الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التمويل الإسلامي وحوار الحضارات

التمويل الإسلامي وحوار الحضارات

انعقد يومي السبت والأحد 29 جمادى الأولى ــــ غرة جمادى الآخرة منتدى حوار الحضارات الذي تنظمه وزارة التعليم العالي ممثلة في الملحقية الثقافية في فرنسا بالتعاون مع جامعة الملك عبد العزيز، وقد انعقد المنتدى في جدة. تناول المنتدى مجموعة من المحاور التي تؤسس لحوار بنّاء بين أوروبا والإسلام، وكان من ضمن هذه المحاور الاقتصاد الإسلامي. وقد شارك في هذا المنتدى مجموعة من الخبراء والأساتذة من جامعات ومراكز مرموقة بفرنسا، وكان لقاء بناء في القضايا التي كانت محور اللقاء في المنتدى.

فيما يتعلق بالاقتصاد كان الحديث يتناول الفكر الإسلامي في الاقتصاد، الذي يؤسس لمنهج يختلف في مضمونه عن المنهج السائد وهو الرأسمالي والشيوعي، ويستفيد من التطورات الحاصلة في الاقتصاد، وكان واضحًا من خلال المشاركات في هذا الملتقى أن هناك اهتمامًا بالمنهج الإسلامي في الاقتصاد، والنظر في العناصر المشتركة بينه وبين الأديان الأخرى، خصوصًا النصرانية وأيضًا اليهودية، حيث جاء في بعض المشاركات أن الدين النصراني ومن خلال بعض عباراته المقدسة التي تنسب إلى عيسى عليه الصلاة والسلام، تؤكد منع الإقراض مع أخذ مقابل لذلك، بل يكون ذلك دون مقابل مطلقًا، وهذا واضح في تعاليم الشريعة الإسلامية التي تمنع أخذ عوض مقابل الإقراض.

ولذلك جاء في بعض المشاركات أن الفائدة كانت ممنوعة في الحضارة الأوروبية إلى فترات ليست بالبعيدة عن عصرنا الحاضر، وذلك إلى أن أجازتها الكنيسة لاحقًا، بل في فرنسا أصدر أحد الرؤساء أمرًا بمنع الفائدة على القروض، إلى أن جاءت حرب الـ100 يوم بين فرنسا وبريطانيا، وأصبحت الحاجة ملحة للاقتراض، فسُمح بالاقتراض بفائدة. ما ظهر بارزًا في هذا المنتدى أن هناك توافقًا على أهمية العودة إلى المبادئ الأخلاقية في الاقتصاد، التي تتضمن مجموعة من التعاليم التي جاءت في الأديان، وهي الآن مطبقة وممارسة على مستوى الاقتصاد الإسلامي، فقضايا مثل الغرر والمقامرة، ومسألة الاعتدال في النظر إلى الملكية الفردية وحرية السوق بصورة تحقق العدالة الاجتماعية.

الملاحظ أن فرنسا اليوم فتحت أبوابها بشكل واسع للتمويل الإسلامي، وقد صاحب ذلك دراسات بشكل واسع على مستوى لجان مرتبطة بالبرلمان، وكان من نتائجه أن أصبح هناك تعديل في بعض الأنظمة لتسهل نشاط التمويل الإسلامي، بل تتطلع فرنسا لاستقطاب استثمارات في هذا المجال، بما يمثل فرصة لفرنسا لإيجاد تنوع وفرص أكبر لاستقطاب هذا القطاع اليافع الذي يشهد نموًّا متسارعًا، ونجاحًا غير مسبوق على مستوى الأصول، والتوسع في الاستثمار في قطاعات مالية جديدة، نحن نعلم أن فرنسا دولة علمانية تتشبث بهذا المبدأ بصورة لا تريد أن تكون مظاهر أي دين بارزة، وهذا كان واضحًا من خلال مجموعة من المواقف. ولم تُخف فرنسا قلقها من التمويل الإسلامي بوصفه يقدم نموذجًا دينيًّا، إلا أنه وبعد دراسات أبرزت أنه نموذج أخلاقي للاقتصاد، وليست هناك خطورة منه خصوصًا من جهة تمويل الإرهاب.

التمويل الإسلامي في واقعه يبرز أن هناك قضايا تمت إساءة فهمها من قبل الغرب، حيث إن التمويل الإسلامي وكثيرا من القضايا التي لازمت المجتمعات الإسلامية ما هي إلا ممارسة وسلوك يقال في غالب حالاته إنه ممارسة مباحة، وليست لها علاقة بجانب العبادة في الإسلام إلا من خلال الانضباط بأحكام الشرع، بمعنى أنه لا يفرض ثقافة المسلمين على المجتمعات الأخرى، فلو نظرنا إلى البيع مثلاً فهو نشاط مباح، ولكن يتطلب أن يكون منضبطًا بالأحكام الشرعية، وهذا الأمر ينطبق أيضًا على أمور أخرى مثل عمليات البنوك الإسلامية، وأدوات التمويل بشكل عام، إلا إذا كانت المعاملة فيها جانب التبرع، مثل القرض دون فائدة. ولذلك اكتساب وصف إسلامي لا يعني أن التمويل الإسلامي هو شكل من أشكال العبادات مثل الصلاة أو الزكاة وغيرهما، بل هو سلوك بشري وضع الإسلام له ضوابط بغرض تحقيق العدالة والتحفيز على التنمية، والتوزيع الأمثل للثروة. ولو أن كثيرًا من القضايا تدرس من الغرب بالمنهج الذي سار عليه نفسه في فهم الاقتصاد الإسلامي، لكان فهمه أكثر اعتدالاً للإسلام والمجتمعات المسلمة.

فالخلاصة أن الاقتصاد والتمويل الإسلامي يمكن أن يكون واحدًا من الأسس المناسبة والفاعلة في حوار الحضارات، إذ إن الغرب اليوم أصبح يقبل بشكل كبير الاقتصاد الإسلامي، ويتبناه البعض بصفته اقتصادًا أخلاقيًّا يعالج مجموعة من الثغرات الموجودة في الاقتصاد الرأسمالي، والحقيقة أن هناك مجموعة من القضايا لو درست بشكل مشابه لزال سوء الفهم عن الإسلام والمجتمع الإسلامي.

———-

نقلاً عن الاقتصادية 

-- د.صلاح بن فهد الشلهوب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*