الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إمارة القاعدة في مالي

إمارة القاعدة في مالي

إن مسار الأحداث في شمال مالي بدأ يأخذ أبعادا خطيرة ستخرج عن السيطرة ، في حالة لم يحدث تدخل سريع وفاعل من كل الدول المعنية بمحاربة الإرهاب ، وخاصة دول الجوار لمالي . لقد خاضت قبائل الطوارق حروبا مستمرة ضد النظام المركزي في مالي من أجل الاستقلال بسبب حالة التهميش والاضطهاد التي عانت منها قبائل الطوارق . 

ولم تتمكن من هزم الجيش المركزي إلا بما توفر لمقاتليها من سلاح ومعدات متطورة لم يمتلك الجيش النظامي نظيرا لها . 

وسبق للسلطات الفرنسية ، من خلال ما تجمع لدى سفارتها بمالي من معلومات خلال الهجوم الذي شنه مقاتلو الطوارق على مدينة “إغويلهوك” حيث ارتكبت مجزرة رهيبة بين المدنيين والجنود الماليين ، سبق للسلطات أن أشارت إلى التفوق العسكري لمقاتلي الطوارق مكنتهم من اكتساح المنطقة في أيام قليلة . 

كما سبق وأكد الوزير الفرنسي للتعاون هنري ريانكور، أن أسلحة مقاتلي الطوارق  تشبه إلى حد كبير الأسلحة التي كان يستعملها الثوار، في القتال ضد قوات العقيد الليبي امعمر القذافي . 

وقال المسؤول الفرنسي إن شهودا بعين المكان أكدوا أن مرتكبي المجزرة كانوا يرتدون الزي الأفغاني ومعهم أسلحة جد متطورة، بينها أجهزة اتصالات بتكنولوجيا متقدمة . كما نقل ”الرعب” الذي تملك الجنود الماليين بسبب  حجم الأسلحة التي يحملها المسلحون.

 ونفس الأمر سبق وأكده مسؤول بوزارة الدفاع المالية من أن المتمردين مجهزون ”مثل الجيش الليبي تماما” بعتاد مثل الرشاشات الثقيلة على المركبات رباعية الدفاع والصواريخ المضادة للدبابات والطائرات، بالإضافة إلى الأسلحة الخفيفة. ونقل جنود ماليون من المشاركين في القتال أن المتمردين ”أعدادهم كثيرة، ويملكون أفضل عتادا وإمكانات تتعلق بالنقل والإمداد والتموين، بما في ذلك الهواتف المتصلة بالأقمار الصناعية”. 

وأضافوا ”إنها حقيقة مرة”. كما أكد الجنود الماليون أن المقاتلين ”الذين يرتدون عمامات يملكون ترسانة صواريخ أس.إيه 7 وأس.إيه 24 ونظام صواريخ ميلان المحمولة”. من هنا يتأكد أن سقوط نظام القذافي كانت وستكون له تداعيات خطيرة على دول المنطقة وعلى الأمن الإقليمي والدولي إذا لم توضع إستراتيجية دولية للتعامل مع الوضع في مالي ومنطقة الساحل والصحراء . 

وما يزيد من مخاطر تداعيات سقوط النظام الليبي ، تحالف مقاتلي الطوارق والعناصر الإرهابية المنتمية لفرع القاعدة بالمغرب الإسلامي .

 وهم الآن بصدد الإعداد لإقامة إمارة إرهابية على جزء من شمال مالي تكون تومبكتو العاصمة المؤقتة قبل بسط النفوذ على كامل إقليم الطوارق الذي تبلغ مساحته 800 ألف كلم مربع . والمعلومات المتوفرة حاليا ، تؤكد هذا المنحى الذي تسلكه التنظيمات الإرهابية في شمال مالي ، خصوصا بعد طرد مقاتلي الحركة الوطنية لتحرير الأزواد من مدينة تومبكتو بعد السيطرة على أجزاء منها يوم الجمعة 27 أبريل 2012 . 

