السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قراءة في انتخابات الجزائر

قراءة في انتخابات الجزائر

أعلن وزير الداخلية الجزائري دحو ولد قابلية  ظهر الجمعة 11ماي 2012 ، في مؤتمر صحفي ،عن النتائج الرسمية للانتخابات التشريعية التي عرفتها الجزائر يوم الخميس 10 ماي 2012 . وتعد هذه الانتخابات الأولى في الجزائر في إطار الدستور الجديد ، وفي ظل ما بات يعرف بالربيع العربي . 

ووفقا للنتائج المعلنة ، فقد فاز حزبان رئيسيان يمثلان قطبي النظام وهما : حزب “جبهة التحرير الوطني” بزعامة عبد العزيز بلخادم  الذي تولى منصب رئيس الوزراء بين 2066 و2008 ،حيث حصل على  220 مقعدا من أصل 462 ، وحزب “التجمع الوطني الديمقراطي” برئاسة أحمد أويحيى رئيس الوزراء الحالي بـ 68 مقعدا . 

ويضمن عدد المقاعد البرلمانية المحصل عليها من طرف الهيئتين (288) تشكيلهما للحكومة المقبلة دون حاجة إلى تحالف مع أحزاب أخرى خاصة “حركة مجتمع السلم” التي كانت شريكة في الحكم بعد حصولها على 52 نائبا في انتخابات 2007 . 

ويُعد الإسلاميون الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات حيث لم يحصل التكتل الذي شكلوه قبل الانتخابات تحت اسم :”الجزائر الخضراء”، ويضم “حركة مجتمع السلم” بقيادة أبو جرة سلطاني و”حزب النهضة ” بزعامة فتحي ربيعي و” وحزب الإصلاح” بزعامة ميلود قادري ؛ إذ لم يحصلوا سوى على 48 مقعدا . 

وكانت استطلاعات الرأي التي أجريت تعطي الصدارة للأحزاب الإسلامية ؛ كما كان يتوقع الكثيرون داخل الجزائر وخارجها إحرازهم فوزا كبيرا في سياق الثورات العربية التي وصل بفضلها الإسلاميون إلى الحكم في كل من تونس ومصر وليبيا والمغرب . 

ولا شك أن نتائج الانتخابات التشريعية الجزائرية تطرح على الباحثين السوسيولوجيين أسئلة كثيرة حول استثناء الجزائر من حكم الإسلاميين ، هل يتعلق الأمر بتخوف الجزائريين من تكرار سيناريو 1991/1992 حين فازت جبهة الإنقاذ الإسلامية بالانتخابات التشريعية فحدث الانقلاب على الديمقراطية وتم إلغاء النتائج . 

الأمر الذي دفع الإسلاميين إلى اللجوء إلى العنف جر الجزائر إلى حرب داخلية سرعان ما استغلتها التنظيمات المتطرفة لتنشر الرعب والدمار في المجتمع الجزائري الذي فقد ما يزيد عن مائة ألف قتيل ؛ وتحول الصراع من عنف سياسي إلى حرب على الإرهاب الذي تزداد خطورته بعد تأسيس قواعد خلفية للإرهابيين بمنطقة الساحل والصحراء .

 وكان آخر ثمن تدفعه الجزائر ، اختطاف قنصلها بمدينة غاو شمال مالي وستة من الموظفين بالقنصلية على يد حركة التوحيد والجهاد بغرب إفريقيا التي أمهلت الجزائر أقل من شهر قبل قتلهم إذا هي لم تستجب لمطالب الإرهابيين المتمثلة في دفع فدية 15 مليون أورو وإطلاق سجناء القاعدة بالسجون الجزائرية . 

وقد تكون هذه العوامل السياسية والأمنية هي التي أثرت على الناخبين الجزائريين فصوتوا بالأغلبية لصالح قطبي النظام اللذين ينحدران من أصل واحد هو جبهة التحرير الجزائرية ، الحزب الوحيد الذي حكم الجزائر منذ عهد بومدين إلى عهد الشاذلي بنجديد . 

وقد يكون الجزائريون قد تحاشوا المخاطرة والمغامرة وهم يدركون جيدا سلطة العسكر وتدخله في كل مفاصل الدولة واختياراتها السياسية . فالعسكر هو المتحكم في دواليب الدولة والاقتصاد معا . 

إذ لا يمكن لأي مرشح للرئاسة أن يفوز في الانتخابات إلا بزكية من العسكر . 

