السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحوار في بعده السياسي الدولي

الحوار في بعده السياسي الدولي

إن الخصوصيات الثقافية أو المسلمات الثقافية يمكن الاستناد إليها في حوار الحضارات والثقافات لا كسبيل للمفاضلة بين منظومات القيم الحضارية ولكن كعامل من عوامل التعارف وإزالة غواشي اللبس والجهل عند الطرف الآخر
أي دخولها في نقاش وتداول للآراء بقصد التقريب بين المواقف ووضع حد للقطيعة؛ وبناء على استطلاعات رأي قامت بها بعض المؤسسات العالمية المشهورة، أكثر من 45 في المائة من الأمريكيين يظنون أن الإسلام يشجع على العنف مقابل 39 في المائة من أولئك الذين يظنون عكس ذلك، وترتفع هاته النسبة لاسيما لدى حاملي الشهادات الجامعية حيث تتنقل من 28 في المائة سنة 2005 إلى 45 في المائة في السنوات الأخيرة.
صحيح أن الحديث عن الهوية يعكس “هواجس نفسية أكثر مما تعبر عن الشعور بالمسؤوليات الدولية” ولكن الأنجع أن تعبر عن الهواجس النفسية وعن الشعور بالمسؤوليات الدولية، لأن المشكلة تكمن إجمالا في عدم التعارف وسيادة الجهل المتبادل والفهم المغلوط أو ذيوع الصورة النمطية المشوهة للحضارة الأخرى، وخصوصا تجاهل الشعور بالمسؤوليات الدولية كما كتبنا مرارا في صفحات جريدة “الجزيرة” الغراء، أو قل التغاضي عنها ورمي المسؤولية على الآخر المستضعف لإخراج الحوار من دائرته الفطرية وإعطاء غطاء لبعض السياسات الدولية، فالغرب “يحمل عبء هذه الأوضاع وأسباب تطورها إلى الخصوصيات الحضارية، ويتجاهل دور السياسات الدولية الواعية والمختارة، في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية معا، وما قادت إليه من إدماج العالم في حركة واحدة، وما نجم عنها من توزيع غير عادل للموارد المادية والمعنوية معا”، وهذا جزء من اللا توازن الحواري الذي تسعى بعض الأوساط الغربية إلى فرضه وهو الذي يجب كشفه ومحاربته.
عالم غربي مطلع على العالم العربي والإسلامي وعلى أسرار اللغة العربية الأستاذ فرنسوا برجات يرى في العديد من كتاباته، أن أول مفارقة لحوار الحضارات تكمن أنها تساهم في إضفاء المصداقية على بعض السياسات الدولية بدل إظهار طابعها التوسعي أو الإيديولوجي، إذ بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 بدأ اهتمام الدول يبرز جليا حول فكرة “حوار الثقافات” حيث أوكلت لها مهمة احتواء الصدمة القادمة، ولكن الخبير ذا الأصول الفرنسية يؤكد أن القنابل التي أطلقها طائرات ب -52 في أفغانستان لم تسبقها أي دعوة للالتقاء حول طاولة المفاوضات قصد تجاوز الخلافات الثقافية كما أن الغزو الأمريكي للعراق والعمليات العسكرية الروسية في الشيشان لم يسبقهما أي نوع من حوار الحضارات، فالعامل الثقافي يساهم في الكثير من الأحيان كآلية تحجب المسببات السياسية للتوترات و”بالتالي فإنها تؤيد في الغالب توزيعا أحاديا للمسؤوليات، فأمراض ثقافة الآخر التي تكفي لتفسير صعوبة تعايشنا معه”.. “فهو يخفي العوامل السياسية والتوترات الدولية وبالتالي المسؤولين السياسيين عنها”، ويعطي مثالا واضحا على ذلك في الأدبيات الغربية حيث يكفي التركيز على بعض المفردات “الإسلامية” في حق بعض المقاومين لإخفاء المطالب الشرعية التي ينادون بها، والإشارة هنا واضحة إلى المقاوم الفلسطيني.
