السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العدالة الاجتماعية بين عوامل البناء ومعاول الهدم (2-2)

العدالة الاجتماعية بين عوامل البناء ومعاول الهدم (2-2)

 والفساد بأنواعه يدخل في فلك الظلم ويتسربل داخل ردائه، وكل ما يفضي إلى تجاوز حدود الاعتدال ويجنح إلى الجور والبغي والطغيان، أو يدفع إلى اقتراف الفساد والوقوع في الباطل، فهو شكل من أشكال الظلم، لما ينجم عن ذلك من اختلال العلاقة بين الحاكم والمحكوم من…

…جانب، وافساد هذه العلاقة بين أفراد المجتمع من جانب آخر، ثم يتطور هذا السلوك إلى النيل من طبيعة العدالة الاجتماعية، ويقوض أركانها، ويجعلها عرضة للانحراف عن الحق، وتصبح المصالح المعتبرة ضحية للرغبات الجامحة والمطامع الشاطحة، ومرتعاً خصباً للتناحر والتنافر، وتعارض المصالح وتضارب الأهواء، ويكون لسان حال الناس كما قال الشاعر:

يتشبه الطاغي بطاغ مثله *****وأخو السعادة بينهم من يسلم

وقال آخر

وأيسر من ركوب الظلم جهلاً **** ركوبك في مآربك الظلاما

وقد يبغي السلامة مستجير   **** فيترك من مخافته السلاما

والبعد عن الدين والتراجع عن تطبيق منهجه، أدى إلى عزوف المجتمع عن الأخذ بقواعد العدالة الاجتماعية، وإهمال وسائلها، ومقابل ضعف الإقبال على الدين والعزوف عن تطبيق المنهج تهالك على اعتناق الآيديولوجيات والمذاهب الغربية والشرقية، واللهث وراء الفكر الوافد، والتسمي بمسميات مستوردة، وإحلال التشريعات التي وضعها البشر محل تشريعات رب البشر، وهذه الأمور غيبت الشعور الوجداني المتحرر، وأبطلت مفعول التشريع والتوجيه، وخلطت عملاً صالحاً بآخر سيئاً، وتبعاً لذلك غابت المساواة العادلة والحرية المسؤولة والتكافل الاجتماعي المنشود، وغاب بغيابها الكثير من القيم والمثل الاجتماعية والفضائل الإنسانية، واختل التوازن بين الملكية الفردية والجماعية، وغلبت النزعة الفردية تحت تأثير الفكر الليبرالي، وانزلق المجتمع في فخ النظام الرأسمالي تحت شعارات العولمة تارة، والإصلاح الاقتصادي تارة ثانية، والخصخصة تارة ثالثة والانفتاح تارة رابعة واستحكم الفساد بأنواعه وأصبحت أدواته مألوفة ومحاذيره غير معروفة، وانطبق قول الشاعر:

واحد في النعيم يلهو وألف ****** في شقاء وبؤس واعتلال
حيث يسعى الفقير سعي أجير  ****** لغني مستأثر بالغلال

