الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » معاوية وافتراءات مثقفي الثورات العربية!

معاوية وافتراءات مثقفي الثورات العربية!

تداعيات الثورات العربية لم تقف عند الشأن السياسي بسقوط أنظمة ديكتاتورية وتحولها إلى نظم انتقالية تحاول تلمس الديمقراطية، أو الشأن الاجتماعي بظهور شريحة الشباب في تلك الثورات السلمية، واستثمارها التقنية الحديثة ووسائل الاتصال الإلكتروني في تحريكها،
أو الشأن الاقتصادي بكشف قوائم المليارات التي نُهبت من قِبل رموز وقادة تلك الأنظمة المستبدة، وفضحت حجم الفساد الذي حوَّل اقتصاديات بلدان عربية إلى شركات عائلية، انتزعت لقمة العيش من فم المواطن العربي البائس.
نعم، تداعيات ما يسمى (الربيع العربي) شملت كل الشؤون الحياتية، بما في ذلك الشأن (الثقافي)، وتحديداً على مستوى الفكر! والشأن الثقافي – بتقديري – هو الأخطر في واقع الحال؛ كونه مرتكز التغيير من خلال صياغة مفاهيم وأفكار الشعوب المتطلعة للحرية بشكل مباشر ومحدد، فإن كانت الصياغة إيجابية وواعية، وبالذات في قضايا السياسة والاقتصاد، سارت تلك الشعوب على درب الحضارة الحديثة بخطوات ثابتة حتى تلحق بالركب العالمي، وإن تخبطت في السلبية فإن إعادة الديكتاتورية السياسية أو الفساد الاقتصادي وارد حتى لو قامت نظم ديمقراطية في بلدان تلك الثورات.
المساحة هنا لا تكفي لاستعراض كل إفرازات وأطروحات الشأن الثقافي المصاحب للمد الثوري في ربيعه العربي، سواء كانت تلك الأطروحات مقالات أو كتابات سياسية أو مقابلات تلفزيونية أو ندوات فكرية أو غير ذلك، غير أني سأقف عند (فكرة سياسية) ظهرت مع ثورات الربيع العربي من قِبل مثقفين ومحللين سياسيين كبار، وأجدها ترددت في أدبياتهم حتى امتطى صهوتها أرباع المثقفين، كما استغلها الطائفيون وغلاة المذاهب في الطعن بعدالة الصحابة ومحاولة استدعاء تاريخ الفتنة الكبرى التي وقعت بين الصحابة الكرام، تلك الفكرة تتمحور حول (غياب الحكم الرشيد) منذ الانقلاب الأموي زمن معاوية – رضي الله عنه – إلى يومنا هذا، حيث لم تقف هذه الفكرة في عقول أدعياء الليبرالية وأيتام اليسار، الذين يبحثون عن كل نقيصة تشكك في التجربة الإسلامية التاريخية، إنما تسللت إلى عقول بعض الدعاة والباحثين الشرعيين، لدرجة أن الشيخ أحمد الكبيسي تهجم على الصحابي الجليل معاوية – رضي الله عنه – في أحد برامجه التلفزيونية، وحمّله كل مصائب الأمة.
وهنا لن أدافع عن معاوية – رضي الله عنه وأرضاه – رغم أنف كل من يتطاول عليه، فيكفي أنه بذلك ينال الفضل والدرجات، فهو صاحب رسول الله، وكاتب وحيه، كما قال الشيخ الددو في لقاء الجمعة على قناة (الرسالة)، لكن المجال هنا لمناقشة افتراءات مثقفي الربيع العربي حول هذا الخليفة العظيم وأول ملوك الإسلام. ولعل أبرز ملاحظة على تلك الافتراءات الزعم أنه نازع الخليفة الراشد علي بي أبي طالب – رضي الله عنه – الخلافة وحاربه لأجلها في موقعة صفين، بينما الحقيقة التاريخية تقول إن الخلاف كان حول مسألة القصاص من قتلة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، فالخليفة الشرعي علي كان يرى التريث في القصاص حتى تستتب الأمور ويسكن الناس وتهدأ الفتنة، ثم يُطلب من القبائل تسليم كل من يثبت عليه المشاركة في قتل عثمان أو المساهمة في ذلك أو التأليب على قتله، بحيث يُرفع للقضاء الشرعي، بينما الصحابي معاوية لا يرى التريث، حتى أنه امتنع عن البيعة ما لم يُقتص من القتلة بدعوى أنه ولي الدم، خاصة أن الخليفة علي قد أصدر قراراً بعزله عن ولاية الشام، كما أنه يرى أن التريث في القصاص سيقوي موقف القتلة، وقد يؤدي إلى ضياع دم عثمان، مع ذلك فلا خلاف أن رأي علي كان هو الأصوب والأقرب إلى الحق.
