبكر لتفتيت وهدم البنية العقدية للأمة.
وهنا أود أن أورد ما ذكره ابن خلدون في المجلد الثالث من تاريخه في أحداث 319هـ عن واقعة استباحة دماء المسلمين في مكة؛ باعتبارهم كفاراً: “ثم سار أبو طاهر القرمطي سنة تسع عشرة إلى مكة، وحج بالناس منصور الديلمي، فلما كان يوم التروية، نهب أبو طاهر أموال الحجاج، وفتك فيهم بالقتل حتى في المسجد والكعبة، واقتلع الحجر الأسود وحمله إلى هجر، وخرج إليه أبو مخلب أمير مكة في جماعة من الأشراف، وسألوه فلم يسعفهم، وقاتلوه فقتلهم وقلع باب البيت، وأصعد رجلاً يقتلع الميزاب فسقط فمات، وطرح القتلى في زمزم، ودفن الباقين في المسجد، حيث قتلوا، ولم يغسلوا ولا صلي عليهم ولا كُفِّنوا. وقسم كسوة البيت على أصحابه، ونهب بيوت أهل مكة “.
وبجمع الوقائع والأحداث التي حصلت على مدى التاريخ القرمطي والنصيري وما يحدث الآن؛ نجد تشابهاً واضحاً في دلالات القتل ومعانيه، فلم يكن دفاعاً عن النفس أو للانتصار فحسب؛ بل كان الهدف منه في القديم والحديث التصفية والانتقام، فقد كان نساء القرامطة الغزاة في مكة يخضن المعركة مع الرجال وإذا سمعن أنيناً بين الجرحى اقتربن بالماء للسقيا فإذا علمن أن عرقاً ما زال ينبض في جريح أجهزن عليه! وهو ما يفعله شبيحة النظام النصيري الآن فهم يبقرون بطون النساء الحوامل، ويقتلون الأطفال، ويحرقون الناس أحياء.
وإن ما يبذله مقاتلو الجيش السوري الحر من بطولات لكفيل بأن يكون النواة الأولى لتحرير أرض الشام من الهيمنة الباطنية الطائفية العنصرية المتخلفة، التي تقسم الناس على أساس عرقي مذهبي، وتحمل أحقاداً ومواقف تاريخية اندثرت، وتؤمن بخزعبلات ومفهومات لا تتفق ومعطيات الحياة الفكرية الحديثة، وحقوق الإنسان، ولعل العالم يتنادى لتخليص أبناء منطقة الشام من عسف تاريخي مستبد ومن دماء تراق وحريات تنتهك طوال اثنين وأربعين عاماً منذ انقلب حافظ أسد على أمين الحافظ بما أسماه ثورة التصحيح عام 1970م وسوريا تعيش ظلاماً حالكاً ربما اقترب فجره أو هو على وشك الانبلاج بمشيئة الله.
ksa-7007@hotmail.com
——–
نقلاً عن الجزيرة السعودية

-- د.محمد عبدالله العوين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*