وهذا ما أكده عمر ولد شريف، أحد مسؤولي الجبهة في قوله : “أبوزيد، زعيم القاعدة في المغرب الاسلامي شخصياً، طلب منا مغادرة مواقعنا في تمبكتو. لتفادي وقوع مجزرة سيكون المدنيون أول ضحاياها، غادرنا المدينة”. فكيف لحركة قاتلت الجيش النظامي منذ حصول مالي على الاستقلال حتى هزمته ، أن تنسحب أمام عناصر فرع القاعدة ؟ هل معنى هذا أن الإرهابيين أكثر عدة وعتادا ؟ لقد قال أحمد ولد محمود عضو الجبهة الوطنية لتحرير الأزواد إن المقاتلين دخلوا على متن أكثر من 100 سيارة إلى توبكتو .

 وأضاف “جئنا لنحمي وندافع عن منطقتنا التي تمتد من تمبكتو الى تاودنيت شمال المدينة”. 

لكنهم انسحبوا لمجرد أن طلب منهم زعيم فرع القاعدة ذلك . تحول خطير في ميزان القوى ينذر بالكارثة . فمن جهة تعقد الحركة الوطنية لتحرير الأزواد اجتماعا لترتيب خطوات تأسيس دولة على إقليم الأزواد ، حيث انطلقت أشغال اللقاء الأول من نوعه بين المئات من القادة العسكريين للحركة الوطنية لتحرير الأزواد، والسياسيين ورؤساء قبائل الطوارق وعلماء منطقة الأزواد والأمازيغ، من أجل تحديد نهج الدولة الجديدة للأزواد بعد إعلان استقلالها عن مالي في الشمال على مساحة تزيد عن 800 ألف كلم مربع. 

وطالب العلماء ورجال الدين الذين سجل حضورهم بأعداد كبيرة في مقر الحكومة الجهوية غاوو وسط المدينة، السياسيين والقادة العسكريين بإعلانها دولة إسلامية على منهج أهل السنة والجماعة دون غلو أو تجاف وتميع في التمسك بأحكام الدين وتعاليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي كلمة ألقاها الأمين العام للحركة الوطنية للتحرير الأزواد، بلال آغ شريف، أكد أن الدولة الجديدة ستكون متمسكة بتعاليم الشريعة والإسلام المعتدل الوسطي، كما نوه ذات المتحدث بالمواقف الكبيرة للكثير من القوى الفاعلة في منطقة الساحل التي أكدت على حق الشعوب في تقرير مصيرها، حيث خص بالاسم الجزائر دولة وشعبا. إذن في الوقت الذي يناقش الأزواديون طبيعة الدولة الوليدة ونظامها السياسي ، تعد العناصر المتطرفة المنتمية لتنظيم القاعدة ولحركة أنصار الدين المتشددة للانقضاض على الدولة الجديدة التي سيعلنها الأزواديون . 

فقد عرف مقر الاجتماع الذي حضره أعيان منطقة الأزواد من عسكريين ووجهاء قبائل وسياسيين إطلاق نار كثيف، في محيط مقر الحكومة الجهوية والقصر الجمهوري الذي احتضن اللقاء . 

كما أكد مصدر من الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، إن سيارات من جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا قامت بمحاولة الهجوم على المطار الدولي لمحافظة “غاو”، غير أن نقاشا حادا وتبادلا لإطلاق النار وقع بين جنود الحركة وأفراد جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، وقال ذات المصدر إن المهاجمين كانوا يسعون لتفجير مدرجات المطار، بسبب ما قالوه لأفراد الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، إنهم يسعون للحد من الإنزال العسكري لأي دولة أو قوة أجنبية يمكنها أن تستعمل المطار المدني في إنزال طائرات عسكرية لقصف مواقع جماعة أنصار الدين والتوحيد والجهاد في غرب إفريقيا”. 

وهذا الواقع الخطير سبق وأثاره المنسق الأمريكي لمحاربة الإرهاب دانييل بنجامين يوم الأربعاء 25 أبريل أمام الكونغرس الأمريكي أن الأحداث الأخيرة في مالي سمحت ب”تواجود مكثف” لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في المدن المالية الشمالية . 

وجاء تصريح السيد بنجامين خلال جلسة استماع للجنة الشؤون الخارجية بغرفة النواب خصصت للجماعات الإرهابية الناشطة في إفريقيا.

