الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ( وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون )

( وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون )

( خروج البعض عن الطريقة الشرعية في النصيحة والأدب ودخولهم في مستنقع الفضائح والشتائم والاتهامات مردود من )

 جهتين: 

أحدهما أنه خلاف النصوص الشرعية التي أمرت بالستر والنصيحة السرية للحاكم وقد اعتمد قواعدها السلف الصالح، والخلف العقلاء حفظا لهيبة السلطان ووحدة المجتمع وبخاصة في ظل ظروف ليس المقام مقام انتقام فيها من مؤسسة أو شخصية وطنية، وقد دلت مواقف أهل السنّة على أهمية وضرورة هذه الطريقة .

والأخرى أن هذا التصرف خلاف الشيم العربية والاخلاق الإسلامية والتي حرصت على بث القيم فيمن أسدى إلينا معروفا فما بالك بمن غمرك من رأسك حتى اخمص قدميك بالفضل والاحترام. 

يدخل في قوله تعالى: {فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أُعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش. طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)… 

المسؤولية غرم وليست غنما، والولاية مسؤوليات وليست صلاحيات، والمنصب تكليف وليس تشريفا، فقد روى الشيخان – البخاري ومسلم – في صحيحيهما من حديث عبد الرحمن بن سمرة – رضي الله عنه – قال: قال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُوتِيتَهَا عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها)). فالإمارةُ والقضاء والإفتاء وغيرُها من الولايات على الخلق ينبغي أن يُسعى بها إلى أهلها ومستحقيها، ولا ينبغي للناس أن يتصارعوا عليها؛ بل على العبد أن يسأل الله العافية والسلامة، فإنه لا يدري أتكون الولاية خيرًا له أم شرًّا، وبخاصة في ظل نصوص بينت أن المسلم يأتي يوم القيامة ويتمنى أنه لم يحكم بين اثنين قط… قال السعدي – رحمه الله -: «وفي قوله – صلى الله عليه وسلم -: ((أُعِنْتَ عَلَيْهَا)) دليلٌ على أن الإمارة وغيرها من الولايات الدنيوية جامعة للأمرين: للدين وللدنيا؛ فإنَّ المقصود من الولايات كلها: إصلاح دين الناس ودنياهم، ولهذا أعطى الله – سبحانه وتعالى – للأمراءِ حقَّ الأمر والنهي، والإلزام بالواجبات، والردع عن المحرَّمات، والإلزام بأداء الحقوق»؛ اهـ. بتصرُّفٍ يسير. 

ولكننا نرى في الواقع تسابقا خطيرا لمناصب كان السلف يتدافعونها ويهربون إلى عرصات الجبال منها ويلزمون بيوتهم هربا من التكليف ويبكون أياما ويتشفعون بكل وجهاء الأرض ليتم إعفاؤهم منها ويلجؤون إلى الله تحت أستار الكعبة أن يخلصهم من تبعاتها ومن حقوق أمة محمد صلى الله عليه وسلم فما بال الخلف الذين لم يقتصروا على التسابق والضغط في كشف أسرار هم مؤتمنون عليها بحكم العمل بل أصبحنا نلحظ عدم توازن في تصرفاتهم وتصريحاتهم على رؤوس الأشهاد في صورة تختلف عما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء الإسلام الذين لم يكرمهم الولاة في زمانهم ولم يقلدوهم المناصب والمراتب العليا ولم يغدقوا عليهم وعلى ذويهم الأموال ولم يبلغوا ربع حظوة الخلف عند دولتهم بل إن السلف جلدوا على ظهور الحمير والبغال وسجنوا وبلغ الأذى من ولاتهم مبلغه ومع ذلك حفظوا للسلطان كرامته حبا في جمع كلمة الأمة ووحدة صفوفها أمام الأعداء والمتربصين ودعوا له وجمعوا الناس حوله تحقيقا للمصلحة العليا.. 

صدقا نحن أمام كارثة أخلاقية قبل أن تكون شرعية حينما يقابل الإحسان بالإساءة و{هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}، وإذا كان الفساق والكفار والجاهليون يأسرهم المعروف والكرامة فإن أهل الإسلام وعلماء الأمة من باب أولى فعجب كل العجب أن نلحظ الغضب والانتقام وكشف الأسرار ممن أقسم بقسم لو يعلمه عظيم بسبب أنه كان يحلم بمنصب لم يرشح له أو كان على رأس جهاز أعفي منه لمصلحة مرسلة يراها ولي الأمر، والذي تجب طاعته في غير معصية الخالق والأدهى من ذلك أن هؤلاء كانوا يعلمون الناس حقوق ولي الأمر وواجبات الرعية ويلزمون مخالفيهم بضرورة النصيحة السرية وعدم كشف أسرار اللقاءات بولي الأمر وما يجري في مكاتب الدولة ثم يخالفون لسبب تافه هذا المنهج السلفي الذي تبنوه وعلموه الناشئة لأنهم لم يحصلوا على امتيازات وظيفية، فأي منهج غير موضوعي تماما بهذه الهشاشة يمكن أن يبني أمة ويصمد أمام رياح التغيير، وليت هؤلاء الساخطين استحضروا مواقف من السنّة النبوية تبين وفاء الرجال لمنهجهم الإسلامي القويم الذي لا يساومون عليه ديانة وخلقا كريما، وولائهم لقائدهم تحت أي ظرف من الظروف دونما نرى إلى مصلحة دنيا ومنها:

