الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » عوامل البناء ومعاول الهدم(2-1)

عوامل البناء ومعاول الهدم(2-1)

إن العدالة الاجتماعية إذا ما تفيأ ظلالها أي مجتمع من المجتمعات، توفرت له مقوّمات السعادة، وانفسحت الطريق أمامه لبلوغ مراده، وبفضلها يتبلور مفهوم العدل، ويأخذ مكانه الصحيح على المستوى الفردي والجماعي، متحللا 

من أدران الهوى، وميول النفس وانحراف العاطفة، وهذا المفهوم الشامل للعدل تنبثق منه حرية الإنسان والحكمة من استخلافه في الأرض وتسخير نواميس الكون في خدمته، معتمداً على تطبيق أسس هذه العدالة والقيم الأخلاقية والمثل الإنسانية النابعة منها، ومسترشداً بالوسائل العادلة والقواعد المبدئية التي تستجيب لمطالبه المشروعة، وتدعم إنسانيته وحريته. 

والإسلام يأمر بالعدل، ويدعو إليه، وينهي عن الظلم ويحاربه، وعلى هذا الأمر والنهي يكون مدار صلاح المجتمعات والاعتدال والتوازن، في الكون، واستشعار وجدان الإنسان لهذه الفضائل يجعله يؤمن بمشروعية العدالة الاجتماعية ومبدأ المساواة، وقيمة الحرية والتكافل الاجتماعي، متكيفاً مع ضغط الحاجات، ومرتفعاً فوق مستوى الدونيات بفضل اعتماده على خالقه ويقظة ضميره، والاكتفاء المكفول له من ضرورات الحياة. 

وهذه الفضائل بقدر ما يتطلع إليها الفقير والضعيف ويصعد حرصهما إلى ما في المساواة من العدل والإنصاف بقدر ما يحرص عليها الغني والقوي وتدفعهما المعاني السامية ومكارم الأخلاق إلى النزول عند هذه المساواة، إذ إن استناد المساواة إلى الحرية من جهة، واستنادها إلى التشريع والتنفيذ من جهة أخرى يقوي شعور كل من الطرفين فيزيد الأدنى تسامياً والأعلى تواضعاً، والعدل يمثل مطلباً دينياً يتعين الالتزام به في جميع الأمور حتى في التعامل مع الأعداء، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. 

وحتى تستقيم العدالة الاجتماعية فإنه لا بد من انعتاق الوجدان عن قيود الشر وانطلاقة إلى ما فيه الخير، وهذا الأمر هو الذي يستثير الطبيعة البشرية ويدفعها إلى بذل أعلى طاقاتها، والتكيف مع واقعها المعنوي والمادي، والانصهار في محيطها على نحو يمكنها من معرفة ما لها من حقوق واستحقاقات وما عليها من واجبات ومسؤوليات، ولولا هذا التحرر والانعتاق ما أدرك الإنسان قيمة العدالة الاجتماعية ومقدار نصيبه منها، والتكاليف الملازمة لها، متحملاً ما يصادفه من إخفاقات، ومقدّراً ما يناله من نجاحات. 

والعدالة الاجتماعية في الإسلام تنبع من داخل النفس لا من خارجها، فتوجيه الضمير والوعي الداخلي يكملان التكليف الديني والتشريع القانوني، ويضمنان تنفيذهما، ويرتفعان بذلك إلى أعلى مراتبه، كما يضفيان على هذه العدالة الطابع الإنساني والتسامي بها فوق كل ما يقلل من شأنها دون أن يغفل ذلك ما تعانيه النفس البشرية من ضعف وحاجتها إلى الدافع الخارجي. 

والمساواة الإنسانية التي أقرّها الإسلام لتكريس عوامل بناء العدالة الاجتماعية ووسائل تحقيقها، ورفع المظالم تتم عن طريق تطبيق شريعة واحدة، لا تفرِّق عند تطبيق أحكامها بين إنسان وآخر، ولا تترك حجة لِمنْ يحاول النيل من عدل الإسلام أو التجني عليه متهماً إياه في عدالته الاجتماعية، فالحاكم والمحكوم والقوي والضعيف والغني والفقير يتساوون أمام هذه الأحكام ولا تفاضل بينهم إلا في التقوى والعمل الصالح، وما عدا ذلك فالجميع يخضعون لمعاملة متساوية، ويقفون على مسافة واحدة، والانتماء الديني فوق كل الانتماءات والنظرة الإنسانية هي الغالبة، والكرامة للجميع ودائرة المساواة تستوعب كل ما هو إنساني جوهراً ومظهراً. 

والإنسان يقف من نفسه موقف الرقيب وله حريته التي يتحمل تبعتها، فلا تصطدم حريته بحرية غيره، أو تطغى مصلحته على مصلحة ذلك الغير، والحرية الفردية تتوقف عندما تبدأ حرية المجتمع والمجتمع له حساباته، والإنسانية لها اعتبارها، والكل يتحمل تبعات عمله ولا تعارض بين الحريات والمساواة، وعملية الموازنة والمزاوجة بين الحريات والتبعات وتبادل منافعها وتحييد مضارها هي ما يطلق عليه التكافل الاجتماعي، والتكافل المتبادل يجب أن ينتهي إلى تغليب المصلحة العامة على أي مصلحة خاصة دون أن يكون على حسابها أو ينال منها أو يُضار أحد لمصلحة آخر. 

