السبت , 10 ديسمبر 2016

سياط الأحداث..

كل حدث يمر علينا يفرز لنا ظاهرة فكرية أو نفسية جديدة، وينقسم الناس حوله بدرجة كبيرة، لذا نحتاج إلى دراسة “عقليتنا” في طريقة تعاطينا مع الأحداث
كل حدث يمر يفرز وعياً جديداً، وأفكاراً جديدة، وطبيعة ثقافية جديدة، ويكون منعطفاً لما بعده، وبحسب “وعي الحدث” يستطيع الإنسان أن يرسم الصورة الصحيحة للتعامل معه، وكلما استسلم الإنسان للحدث أرهق نفسه وأدخلها في أتون مرحلة لا يدري ما تبعاتها ونهاياتها.
رأيت الكثير من الشباب طيعاً في الاستجابة للحدث، وقد يشكل كل حدث يمر به نقطة انعطاف حادة في مسيرته وحياته، وينعكس ذلك على سلوكه وأخلاقياته، ومن هنا كان لزاماً على “أهل التربية” أن يصوغوا البرامج التي ترشد إلى التعامل الأمثل مع “الأحداث” وخاصة في مثل هذا الوقت الذي تتزاحم فيه الأحداث وتتنوع وتتلاحق بشكل سريع ومريع.
إن كل حدث يمر علينا يفرز لنا ظاهرة فكرية أو نفسية جديدة، ولو تتبعنا الأحداث التي مرت علينا منذ حادثة “الحرم” إلى هذا الوقت لرأينا أن كل حدث “نوعي” أفرز ظاهرة أو تياراً، وأصبح الناس منقسمين حوله بدرجة كبيرة، لذا نحتاج إلى دراسة “عقليتنا” في طريقة تعاطينا مع الأحداث.
لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن “الفتن التي تموج موج البحر” في آخر الزمان، إلى درجة أن “يصبح الرجل مسلماً ويمسي كافراً، ويصبح كافراً ويمسي مسلماً”، وما ذلك إلا لخطورة الزمان في تقليب الأفكار التي تصل إلى سرعة التحول في الديانة وهي أشد ما يمكن أن يتحول عنه الإنسان، فما دون ذلك أولى وأحرى بأن يكون عرضة للتقلب والتغير.
أحداث الخليج ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر ثم غزو أفغانستان، ثم غزو العراق، فالثورات العربية كلها أحداث مفصلية في الوعي، ومفرخة للرؤى والتوجهات الجديدة، ومجال للانفعالات والتشظيات الكبرى، فإن كانت أفرزت تصاعداً في مسألة “الإرهاب”، فهي كذلك أحدثت ردود أفعال قاسية تجاه التدين والديانة، فظهرت الأفكار الوضعية والليبرالية، بل والإلحادية، ونجد الجميع قد انفعل في الحدث إلى مداه حتى أثر في الوعي والسلوك والفكر وشكل مرحلة جديدة للكثير من الشباب.
إن مجرد التفاعل مع الحدث أمر طبيعي، ويدل على حيوية مشكورة، وحياة دافقة، إلا أن هناك فرقا بين “التفاعل” الإيجابي و”الانفعال” الذي يخرج الإنسان عن المسار العاقل، فتطغى عليه العاطفة، ويغيب العقل والرشد، فينجرف الإنسان في متاهات ردود الأفعال إلى أن يفقد دينه من جهة، أو حياته من جهة أخرى.
كم هم أولئك الشباب الذين فقدناهم في أتون هذه الأحداث، زهرات في مقتبل العمر، كانت أمامهم فرص كثيرة للإبداع وخدمة المجتمع راحوا ضحية الضخ العاطفي في الأحداث، ففقدتهم أسرهم، وقضوا جزءا من أعمارهم مطاردين ومشردين، أو تورطوا في أعمال أدت إلى سجنهم وإيقافهم، وقد قضى كثير منهم في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، تديرها مؤسسات أممية، أو جهات سياسية تحقق من خلال هؤلاء الشباب أجندات معينة، ثم تنكشف لهم الحيل في لحظة لا ينفع فيها الندم، ويكتشفون أنهم مجيرون لمصالح سياسية كبرى، وهم قد انطلقوا لا يلوون على شيء قد أخلصوا في عملهم وضلت بهم السبل لغياب الوعي وندرة الناصح والموجه الذي يتأنى في قراءة الأحداث وتصورها من خلال سياقاتها وصراعاتها وأطرافها.
الكثير حين يأتي حدث ما يبالغ في تصويره للناس على أنه “نهاية التاريخ”، وفي مقابل ذلك هناك من “يبسطه” حتى يغيب الوعي عن إدراكه بصورته الحقيقية، والنظرة المتوازنة هي التي تستطيع أن تعطي الحدث وزنه الحقيقي بلا إفراط ولا تفريط، إذ إن الطغيان النفسي والمبالغة، والتهوين والتبسط وجهان لعملة واحدة في قراءة الأحداث، والمنهج الصحيح في هذا يعتمد على اعتدال النفسية، وسلامة المنهج في قراءة الأحداث من غير تحيز أو أحكام مسبقة على أي حدث من الأحداث، مع خلفية ثقافية عميقة تستطيع أن تكتشف الحدث وتقدم الرؤية الواعية لطريقة التعامل معه بناء على مقدمات سليمة ومعطيات صحيحة.
————-
نقلاً عن الوطن أونلاين

-- بدر بن سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*