الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

الثورة والأخلاق!!

من غير المتصور أن تمر أزمة “الجيزاوي” دون أن تترك ملمحاً من أثر بائس في ملف العلاقات السعودية – المصرية.. فالإهانات التي مارسها المتظاهرون فوق جدران السفارة بالقاهرة أو الهتافات البذيئة الوقحة في وسائل الإعلام تكشف عن قدر هائل من الانحراف والتضليل لدى الرأي العام المصري صنعته فضائيات التشهير ورجال الإعلام الذين يقودون جمهوراً دون رأس ويحركونه في كافة الاتجاهات دون رابط أو رادع أو حساب.. وعندما يهدأ الغبار وتتضح الحقائق لا نجد من يعتذر كما يفعل الرجال.. 

كنا نتصور أن ثورة 25 يناير العظيمة قد صنعت شعبا ورجالا من الشرفاء الذين أبهروا العالم بأدائهم السياسي السلمي الذي يرقى إلى مصاف الزعيم الهندي غاندي، وتصور الكثيرون أن “الغاندية” بعثت من جديد في جلباب مصري.. لكن الأمر على ما يبدو لم يكن كذلك.. ولا أبالغ أن المعالجة المصرية لأي خلاف سياسي أو قانوني أو حتى نزاع تجاري مع المملكة قبل الثورة، لم يختلف كثيرا عنه بعدها، فهو دوماً يتحرك داخل دائرة من السباب والشتائم وأقسى العبارات، لكن البعض يلعب دوماً على عامل النسيان وفقدان الذاكرة لدى الشعوب، فما بالنا برأي عام بلا رأس تحركه ميكروفونات الفضائيات كيفما تشاء.. دأبت على مدى شهور في الترويج لمفاهيم مغلوطة حول موقف المملكة من الثورة المصرية دون أن تقدم دليلا ماديا واحدا على صدق ما ذهبت إليه من أباطيل فقررت أن تصنع دليلا مزيفا تقدمه للرأي العام من قصة واهية عن قانون لا أثر له في منظومة القضاء السعودي وهو “السب في الذات الملكية” !! وعندما أسقط في يدها وتبين كذب ادعائها حشدت جماهيرها لإثارة الفتن رغماً عن أنف الجميع.. كان من المتصور أن يقبل العقلاء والمنصفون شهادة المستشار ماهر المهدي القائم بأعمال القنصل المصري بجدة، بأن الجيزاوي محتجز في مباحث المخدرات بجدة، وأنه توجه لزيارته، وأنه اعترف له بحيازة ما يقرب من 21 ألف قرص “زياركس” والتي ضبطت معه أثناء دخوله إلى المملكة لأداء مناسك العمرة، نافياً علمه أنها ممنوعة، ومؤكداً نيته توصيلها لإحدى الشركات التجارية بتكليف من شخص مصري، لم يفصح عن اسمه.. إلى هنا تكون الصورة قد وضحت، ومن الطبيعي أن يكون الملف قد أصبح جنائياً بتأكيدات القنصل المصري، خالياً من أية تورية سياسية أو نكهات تآمرية مثلما سارت منذ البداية التكهنات المضللة التي دفعت بالقطيع الأعمى دون تروّ أو فكر مستغلة وهج الثورة المصرية.. لكنه يأخذ منحى جديدا أكثر حدة بالتشكيك في نزاهة القضاء السعودي في إصرار غريب على العودة بالقضية إلى المربع صفر وكأن التهدئة وتوضيح الحقائق للرأي العام قد باتا يضران بمصالح البعض!! 

يمكننا أن نتفهم ثورة الرأي العام والاحتقان الشعبي حين تغيب الحقائق، ويكون ذلك مقبولاً إلى أن يتم التوضيح، لكن من غير المقبول أن يأتي الإصرار على التضليل من أعلى قمة الهرم الدبلوماسي المصري وهو السيد محمد كامل عمرو الذي أحال السفير محمود عوف إلى التحقيق لتأكيده التهم المنسوبة للجيزاوي، وكأن المفترض من أي سفير أن يمارس البلطجة والتضليل على الدولة المضيفة ويستدرج الرأي العام إلى مناطق مظلمة.. لكن تصريحات وزير الخارجية المصري تكشف بوضوح عن مدرسة دبلوماسية متجذرة في أروقة السياسة المصرية منذ ما قبل الثورة تعتمد منهج الابتزاز السياسي في علاقاتها بالدول الشقيقة.. 

وأياً كانت الاتجاهات التي سيؤول إليها ملف القضية سواء بالتبرئة أو الإدانة ففي نهاية الأمر لا توجد قواعد تفسيرية مقبولة لمنهج الاشتباك الوقح الذي أدمن البعض ممارسته في شؤون العلاقات مع مصر قبل وبعد الثورة.. 

وما يثير المزيد من علامات الاستفهام أن تتزامن أي أزمة مصطنعة في العلاقات مع مصر بتهديدات مبهمة للعمالة المصرية بالمملكة، وهي تهديدات مصدرها الوحيد دوماً كانت القاهرة ولم يثبت بلفظ أو قول أو فعل أنها وردت من المملكة، ما يعني أن العدو كامن في داخل البيت المصري فاحذروه قبل أن ندفع جميعا ثمن مؤامرة مدفوعة الأجر فرضت علينا ونساق إليها جميعاً يومياً مثل قطعان من الغنم!!

———–

نقلاً عن الرياض

-- د. مطلق سعود المطيري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*