الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التحكيم الإلكتروني والتقنية العدلية (2 من 2)

التحكيم الإلكتروني والتقنية العدلية (2 من 2)

تحدثنا في المقال الماضي عن تعاظم دور التجارة الإلكترونية وكيفية نشوء النزاعات على خلفية التعاملات بين الأطراف، عندها سيحتاج الأطراف إلى سرعة الفصل في النزاعات سواء في القضاء أو التحكيم، وهو ما لا يتماشى مع بطء وتعقيد إجراءات القضاء العادي، وتظهر أهمية التحكيم الإلكتروني؛ لما يتميز به من سرعة ويسر ومرونة لا تتوافر في القضاء العادي، حيث لا يلزم في التحكيم الإلكتروني انتقال أطراف النزاع أو الحضور المادي أمام المحكمين، بل يمكن سماع المتخاصمين عبر وسائط الاتصال الإلكترونية عبر الأقمار الاصطناعية، وهذا يتطلب تحديث القوانين لمواكبة هذا التطور، خاصة في اعتبار الإثبات في المحررات الإلكترونية والمستندات التقنية، كذلك التوقيع الإلكتروني واعتباره في حكم الإمضاء الخطي، متى ما كان منضبطاً بضوابط تنظيمية تمنع الاحتيال والنصب، وتوفر المناخ الملائم للائتمان التجاري، ومع مميزات التحكيم الإلكتروني وظهوره في الفترة القادمة كخيار قضائي متطور، إلا أن هذا التحكيم الإلكتروني يكتنفه بعض الخطورة في طريقة تطبيقه وإجراءاته؛ ومن هذه الأخطار:
1- عدم مواكبة النظم القانونية الحالية للتطور السريع الحاصل في مجال التجارة الإلكترونية، إن لم تكن هذه النظم لا تشرع هذه المعاملات والتجارة الإلكترونية في قوانينها، خاصة في التجارة الإلكترونية في بعض الدول العربية، التي ما زالت قوانينها لا تعترف بالتعاملات الإلكترونية في المجال الرسمي، إضافة إلى جمود القواعد القانونية الموجودة في كثير من دول العالم المتعلقة بإجراءات التقاضي والتحكيم التقليدي، من الاعتراف بإجراء التحكيم بوسائل إلكترونية، وعدم تعديل التشريع الموجود للاعتراف بأحكام التحكيم الإلكترونية. ومن هنا ثار التساؤل عن مدى صحة إجراءات التسوية بالوسائل الإلكترونية، ومدى الاعتراف بالحكم التحكيمي الإلكتروني.
وكذلك هناك مسألة مهمة؛ وهي تحديد مكان التحكيم، الذي تترتب عليه آثار كثيرة ومهمة، فما المكان الذي يعد مكان التحكيم، هل هو مكان المحكم الفرد أم مكان المورد، أو المستخدم في عقود خدمات المعلومات الإلكترونية، هذا إذا كان المحكم فرداً، أم مكان إبرام العقد أو تنفيذه؟ هذه المسائل خطيرة وترتب آثاراً مهمة بالنسبة لاعتبارات التنفيذ والاعتراف بالحكم التحكيمي الإلكتروني. هذه المسائل وغيرها في حاجة إلى دراسات شاملة لكل جزئية من هذه المسائل، وتتطلب تدخلاً تشريعياً من جانب الدولة، إضافة إلى الاتفاقيات الدولية.
وقد كان للجنة ”اليونسترال” دور واضح ومهم في إصدارها اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة باستخدام الخطابات الإلكترونية في العقود الدولية، وشرح بعض النواحي القانونية المتعلقة بالتعاملات الإلكترونية.
2 – عدم تطبيق المحكم للقواعد الآمرة: يخشى الأطراف وخاصة الطرف الضعيف في العقد من اللجوء إلى التحكيم بصفة عامة، والتحكيم الإلكتروني بصفة خاصة، وذلك بسبب الخشية من عدم تطبيق القواعد والأوامر الحمائية المنصوص عليها في القانون التابع له، خاصةً إذا كان هذا الطرف مستهلكاً، مما يترتب عليه بطلان حكم التحكيم وعدم إمكانية تطبيقه وتنفيذه على أرض الواقع.
ومن خلال ما سبق يتضح لنا أهمية العملية التي يقوم بها التحكيم الإلكتروني في فض المنازعات التجارية الإلكترونية والأعمال الإلكترونية بشكل عام، وبالتالي يجب على أنظمة الدولة أن تسير في مراعاة متطلبات المعاهدات والاتفاقيات الدولية المبرمة في مجال التحكيم وفي مجال تنفيذ الأحكام الأجنبية، ومراعاة النظم القانونية الداخلية في الدول التي ينتمي إليها الأفراد، لأن معظم الأحكام التي يصدرها المحكمون ستنفذ في إطار دولة أحد أطراف النزاع، وهذه الأحكام ليست من النوع الذي تطبقه هذه المراكز والمحاكم الافتراضية مباشرةً، بل يستلزم إصدار الأمر بتنفيذه في إطار القوانين الداخلية المنظمة. ومن أجل ذلك فإن متطلبات الشكل والموضوع في التحكيم الافتراضي، المنصوص عليها في القوانين والاتفاقيات الدولية يجب أن تراعى عند نظر كل منازعة ابتداء من دوافع التي تدفعنا إلى اللجوء إلى التحكيم وإجراءات التحكيم والمراكز التي يتم فيها التحكيم وحتى تنفيذ حكم التحكيم.

إن العالم من حولنا يتطور في كل مجالاته وينبغي علينا مسايرة هذا التطور، خاصة في ظل انضمام السعودية إلى اتفاقية منظمة التجارة العالمية ”الجات”، وفي ظل تعاظم دور الاستثمار الأجنبي، وما لم تكن أنظمة القضاء والتحكيم متطورة، فإن البيئة غير المشجعة هي بيئة منفرة، وسيكون الخاسر لحظتها الوطن والمواطن، وبودي أن يكون تحديث الأنظمة المتعلقة بالتجارة الإلكترونية وأنظمة القضاء والتحكيم الإلكتروني مشتركاً بين الجهات القضائية وهيئة الاستثمار ووزارة التجارة والصناعة ووزارة الخارجية، حتى تكون الرؤية تكاملية شاملة.
———–
نقلاً عن الاقتصادية

-- د. عبد اللطيف القرني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*