والتداول العادل للثروة هو أحد مرتكزات العدالة الاجتماعية، ويتمحور حوله جل اهتماماتها حرصاً منها على تحقيق التوازن بين الناس والتحكم في حركة المال، وتوجيهه توجيهاً عادلاً، يحافظ على مبدأ تكافؤ الفرص، والمساواة في الحقوق المتكافئة والاستحقاقات المتساوية، والاستخدام الصحيح للثروة والتوزيع العادل لها يتعين أن تعطى فيه الأولوية لظاهرتي البطالة والفقر للتقليل من نسبتهما تدريجياً والتخفيف من آثارهما على المجتمع وعدالته الاجتماعية. 

والعدالة الاجتماعية في جانبها المالي تقرر حق الملكية الفردية وتحث عليها على الوجه الذي يتفق مع مصلحة الجماعة، بوصف الفرد ما هو إلا عضو من هذه الجماعة، وحيازته للمال يصب لمصلحتها، وهي الأحق به والمستخلفة فيه، ولهذا التملك الفردي والجماعي حدوده وقيوده من حيث مشروعية وسائل الحصول على المال وطرق تنميته والتصرف فيه، ولكل جهد جزاء والتفاضل في الكسب على قدر العمل، والفاضل والمفضول بحسب الجهد المبذول والتفاوت في القدرات العقلية والطاقات والإمكانات، علاوة على أن ثمة حكمة إلهية وراء هذا التفاضل تتعلق بوجود الخالق سبحانه وتعالى، وتقتضيها مصلحة الحياة، ويظهر ذلك في قوله تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً}. 

والشريعة الإسلامية يعود إليها الفضل في بناء المجتمع الإسلامي وصناعة عدالته الاجتماعية وإيجاد مقومات حياته، محددة خصائص ذاته، ومسبغة عليه سماته، ولم يقتصر نشاطها على الاستجابة لحاجاته ومطالبه فحسب، بل فرضت منهجاً تتطور البشرية من خلاله ويفي بجميع ما تنشده وتفكر فيه، على ضوء التشريع والتوجيه اللذين يجعلان منه نظاماً عالمياً عاماً، صالحاً لكل زمانٍ ومكانٍ، والحاكمية فيه لله وحده، وتقوم على أساس العدل من الحاكم والطاعة من المحكوم والمشورة بينهما. 

والظلم الاجتماعي ما هو إلا نتيجة للابتعاد عن العدالة الاجتماعية والنظر إليها من منظور لا يعكس إنسانيتها، ويسلبها خاصية التعادل والتوازن في جميع القيم التي تقوم عليها الحياة الكريمة حيث إن أكثر أدوات هذا الظلم في الغالب منشؤها ممارسات ظالمة وهي ممارسات سببها غياب العدل والتقصير في تطبيق قواعد العدالة الاجتماعية والعزوف عن اتباع وسائلها، ويمكن القول بأن الظلم الاجتماعي يمثل عملة أحد وجهيها أسباب هذا الظلم وأدواته، والوجه الآخر هو مظاهره وأضراره، وكل من وجهي العملة ذات تاثير متبادل ومردود مشترك ونتيجتها واحدة، وهي إحلال الظلم الاجتماعي محل العدل الاجتماعي. 

ومما يؤلم الإنسان المسلم ويثير الأسى في نفسه أن العدالة الاجتماعية أصبحت في أغلب المجتمعات الإسلامية شبه مفرغة من محتواها وبعيدة عن هدفها، والتعاطي معها ابتعد بها عن مفهومها الصحيح والتطبيق الذي أراده لها الشارع، وحل محل ذلك الظلم والفساد، ولو ألقينا نظرة فاحصة على مفهوم العدالة الاجتماعية في الإسلام والقيم التي تنطلق منها، والمبادئ العادلة التي تستند إليها، والضوابط التي وضعتها لضبط حركة الحياة ونشاطها الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي في البيئة الإسلامية، وقارنا بين ما هو مطلوب تطبيقه وبين الواقع الممارس لوجدنا المقارنة موجعة والمسافة شاسعة، فالفساد على أشده والممارسات الظالمة يجاهر بها أصحابها، مستبدلين مفاهيم الإسلام بمفاهيم مستوردة وقيمه بقيم وافدة، وقد غاب عن أذهان هؤلاء النداء الإلهي في الحديث القدسي: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا”. 

وانتشار الفساد، وشيوع المفاسد يشكل ضرباً من الظلم الذي تحاول العدالة الاجتماعية مقاومته ورفعه عن الأرض، والممارسات التي تدخل في هذا المفهوم متعددة، ومظاهرها متجددة، وأدواتها متنوعة، والحد منها والتخفيف من آثارها يتطلب الأخذ على يد مقترفها حتى يكف عنها، ورفعها عن الذي تقع عليه حتى يعود إليه حقه، وذلك لحفظ نظام المجتمع وصيانة عدالت الاجتماعية، والإنسان بطبعه ميال إلى الظلم لولا ما هذب الدين من سلوكه وخفت الشرائع والقوانين من حدة طبعه لردعه عن الجور، ومنع تفاقم الفساد وكبح جماح الظلم، وكما قال الشاعر: 

الظلم من شيم النفوس وإن تجد****ذا عفة فلعله لا يظلم

وقال آخر: 

الظلم طبعٌ ولولا الشرِّ ما حُمدت*******في صنعة البيض لا هندٌ ولا يمنُ

والظلم نقيض العدل، والفساد ضد الصلاح، والإنسان يمكن أن يقع ظلمه على نفسه، أو يكون فيما بينه وبين خالقه، أو فيما بينه وبين المخلوقين، وفي جميع الأحوال فهو ظالمٌ لنفسه، وتعساً للظالم على سوء اقترافه، وتباً له بسبب انحرافه، أيظن أنه ظلم غيره؟ كلا إنه ما ظلم إلا نفسه. 

———————-

نقلاً عن الجزيرة السعودية

-- اللواء الركن م. سلامة بن هذال بن سعيدان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*