و قال انه “للمرة الأولى هناك تواجد كبير لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في المدن المالية الشمالية الكبرى و نعتقد أن ذلك سيكون مؤقتا و أن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي سيعود إلى وكره في الصحراء في جبال تيرغارغار شمال مالي”

.ولا شك أن الولايات المتحدة الأمريكية تراهن على دول المنطقة في التصدي لخطر الإرهاب في مالي . إلا أن المعطيات التي أفرزتها تجربة دول الساحل في محاربة الإرهاب تثبت أن هذه الدول هي في عجز تام عن مواجهة العناصر الإرهابية التي تتحرك بكل حرية في منطقة شاسعة تزيد مساحتها عن ثمانية ملايين كلم مربع .

 وقد سبق إحداث هيئات عسكرية مشتركة لمحاربة الإرهابيين دون أن تتمكن من إنجاز أي عمل ميداني . وها هو جزء من مالي يسقط بيد التنظيمات الإرهابية ، وقريبا سيتحول إلى إمارة تستقطب المقاتلين من كل دول العالم للدفاع عن كيانها ضد المخططات العسكرية التي تعدّ لها دول الجوار بتنسيق مع الدول الغربية . 

فقد وجه قادة دول غرب افريقيا تحذيرا الى العسكريين الانقلابيين في مالي وغينيا بيساو لدى افتتاح قمة طارئة الخميس 26 أبريل 2012  في ابيدجان مخصصة للازمات التي تزعزع استقرار هذين البلدين. وقال رئيس ساحل العاج الحسن وتارا في خطابه الافتتاحي محذرا “ان رد فعلنا الحازم والتزام حلفائنا هما حيويان اكثر من اي وقت مضى لكي لا تغرق منطقتنا في الارهاب والاجرام العابر للحدود. (…) إن أمن اوروبا والولايات المتحدة بات يبدأ في منطقة الساحل وخليج غينيا”. 

وقد اجتمع عشرة رؤساء بينهم رئيس مالي الانتقالي ديونكوندا تراوري ورئيس بوركينا فاسو بليز كومباوري الوسيط في الازمة المالية، والموريتاني محمد ولد عبدالعزيز حول وتارا الرئيس الدوري للمجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا. وشارك في الاجتماع رئيس لجنة السلم والأمن في الإتحاد الافريقي وممثلين عن كل من الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي والجزائر.

 وكل هذه الاجتماعات لن تكون لها نتائج على أرض الواقع ما لم تغير الدول المعنية إستراتيجيتها وتعتبر أن منطقة الساحل والصحراء باتت قاعدة خلفية لتنظيم القاعدة .

 وهذا من شأنه أن يجعلها تنخرط بجدية في مواجهة العصابات الإرهابية . ذلك أن الإجراءات التي اتخذت من قبل لم تكن مجدية ، إذ سبق للجزائر أن  التزمت من خلال الاتفاقات العسكرية، خاصة اتفاق تمنراست، بتوفير دعم لوجيستي لوحدات الجيش المالي القريبة من الحدود الجزائرية والعاملة في مراقبة الحدود ومكافحة الإرهاب. 

ووافقت الجزائر على تدريب عناصر شرطة وجنود في عدة قواعد بتمنراست وقاعدة بمالي، حيث يخضع جنود للتدريب على القتال على طريقة القوات الخاصة الجزائرية، بالإضافة إلى تدريب ضباط صف وضباط في مدارس عسكرية جزائرية. لكن هذه الالتزامات لم تغير من حقائق الواقع ولم تحم مالي من خطر الإرهاب .كما أن القوات الأجنبية  التي تنتشر خاصة بالمنطقة ، لم يكن لها تأثير رادع للعناصر الإرهابية . 

ففي موريتانيا و بمدينة عطار توجد ثلاثة مبان بطاقة استيعابية تقدر بمائة و خمسين سريراً تستقبل قوات فرنسية أتت لتدريب نظيرتها الموريتانية ، كما أن مدربين من الولايات المتحدة موجودون بالمنطقة، لكن دون جدوى . فتنظيم القاعدة لازال يحتجز الرهائن ويتمدد في المنطقة ، وهاهو قد صار قوة ضاربة في شمال مالي .

كل هذا يحدث في ظل الحديث عن التنسيق العسكري والمخابراتي بين دول المنطقة ونظيراتها الغربية .

-- خاص بالسكينة: سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*