وتعبيرا عن هذا التوجه الذي يتبناه العسكر وصقور النظام السياسي ، قال رضا مالك، الذي تولى عضوية المجلس الأعلى للدولة في عز المد الإسلامي بالجزائر سنوات التسعينيات،  ثم رئيس الحكومة في 1992 ، قال في حوار مطول لوكالة “رويترز”، إنه لا يشعر بالرضى لعودة الإسلاميين الى واجهة الحياة السياسية بالجزائر، وعن برامجهم ووعودهم الانتخابية، قال رضا مالك بصريح العبارة “لا يعنيني ما يقوله الإسلاميون الراغبون في الوصول إلى السلطة عن طريق البرلمان عن أنهم معتدلون ينبذون العنف”. وأضاف :” لا فرق لدي بين إسلامي معتدل وإسلامي أصولي وهما بالنسبة إلي شيء واحد يحملان نفس الأفكار” وهي أفكار وصفها ا بـــ “العدوانية” التي تريد إعادة أسلمة مجتمع هو أصلا مسلم.  وفي نفس السياق، قال رضا مالك “إن التاريخ العنيف للإسلاميين  – في إشارة منه إلى المجازر التي ارتكبتها الجماعات الإسلامية المسلحة بالجزائر سنوات التسعينيات – يلقي بظلاله الآن على محاولاتهم للعودة إلى الحياة السياسية العامة”. 

وتجاوزا لأسباب الكارثة والفتنة التي عاشتها الجزائر بسبب تصويت غالبية الناحبين لجبهة الإنقاذ الإسلامية ، جاءت نتائج الانتخابات التشريعية الحالية تعطي الصدارة للقوة السياسية التي وفرت الأمن والاستقرار للجزائر على مدى ثلاثة عقود . فالجزائريون اليوم ، وبعد المحنة مع الإرهاب ، يطلبون الاستقرار أكثر مما يطلبون الديمقراطية . وقد تتبعت نقاشات بين المثقفين الجزائريين ونظارئهم المغاربة في موضوع الحريات السياسية والفكرية التي كانت متوفرة للجزائريين خلال تسعينيات القرن العشرين فيما  افتقر إليها المغاربة الذين عاموا طويلا مما سمي بسنوات الرصاص . 

وكان جواب المثقفين الجزائريين واحدا “أعطونا الأمن الذي تنعمون به في المغرب وخذوا كل الحريات التي لنا في الجزائر” . إن الأمن والاستقرار هو أعظم نعمة دونها لا يمكن توفير التنمية أو تحقيق الديمقراطية . 

إن نتائج الانتخابات الجزائرية الحالية ليس خسارة للإسلاميين فقط في الجزائر ، بل خسارة لنظرائهم في المغرب الذين راهنوا عليها لحمل الإسلاميين إلى الحكم ، ومن ثم تذليل العقبات السياسية بين البلدين ، والتي تعرقل كل الجهود التي يبذلها المغرب من أجل تحسين علاقته بالجزائر وإعادة فتح الحدود بين البلدين . 

فحكومة عبد الإله بنكيران كانت تتطلع إلى التنسيق المتين مع الحكومة الجزائرية “الإسلامية” لتسوية مشكلة الصحراء المغربية التي تحول دون تطبيع العلاقات بين البلدين ، وتبقي على حدة التوتر بينهما . 

بل هذا التوتر يضيع على البلدين فرصا كبيرة للتنمية والاستثمار بسبب السباق نحو التسلح الذي تفرضه الجزائر على المغرب ، حتى باتت الجزائر تحتل المرتبة الأولى إفريقيا من حيث الميزانية المخصصة للتسلح .  

وبحسب تقرير نشره أخيرًا معهد “سيبري” لأبحاث السلام الذي يقع مقره في العاصمة السويدية ستوكهولم قد كشف أن الجزائر اقتنت ما بين 2007 و2011 عدد (2194) طائرة، في حين اقتنى المغرب عدد (1174) أما أنظمة الدفاع فوصلت إلى 120 بالنسبة إلى الجزائر، مقابل 42 بالنسبة للمغرب.كما اقتنت الجزائر 825 صاروخًا و675  باخرة، في حين اقتصرت مقتنيات المغرب على 159 صاورخًا و174 باخرة.  

ووفقا لهذه الإحصائيات فإن البلدين استوردا في الفترة ما بين 2007 و2011 حوالي 59 في المائة من واردات القارة الأفريقية من السلاح ، غير أن الجزائر تحظى بنصيب الأسد، إذ إن وارداتها من الأسلحة بلغت 43 في المائة، في حين بلغت نسبتها في المغرب 16 في المائة.

أمام الوضع الذي أفرزته الانتخابات التشريعية في الجزائر ، والذي حمل إلى الحكم قوى سياسية ظلت وفية للبوميدينة (نسبة إلى الرئيس الجزائري الراحل بويمدن) ، فإن آمال إسلاميي المغرب وتونس في تفعيل هياكل المغرب العربي في أفق بناء الوحدة المغاربية ، ستتبخر بسبب الموقف الجزائري المناهض لوحدة المغرب الترابية وسيادته على اقليمه الجنوبية التي استرجعها من الاحتلال الإسباني سنة 1975 . وبالنتيجة لن تعرف العلاقات المغربية الجزائرية تطورا جوهريا يستجيب لتطلعات الشعبين .

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*