1- موقف الصحابي كعب بن مالك حينما هجره رسول الله ومنع الناس من الحديث معه وجاءه رسول ملك غسان يطلب منه أن يلحق به لأن صاحبه قد جفاه، لم يفرح رضي الله عنه بهذه المنزلة ولم يساوم بهذه الرسالة رسول الله والصحابة ولم يعرضها في وسائل الإعلام ولم ولم ولم.. ولكنه قال هذا والله البلاء وسجر بها التنور: قال كعب: غزا النبي صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة، حين طابت الثمار، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجهز المسلمون معه، ولم أتجهز وأقول في نفسي سألحق بهم حتى إذا خرجوا ظننت أني مدركهم، وليتني فعلت، فلما انفرط الأمر، أصبحت وحدي بالمدينة لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق – أي مشهورا به – أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد راجعا من تبوك حضرني الفزع، فجعلت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخط رسول الله؟ واستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة، زال عني الباطل، وعلمت أني لا أنجو منه إلا بالصدق، فأجمعت أن أصدقه. 

فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمدينة بدأ بالمسجد وجلس للناس، فجاء المخلفون وجعلوا يعتذرون له ويحلفون، فيقبل منهم ظواهرهم ويستغفر لهم، وكانوا بضعا وثمانين رجلاً، فجئت فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب، فقال لي، ما خلفك؟ قلت: يا رسول الله والله لو جلست إلى غيرك من أهل الدنيا، لخرجت من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلاً، والله ما كان لي عذر حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. فخرجت من عنده فلحقني بعض أهلي يلوموني على أني لم أعتذر، ويستغفر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى هممت أن أرجع عن صدقي، فسألت هل قال أحد بمثل ما قلت؟ فذكروا لي رجلين صالحين: مرارة بن الربيع وهلال بن أبي أمية وكان فيهما لي أسوة. ثم إن رسول الله نهى عن محادثتنا نحن الثلاثة، فاجتبنا الناس، وتغيروا لنا، فتنكرت لي نفسي والأرض، أما صاحبيّ فاستكانا وقعدا في بيتيهما، أما أنا فأصلى مع المسلمين وأطوف الأسواق ولا يكلمني أحد حتى أقاربي.

بينما أنا في هذا الحال إذا جاءت رسالة من ملك غسان يقول لي: الحق بنا نواسيك بعد أن هجرك صاحبك، قلت: هذا من البلاء أيضا، فحرقت الرسالة، فلما مضت أربعون ليلة إذ رسول من النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني باعتزال امرأتي فقلت: الحقي بأهلك، وان الأمر باعتزال النساء لصاحبيّ أيضاً. فلما مضت خمسون ليلة أذن الله بالفرج وجاءت التوبة، قال كعب: فما أنعم الله علي بنعمة بعد الإسلام، أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، والله ما أعلم أحداً ابتلاه الله بصدق الحديث بمثل ما ابتلاني. والآيات التي نزلت في توبتهم هي قوله تعالى: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}. 

2- موقف أبي بصير وأبي جندل وهما قد جاءا لرسول الله يرسفان في قيودهما في صلح الحديبية وأعادهما للكفار، ومع ذلك لم يرتدا ولم ينتقما ولم يعرضا، قال ابن إسحاق: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية، وكان ممن حبس بمكة، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب فيه أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثا رجلا من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب الأزهر والأخنس؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق إلى قومك؛ قال: يا رسول الله، أتردني إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ قال: يا أبا بصير، انطلق، فإن الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا. 

3- موقف المجاهد خالد بن الوليد حينما عزله سيدنا عمر بن الخطاب عن القيادة فلقد تلقى الأمر بصدر واسع، ولم ينتقم لنفسه، ولم يفكر في رفض الأمر، ولم يفكر في انقلاب على سيدنا عمر رضي الله عنه، ولم يشوه سمعة الخليفة بين الجنود، ولم يفضح أسرار أبي عبيدة ويتهمه بالقصور وقلة الخبرة، ولم يفكر في أن يتخذ أي موقف سلبي لأنه سيف الله المسلول ويعرف تماما أن المسلمين في هذا الوقت بحاجة للاجتماع والوحدة، كانت مواقفهم لله جل وعلا ولذلك ثبتوا واستطاعوا السيطرة على النفس الأمارة بالسوء وما اجمل الحوار الذي دار بينه وبين أبي عبيدة الذي لم يكن حريصا على المنصب والقيادة إذ استقبل مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد، حتى استكتمه الخبر، وكتمه هو في نفسه طاويا عليه صدر زاهد، حتى أتمّ القائد خالد فتحه العظيم.. تقدّم اليه في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين!! ويسأله خالد: «يرحمك الله يا أبا عبيدة. وما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب»..؟؟ فيجيبه أمين الأمة: «اني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله إخوة».!!! 

وفي بعض الروايات أن خالدا قال للجيش: ولي عليكم أمين هذه الأمة وقال أبوعبيدة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خالد سيف من سيوف الله ونعم فتى العشيرة « رواه احمد وصححه الألباني، وعن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنهما قال: كنت في الجيش الذين مع خالد، الذين أمد بهم أبا عبيدة وهو محاصر دمشق، فلما قدمنا عليهم قال لخالد: تقدم، فصل، فأنت أحق بالإمامة؛ لأنك جئت تمدني. فقال خالد: ما كنت لأتقدم رجلا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة: أبو عبيدة بن الجراح». والله من وراء القصد 

-- د عبدالله بن ثاني - بتصرف -

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*