وهذه المصطلحات يجمع بينها قاسم مشترك هو التعامل الربوي، وتلتقي عند هدف واحد هو أكل أموال الناس بالباطل واستنزاف ثروات الدول النامية من قبل الدول الغنية، واستفادة القوي على حساب الضعيف، والعولمة هي المرجع لهذا الفخ السياسي والمالي وأوضح دليل عليه، لما تمثله من غطاء لهيمنة الغني على الفقير، وبالنسبة للإصلاح الاقتصادي، كما يسمونه أصحابه فهو إصلاح لهم وإفساد لغيرهم لانتفاء الندية والتماثل، وهما شرطان لتبادل المزايا وتقاسم المنافع، أما الانفتاح فهو حق أريد به باطل، وفيما يتعلق بالخصخصة فيلزم إخضاعها للنقد والتمحيص وحصرها في مجالات معينة ذات طابع ثانوي في حين تتولى الدولة المجالات الاستراتيجية والاستخدامات الحرجة وإصلاح الفساد من الداخل يمنع تحريكه من الخارج أو استيراده.
وعقدة الدونية أمام الاجنبي التي تعانيها المجتمعات الإسلامية وقبول الأفكار الوافدة على علاتها، وبشكل مطلق هو المرفوض أما غربلتها والاستفادة منها وقبول المفيد ورفض المضر فهذا هو المطلوب، مع الأخذ في الحسبان تخليص القطاع العام من البيروقراطية والتسيب وإصلاحه من الفساد، وتوجيه القطاع الخاص والاستثمار الخارجي بما يخدم الإنتاج ويضمن مصلحة المجتمع، واتخاذ الرقابة الفاعلة والمساءلة والشفافية سبيلاً إلى تحقيق ذلك.
والنزعة الفردية والتطرف في الملكية الخاصة، وخروجها عما رسم لها الشارع، وانغماس أهلها في الفساد بمختلف نعوته وصفاته، وتحول الفارق الاجتماعي بين الأفراد من حالته الإيجابية إلى حالة سلبية، كل ذلك يقود إلى تراكم الثروة عند فئة معينة على حساب فئات المجتمع، وتتسع الفجوة بين الغني والفقير، وتظهر الطبقية، ويستفحل أثرها وتأثيرها، ويحل التنافر والتباغض محل التعاون والتكامل، وتختل التركيبة الاجتماعية وتصبح المادة هي المرجعية توزن بها الأمور، ويبدأ منها القياس ويعود إليها.
والطبقية آفة من آفات العدالة الاجتماعية، تنحرف بها عن مسارها الصحيح، وتجعلها في مهب الريح، وتكمن خطورة تراكم الثروة واقتصارها على الأقلية دون الأكثرية في طغيان ظلمها، وتأجيجها لمشاعر العداء في نفوس الضعفاء ضد الأقوياء.
والترف لدى المجتمعات بقدر ما يعتبر أحد معاقل الفساد وأداة من أدوات الظلم بقدر ما يشكل معول هدم للعدالة الاجتماعية، ويقصد به التوسع في النعمة وزيادة التمتع بها إلى حد التنعم والبطر، ويرتفع سقف الترف حتى يصل الأمر بالمترف إلى الانغماس في الملذات والشهوات، وتطغيه النعمة وسعة العيش، متخذاً من ذلك وسيلة إلى البطر والطغيان، والثراء الفاحش والترف متلازمان، والثاني صنو الأول، ولولا النعمة ما كانت الترفة، ولكل مستوى من المعيشة وعصر من العصور ترفه، وما كان ترفاً مذموماً في بيئة من البيئات وزمن من الأزمنة قد لا يكون كذلك في بيئة أخرى وزمن آخر، والتنعم الذي لا يخرج عن حد الاعتدال والتوازن يختلف عن المبالغة في الإسراف والتبذير والاستغراق في ملاذ الحياة.
والترف والغنى الفاحش لدى المجتمعات يتناقضان مع العدالة الاجتماعية، ويؤديان إلى النيل من عوامل بنائها، وسبب هذا التناقض هو الممارسات الظالمة والعقول النائمة، والنظرة التي ينظر بها المترفون إلى الحياة والانهماك في نعيمها بعيداً عن واقع الضعفاء وما يعانونه من العوز والفاقة، الأمر الذي يترتب عليه اختلال التوازن، وتكدس الثروة في جهة وانحباسها عن جهة أخرى، وما يعنيه هذا التقسيم من طبقية يعم ضررها ويشتد خطرها، وكل ما يهم هؤلاء المترفون هو استغلال هذه المعاناة لمصالحهم وتحقيق مآربهم.
والأمة التي تألف حياة الترف والانغماس في وحل شهواتها وملذاتها، تجد نفسها مع مرور الأيام تبتعد عن دينها، وتهجر موروثها الثقافي، وتتخلى عن مبادئها وقيمها، وما ينجم عن ذلك من تشويه السمعة، وفقدان الهيبة، وإضعاف عوامل القوة، وهذه الصورة القاتمة تمثل انعكاساً لميول الأمة إلى الكسل والخمول، والانصراف نحو حياة البذخ والتبذير والركون إلى الراحة والدعة، وضآلة حظوظها من الإنتاج، واعتمادها على ما تستورده من الأمم الأخرى.
والأجيال اللاحقة من هذه الأمة لن يصلحها إلا ما أصلح الأجيال السابقة، وذلك بالعودة إلى الإسلام في مفهومه الصحيح والاحتكام إلى شريعته الغراء، وتطبيق منهجه في الحياة لجعل كلمة الله هي العليا وتحقيق الغاية من وجود الإنسان واستخلافه في الأرض، والعدالة الاجتماعية ما هي إلا جزء من الشكل الكلي للنظام الإسلامي الذي تتشابك وتتكامل جزئياته مع كلياته بما ينسجم مع نواميس الكون وطبيعة الحياة ويخدم الحكم من وجود الخلق وعلاقاتهم فيما بينهم وارتباطهم بالخالق، واعتبار الانتماء الديني يعلو على كل انتماء.
————-
نقلاً عن الجزيرة السعودية

-- اللواء الركن م. سلامة بن هذال بن سعيدان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*