ويذهب فرانسوا بيرجات بعيدا في تحليله عندما يكتب أن الإسرائيليين حاولوا مبكرا “من خلال استخلاص الدعم من أعمال برنارد لويس نزع الغطاء السياسي عن صراعهم مع الفلسطينيين والترويج لفكرة أن خلافاتهم مع هؤلاء تعود بالدرجة الأولى إلى كنه وجوهر الحضارة بصفة عامة، وللعجز الديمقراطي الهيكلي لياسر عرفات بشكل خاص، بدل التركيز على الأضرار الإنسانية التي خلفها احتلالهم للأراضي الفلسطينية، كما أن الرئيس الأمريكي أو حليفة البريطاني الوفي حاول التلاعب بالخطابات البراقة حين ظن أن بإمكانه تفسير رفض سياسته بالشرق الأوسط أو في العالم من خلال معاداة المواطنين لقيم الحرية والتحرر التي ترفع لواءها الولايات المتحدة الأمريكية”، فهذا ما يمكن أن أسميه بنفاق الدول الكبرى في حوارها مع دول العالم الثالث، إذ تؤسس سياسات خارجية يطبعها نفاق كبير لتبرير أسلوبها القمعي، محملة عبء هذا الوزر وأسباب تطوره إلى الخصوصية الحضارية؛ رأينا ذلك أثناء حرب الاتحاد السوفيتي على أفغانستان ثم روسيا على الشيشان، فهجوم الولايات التحدة على العراق، كما رأينا ذلك وما زلنا نراه يوميا في فلسطين المحتلة منذ أكثر من نصف قرن”.
نخلص من خلال هذا الكلام الصائب إلى أن الحوار في بعده السياسي الدولي له ميزة خاصة ونتائج أكثر إيجابية ننتقل به من الكليانية إلى الجزئية، لأنه يكشف عن حقائق تبقى مدفونة في بعض أنواع الحوار كالحوار المسيحي- الإسلامي مثلا، لأنه ليست الديانات التي تكون مسؤولة عن النزاع أو القطيعة وإنما هي السياسات الخارجية للدول وبخاصة الدول الاقتصادية والعسكرية منها التي تؤجج الخصوصيات الحضارية لتمرير أو تبرير خططها المتعددة، وهذه السياسات الخارجية تكون مدعومة كما هو الشأن في الولايات المتحدة الأمريكية بمراكز القرارات النافذة والإعلام السمعي والبصري وكلها من المؤثرات المباشرة على شريحة هامة من الرأي العام الذي يتغذى بهذه المغالطات ويذهب ضحية التحريف المبرمج للوقائع من طرف صناع ومهندسي السياسات الخارجية؛ ويمكن أن استشهد هنا لقرائنا الأعزاء بالأب بيير ميشل لولان صاحب العشرات من الكتب التي تدعو إلى احترام الدين الإسلامي وأتباعه المومنين في هذا الاتجاه عندما أرسل لي وهو على فراش المرض في باريس برسالة جاء فيها بأن الغرب لم يعد محطة تقدير لدى المثقفين المغاربيين ولا لدى الشباب الإفريقي أو الشرق أوسطي “فاحتجاج هؤلاء يتعلق بالسياسة المتبعة في العالم، وخصوصا في الشرق الأوسط “العراق، إيران، فلسطين”، سياسة الكيل بمكيالين التي تدعي حرصها على احترام القانون الدولي ولكن بنوع من الهندسة المتغيرة، لأنها لا تفرض على دولة إسرائيل الانصياع لقرارات الأمم المتحدة” ويستسرد الأب بيير مثيل لولان حديثه عن إسرائيل في رسالته مبرزا لي سياسة الكيل بمكيالين للدول العظمى وعلى رأسها أمريكا في حق العرب والفلسطينيين، لأنها لا تعامل إسرائيل في سياساتها الخارجية كما تعامل باقي الدول العربية خاصة التي هي في حلبة الصراع كالعراق وفلسطين المحتلة.
والمسيحيون لا يحترمون هذا المطلب الحكيم إلا نادرا. فرجل كالبابا بونوا 16 يقول لي المفكر البابوي في رسالته، يبدو أنه نسي يوما هذا المطلب.
ففي المحاضرة التي ألقاها في جامعة راتسبون سنة 2006 تحدث عن العلاقة بين العقل والإيمان في الإسلام بمصطلحات لا تطابق ما يعتقده ويقوله المسلمون. والدليل أنه بعد بضعة أيام من إصدار هذا التصريح قامت أربعون شخصية إسلامية – مفتون، علماء كلام، جامعيون – تنتمي لدول مختلفة بتوجيه رسالة إلى البابا حيث ورد فيها “قداسة الأب، في الحين الذي ننوه فيه بجهودكم من أجل إدانة هيمنة الوضعية والمادية، فإن علينا مع ذلك أن نشير إلى بعض الأخطاء أثناء عرضكم للإسلام كمثال مضاد للاستعمال السليم للعقل، وفي الأطروحات التي توردونها للدفاع عن استدلالكم.
نعلم أن هناك من غير المسلمين وخصوصا من الكاثوليك متخصصين أكفاء عن الإسلام. ولكن الأمر نفسه لا نستطيع أن نقوله بصدد الأشخاص الذين اعتمدتم عليهم، لأن هؤلاء لا يعبرون بشكل دقيق عن الفكر الحقيقي للمسلمين (….).
نشارككم الرغبة في حوار صريح وصادق، ونسعى إلى الاستمرار في ربط علاقات سلم وصداقة مع الكنيسة الكاثوليكية، مبنية على الاحترام المتبادل والبحث عن العدالة”.
———–
نقلاً عن الجزيرة السعودية

-- د. عبد الحق عزوزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*