إذاً، لم يكن خلافاً على خلافة! كما أن مبايعة معاوية بالخلافة لاحقاً جاءت بتنازل من الخليفة الشرعي الحسن بن علي رضي الله عنهما، حقناً لدماء المسلمين بما عُرف بـ(عام الجماعة 41 هجرية)، مقابل أن لا يُراق دم مسلم بعد ذلك، وبهذا حكم الخليفة معاوية بن أبي سفيان قرابة 20 عاماً، وقبلها 20 عاماً عندما كان أميراً على الشام، بتعيين من الخليفة الفاروق رضي الله عنه بعد وفاة أخيه يزيد بن أبي سفيان.
من ينظر إلى سيرة معاوية – رضي الله عنه -، خاصة خلال سنوات حكمه (أميراً للشام ثم أميراً للمؤمنين)، يلحظ عظمة هذا الحاكم وعبقريته السياسية، فلم تقم في زمنه فتنة واحدة؛ وذلك لبراعته في إدارة شؤون الدولة ومصالح الناس، وهو صاحب العبارة الشهيرة: (لو بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إن شدوها أرخيتها وإن أرخوها شددتها)، لكن براعته السياسية وبُعد نظره لم يمنعاه من الوقوع في الخطأ؛ فهو بشر، وليس معصوماً، وذلك بتوليته ابنه يزيد للخلافة رغم وجود من هم أحق منه وأعظم فضلاً في الدين وقدراً بين الناس وعلماً بالسياسة. هذا الخطأ السياسي لا ينسحب على دين الصحابي معاوية أو أمانته بدلالة أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد ائتمنه على ما هو أعظم من شأن السياسة، وهو (كتابة الوحي)، لكن هذا الخطأ أصبح لدى محللي السياسة وكتاب الديمقراطية ومنظري دولة القانون منطلقاً لاتهام معاوية بأنه هو السبب في غياب الحكم الرشيد منذ الخلافة الراشدة وفساد نظام الأمة السياسي؛ لأنه غيَّر هذا النظام من (الشورى) إلى (الوراثة)، رغم أن هؤلاء المثقفين أصلاً لا يؤمنون بالخلافة بوصفها نوعاً من أنواع الحكم، ولا بالشورى كأداة من أدواته، كونهم يعتقدون بالمفاهيم والقيم السياسية الغربية للدولة الحديثة.
لا يمكن إنكار أن تولية يزيد كانت سبباً في غياب مبدأ الشورى الذي قامت عليه الخلافة الراشدة، إلا أن هذا لا يعني ظلم معاوية – رضي الله عنه – وتحميله وزر كل مصائب الأمة خلال تاريخها الطويل كما يفتري الكبيسي؛ لأن السؤال يقول ببساطة: أين المسلمون طوال هذا التاريخ؟ ولماذا لم يتجاوزوا هذه العقبة ويصلحوا هذا الخلل رغم نجاحهم في كل ميادين الحضارة؟ لأن تحميل معاوية استمرار هذا الخلل السياسي والإصرار على هذه الفكرة الغبية والاستنتاج الخاطئ يعني أن المسلمين لا خير فيهم، بدلالة عجزهم قرابة 14 قرناً عن وضع نظام سياسي شوري؛ ما يعني أنه حتى لو لم يقع معاوية في خطأ تولية يزيد فإن المسلمين سيقعون بهذا الخلل السياسي على يد أي خليفة آخر ما دامت القابلية السلبية موجودة لدى المسلمين.
تبقى الإشارة إلى أن من ينتقد معاوية – رضي الله عنه – أو يتهجم عليه ويطعن في دينه – والعياذ بالله – عليه أن ينتبه لفارق الفضل بينه وبين صاحب رسول الله وكاتب وحيه؛ كي لا يسجل نفسه اسماً في قائمة المفترين.
kanaan999@hotmail.com
تويتر @moh_alkanaan
———————
نقلاً عن الجزيرة السعودية

-- محمد بن عيسى الكنعان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*