الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ما بعد ابن لادن.. عودة الابن التائه..!

ما بعد ابن لادن.. عودة الابن التائه..!

 التنظيمات التي تستخدم العنف، تلفت الأنظار وتغدو مؤثرة إذا نجحت في تنفيذ عمليات إستراتيجية كبرى، وعندما تفشل في استمرار تلك العمليات تلجأ إلى العمليات التكتيكية والجانبية التي تمثل مرحلة تشكل مقدمة لمرحلة الاحتضار أو الانتقال إلى مرحلة العمليات الهامشية لبقايا فلول التنظيم الأساسي.
يمكن ملاحظة تلك المراحل الثلاث في كثير من التنظيمات العنفية التي ظهرت منذ أواسط القرن العشرين في أوروبا وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا.. وأقصد بالثلاث: مرحلة العمل الإستراتيجي المسلح.. حيث المد والانتشار الدعائي نتيجة أعمال كبرى، ثم العمل التكتيكي أو الجزئي.. حيث الجزر وفقدان الشعبية المصاحب بأعمال صغرى، ثم مرحلة التوقف أو العمل الهامشي.. حين تقوم فلول التنظيم بمغامرات فردية تمثل حالة الاحتضار الذي قد يطول.
دخل تنظيم القاعدة التاريخ بهجمات 11 سبتمبر، تلاها هجمات مؤثرة مثل تفجيرات مدريد عام 2004 ولندن عام 2005.. وتميزت هذه الأعمال بأنها كبيرة وأنها خارج العالم الإسلامي، وتلك أحد العقائد الإستراتيجية لتنظيم القاعدة بعدم استهداف المسلمين، التي يزعم عدم خرقها إلا إذا كانت موجهة لجهات عسكرية أجنبية في الدول الإسلامية، مع أنه تم خرقها وزادت مؤخراً حين عجز التنظيم عن الوصول إلى أهدافه الإستراتيجية، وصار يبحث عن دور أو هدف، فدخل في صراعات إقليمية في المناطق المضطربة أو النائية عن الحكم المركزي كما في الصومال والعراق واليمن والمغرب العربي. محصلة هذا العجز أدت بالتنظيم إلى تنفيذ عمليات صغيرة واختطاف مسالمين وطلب فدى، مما كان لها تأثيراً مدمراً على شعبيته، خاصة حين استهدف بعضها مسلمين.. وتم تبرير ذلك في البداية بأنهم عملاء عسكريون، لكن هذا الخرق امتدَّ للمدنيين المسلمين حتى وصل إلى اختطاف القنصل السعودي في عدن.

