الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » عندما تغيب العقول .. «الجيزاوي» مثالا

عندما تغيب العقول .. «الجيزاوي» مثالا

من محام يدافع عن حقوق العاملين إلى تاجر مخدرات، ليس سيناريو فيلم بوليسي، ولا قصة من قصص المخابرات التي تتحول إلى مسلسلات، إنها حقيقة وواقع لم يفاجئ العاقلين بقدر ما دهم المتربصين الظانين ظن السوء دائما، فالمفاجآت التي توالت علينا في قضية القبض على المحامي المصري ومهرب المخدرات (الحالي) أحمد محمد السيد (الجيزاوي)، كانت ضربة قاصمة لكل الأطراف، وأعني تلك التي استعجلت الحكم ودافعت عن الجاني وحولته إلى ضحية، سواء أولئك المشككين في كل ما هو سعودي، من السعوديين قبل غيرهم، أو أولئك الذين ظهروا على الساحة المصرية فجأة، يريدون ضرب العلاقات السعودية ــــ المصرية، دون أن يعوا أن الثمن لهذه المغامرة سيكون مكلفا، ولن يستفيد منه أحد.

المثير في كل تفاصيل هذه القضية وتطوراتها هو كشفها، مجددا، عن شريحة من العقول المصابة بداء اكذب ثم شكك ثم زوّر حتى يصدقك الناس، فما إن أعلن القبض على الجيزاوي، حتى نسجت القصص ورويت الحكايات، السيناريو كان جاهزا: حكم عليه بالسجن سنة والجلد 20 جلدة، كان ذاهبا للعمرة فإذا به يتم القبض عليه لجرم دفاعه عن المصريين في السعودية، لم يتقص المشككون، ولم ينتظروا، بل صعدوا سريعا واعتبروا القضية ”طردا لضيوف الرحمن”، و”تمثيلية لا تنطلي على العقلاء”، إلى آخر ردود الفعل المعلبة والجاهزة ضد المنطق والعقل، وعندما أعلن السفير السعودي حقيقة ما جرى، توقعنا أن يصحو أولئك من سباتهم، لكنهم استمروا في عادتهم بالتشكيك والسخرية، وكأن الحكومة السعودية تركت كل همومها الداخلية والخارجية وتفرغت لملاحقة محام لم يسمع عنه أحد، إلا بعد أن أصبح تاجر مخدرات طبعا، أما وقد خرج السفير المصري مصرحا بأن الجيزاوي فعلاً هرَّب الأقراص المخدرة، فقد بهت الذين كذبوا، ولكن هل يعقلون؟ لا أظنهم يفعلون.

في سياق تفاعلات هذه القضية، سألتني مذيعة الـ ”بي بي سي” سؤالا استفزازيا: كيف حولتم الرجل من محام إلى تاجر مخدرات؟! لم أقل لها ماذا تقصدين بـ ”حولتم”، لكني أجبت على كل حال أن المحزن في القضية، التي يفترض أنها فردية، وقد تحدث في السعودية أو مصر أو أي دولة في العالم، أنه تم تسييسها حتى تتسبب في أزمة سياسية تعصف بين البلدين، وبالتالي تؤثر في مئات الآلاف من المصريين العاملين في السعودية، وعشرات الآلاف من المقيمين السعوديين في مصر. إذن لمصلحة مَن تصر بعض النخب المصرية على تجييش الشارع المصري ضد السعودية حكومة وشعبا، في حين أن السعوديين عرف عنهم، تاريخيا، قربهم من الشعب المصري ولا يقبلون إهانته أو التجني عليه، وها هم المصريون العاملون في السعودية لديهم الإجابة الصريحة فليفتونا بها؟

عندما يغيب، أو يغيّب، العقل، تكون النتائج كارثية، ويصبح البحث عن الشعبية والجماهيرية الزائفة هو السائد، كما نشاهد في (مسلسل) قضية الجيزاوي. لدى المصريين من هو على أهبة الاستعداد لتأجيج مشاعرهم ضد أشقائهم السعوديين، ولدى السعوديين، وهنا المصيبة، من هو مستعد لأن يقاتل لآخر رمق من ”حروفه”، فقط للتأكيد على أن بلاده أسوأ بلد في العالم، وفي كل شيء!

عقوق الأبناء لوطنهم جرم ونكران للجميل، لكن ما الحيلة إذا كان هناك مَن يفتخر بهذا العقوق؟!

————

نقلاً عن الاقتصادية 

-- سلمان الدوسري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*