أعمال تنظيم القاعدة التي بدأت تتوجه إلى الخطف، يرى مسؤولون أمريكيون أنها خطيرة على الغرب، لأنهم يشعرون بقلق من احتمال تطور هذه الأساليب إلى عمليات خطف ملفتة للنظر تهدف إلى تحقيق الدعاية لأغراض المتشددين، إلا أن هذا القلق يقع في حيز الحذر الأمني المعتاد وليس له التأثير السياسي المقلق، فرئيسهم روبرت كارديلو نائب مدير المخابرات الوطنية الأمريكية يرى أن القاعدة منيت بنكسات إستراتيجية بسبب تفجر احتجاجات “الربيع العربي” التي لم تتعاطف مع الخط المتشدد والعنيف للقاعدة.
ويشير كارديلو إلى تقلص خطر شن الجماعات الإرهابية المتأثرة بالقاعدة هجوماً بأسلحة دمار شامل.. وبأن الظواهري لم يتمكن من أن يشكل من الجماعات المختلفة كياناً متماسكاً بإمكانه توجيه هجوم موحد كارثي.. مضيفاً: ربما تكون الجماعات التابعة للقاعدة في اليمن والصومال والعراق وشمال إفريقيا قد دانت بالولاء للظواهري، ولكنها في الحقيقة لا تذعن لقيادته بذات القدر الذي كانت تفعل مع ابن لادن. ويقال عن الظواهري أنه فظّ وشخصية انقسامية، كما نلاحظ أن خطبه تفتقر للكاريزما التي كان يتمتع بها ابن لادن. وافتقار القاعدة للصوت الكاريزمي الواحد قد يؤدي إلى ظهور العديد من الأصوات المتنافرة التي تجعل الجماعات المتشظية تبحث عن ذواتها بدلاً من التركيز على الهدف الذي تنوي مهاجمته، كما أوضح كارديلو (أسوشيتد برس).
الآن ثمة ثلاثة عوامل رئيسية تجعل تنظيم القاعدة يدخل في مرحلته الأخيرة. الأول هو الفشل العام لفكرة العنف كمواجهة طويلة المدى مع الحكومات.. فباستثناء حالات التحرر الوطني من الاستعمار فقد أثبتت التجارب أن العنف لم ينجح كحل لمواجهة المظالم، بينما الحوار والتوعية بالحقوق أو المقاومة السلمية أظهرت تأثيراً فعَّالا كما حصل في كافة مناطق أمريكا اللاتينية والجنوبية، بل حتى في التحرر من الاستعمار كما حصل في الهند وجنوب إفريقيا.
العامل الثاني هو الربيع العربي الذي فاجأ الجميع وخطف الأضواء وسحب بساط التغيير من أفكار تنظيم القاعدة وأظهر إفلاس السلفية الجهادية.. ورغم أن القاعدة وكثير من المتشددين يحاولون انتهاز فرصة الفوضى السياسية والثغرات الأمنية التي أحدثتها الثورات العربية في بعض الأقطار خاصة في اليمن وليبيا، مما قد يعيد للتنظيم بعض بريقه، لكنها عودة التائه.
العامل الثالث هو مقتل ابن لادن.. ورغم أن ذلك بحد ذاته ليس عاملاً مدمراً فلطالما قتل قادة التنظيمات العنيفة ولم يؤد ذلك إلى انحسار التنظيم.. لكن التوقيت مع “الربيع العربي” وانحسار شعبية العمل العنيف كان لهما تأثير كبير، عدا عن ذلك فإن اغتيال القادة ليس نصراً حاسماً في المعركة، فحتى وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا ذكر أن مقتل ابن لادن ليس حلاً سحرياً.. لكنه يرى أنه ساهم في كسر شوكة التنظيم.
القضاء النهائي على العنف أو الإرهاب يتطلب أكثر من القضاء على العناصر القيادية في أي تنظيم، بل وأكثر من القضاء على التنظيم.. يتطلب القضاء على المسببات والأرضية الخصبة التي تنبت منها التنظيمات العنيفة، أو على الأقل تخفيف المسببات من مظالم لا سيما شراسة رأسمالية العولمة. فما تنظيم القاعدة إلا واحد من عشرات المنظمات الإرهابية المنتشرة حول العالم بعقائدها المختلفة أيا كانت (طائفية أو قومية.. يمين متطرف أو يسار متطرف). خذ مثلاً تقرير اليوروبول (الشرطة الأوروبية) عن حالة واتجاه الإرهاب في أوروبا لعام 2010 يوضح أن عدد الهجمات الإرهابية كان 249 هجمة، راح ضحيتها سبعة أشخاص وتم اعتقال 611 فرداً. وبلغ عدد العمليات من الحركات الانفصالية 160، ومن الجماعات اليسارية والفوضوية 45 هجومًا، أما عدد العمليات من الحركات الإسلامية فهو 3 هجمات. وكمعدل توضح تقارير اليوروبول للأعوام الثلاثة بعد 2006 أن أقل من واحد بالمائة من العمليات الإرهابية هي من المنظمات الإسلامية.
لكن من بين التنظيمات العنفية في العالم يحظى تنظيم القاعدة بشهرة فائقة لأسباب عديدة، منها الحادثة الفاقعة في 11 سبتمبر التي يعتبرها بعض المؤرخين نقلة في التاريخ.. وأيّاً كانت الأسباب، فالإرهاب ليس عملاً إستراتيجياً، بل تكتيكي مأساوي أثبت فشله سياسياً فضلاً عن سقوطه الأخلاقي.. الإرهاب “تكتيك يطالب بالمستحيل، ويطالب به تحت تهديد السلاح” كما وصفه كرستوفر هتشنز.. فهل يعود الأبناء إلى أهلهم.. أولئك الذي تشرذموا في الخارج أو الذي ضاعوا في متاهات المناطق النائية في الداخل؟.
alhebib@yahoo.com
————-
نقلاً عن الجزيرة السعودية

-- د.عبد الرحمن الحبيب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*