الخميس , 8 ديسمبر 2016

أوهام خليجية

أكبر أوهام الخليج في هذه الفترة الحرجة أن الولايات المتحدة يمكن أن تهرع من جديد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لو نفذ الإيرانيون بعض تهديداتهم في تعطيل الملاحة حوله أو حتى احتلال بعض أجزائه مباشرة أو بواسطة من يتعاون معهم، يكفي أن أشير إلى الدراسة التي كتبها رئيس الأركان الأميركي ونشرت في العدد الأخير من مجلة الشؤون الخارجية ذات النفوذ، بأنهم يقلصون الكثير من قوتهم العسكرية، وينظرون إلى أماكن أخرى من العالم بعيدا عن الشرق الأوسط. بعضنا ما زال يعيش في ذاك الوهم الاستراتيجي، ويجب الآن صرف النظر عنه بوعي وبوضوح كامل، والعمل على بناء استراتيجية بديلة تحفظ لأبناء الخليج مستقبلهم المستقل. فليس خافيا عن المتابع أن هذه المنطقة من العالم قد شهدت صراعا جليا أو خفيا على النفوذ، بين الطموح الإيراني الراغب في الهيمنة، والرغبة الوطنية الخليجية في الاستقلال.
ليس الصراع بين ضفتي الخليج العربي والفارسي صراعا مذهبيا، ومن يعتقد ذلك فهو واهم، والدليل واضح وبسيط، فهناك في الضفة الشرقية من الخليج شريط طويل يسكنه تقريبا عشرة ملايين إنسان شيعي لكنهم عرب، يسمى إقليم الأهواز، ويعاني سكانه من اضطهاد قاس من الحكم الإيراني، لأنهم ببساطة عرب. لم تشفع لهم شيعيتهم بأن يعاملوا كما المواطنين الآخرين، وهذا دليل من جملة أدلة أن الصراع في الخليج هو مصلحي بالدرجة الأولى. فللدولة الإيرانية القومية أهداف للهيمنة منذ زمن طويل، وأطماع اقتصادية واستراتيجية كانت تُضمّن تحت شعارات مختلفة، وأصبحت الآن تحت شعارات مذهبية طائفية، لكن كل ذلك شعارات، أما الحقيقة فهي أن الشره الإيراني القومي في الامتداد لإقليم النفط الصغير والغني هو المقصد.
وقف الشهوة الإيرانية عن الاعتداء على مصالح لدول الخليج منفردة هو بإيجاد صيغة وحدوية بين دول الخليج العربية والتخلي عن الوهم الاستراتيجي، أن ما هو قائم باق، وأن العالم الخارجي سواء الولايات المتحدة أو غيرها يمكن الاعتماد عليه، أو حتى مؤسسات الأمم المتحدة السياسية والقانونية، للإسراع لتخليص المنطقة من توسع إيراني على الأرض.
الغرب جميعا مشغول بالوضع الاقتصادي الحرج الذي يمر به. الأزمة الاقتصادية والمالية تضرب بعنف العواصم الأوروبية. الولايات المتحدة مشغولة بالوضع الاقتصادي شبه الحرج، وبالانتخابات القادمة التي تزداد معركتها شراسة، وبخوف عصابي من «استخدام القوم» من جديد. المقاطعة الدولية لإيران تتفتت أمام شراهة بعض العواصم الشرقية أو الغربية للاتجار، وتسندها بمجموعة من الإغراءات الإيرانية، وكأن تلك المقاطعة غير موجودة عمليا.
في الوقت نفسه فإن إيران رفعت من درجة هجومها الكبير تجاه ما تعتقد أنه الخاصرة اللينة لتعزيز نفوذها وهو الخليج العربي، دوله وسكانه، وهي في طريقها للاستبدال بالفتنة «القولية» الفتنة «العملية».
هناك جبهتان على الأقل في هذا الموضوع بدا فيهما الصراع واضحا: الجبهة الأولى التي تستخدم فيها إيران القوة الناعمة، وهي بجانب تحريك بعض من مناصريها لإثارة أكبر قدر من التشويش في الداخل تحت شعارات مختلفة بعضها مطلبي يمكن أن يقنع قطاعات أكبر من الناس بالمساندة، وبعضها فئوي، فإنها أيضا تفتح أبواب المعركة الإعلامية على مصاريعها عن طريق بث ما لا يقل عن أربع وعشرين محطة تلفزيونية في كل من العراق ولبنان وإيران ناطقة بالعربية وموجهة إلى الخليج أساسا وبلغة عربية مستندة في توجهاتها إلى أجندة للإثارة، بجانب عدد من وسائط الاتصال الحديثة التي تغمر الفضاء الخليجي اليوم. أما الجبهة الثانية في ذلك الهجوم فتتمثل في الاستفزاز العسكري من مناورات متكررة وتصعيد حول الجزر العربية في الخليج، ولكونها جزرا «متنازعا عليها» فإنه لا يصح لأي قوة – حسب القانون الدولي – أن تسلحها.. لكن إيران فعلت ذلك منذ أسابيع.
في الوقت نفسه فإن الاضطراب الحاصل في بعض دول الثقل العربي مثل مصر يشجع متخذ القرار الإيراني على تصعيد تهديداته، كما أن الاحتضان الكامل للقرار العراقي يزيد من قدرة القوة الناعمة الإيرانية على التصعيد في استفزازها لدول الخليج ومن خلفه القوى الغربية التي تعرف طهران أنها غير قادرة إلا على الكلام. في مثل هذه الأجواء فقد تسربت بعض المعلومات بأن هناك صفقة ما قد تقع بين إيران والغرب بمباركة من الولايات المتحدة، فقد كانت هناك سابقة واضحة مثلها عند تسليم الأميركان بشكل غير مباشر بلادا كالعراق للنفوذ الإيراني، فما المانع من صفقة أخرى وبصيغة أخرى تمكنها من استقطاع بعض الخليج لتليين العداء القائم؟.. فما يهم الغرب هو بقاء المصالح لا بقاء الدول!
إذا أضفنا إلى كل ذلك ما يحدث في سوريا من صراع أهلي ليس بعيدا عن صراع قوى، تتضح فيه بين غبار الصراخ السياسي قوتان هما إيران من جهة مع مساندة دولية من روسيا، ومن جهة أخرى بقية العرب وعلى رأسهم دول الخليج، وقتها ستتضح للمتابع مساحة وعمق الصراع الدائر، الذي يبدو أن تأثيراته قد وصلت إلى إسرائيل التي تتحوط الآن بالإسراع إلى توحيد جبهتها الداخلية من أجل امتصاص وربما الاشتراك في الصراع القادم حول الخليج. فلأول مرة تقوم في إسرائيل منذ إنشائها حكومة موسعة بهذا الحجم تضم معظم التيارات السياسية الممثلة في الكنيست الإسرائيلي في ما سمي بحكومة الوحدة الوطنية. كل ذلك يأتي معطوفا على صراع يكاد لا تستبان نتائجه، وبشكل يومي يستنزف القدرات المحدودة الاقتصادية والاجتماعية في البحرين، وربما يسعى هذا الصراع لجر آخرين إليه من أجل استنزافهم أيضا، مع فتح معركة على الجزر الإماراتية والقيام بتسليحها بالأسلحة المتقدمة الإيرانية. كما أنها تحيط الخليج من الأسفل الجغرافي اليمني باستغلال العراك اليمني الداخلي لتعضيد مناصريها.
إذا عطفنا كل ذلك على التنبيه لما يفرضه ربيع العرب من ارتدادات على دول الخليج، التي تفرض استحقاقات سياسية لأبنائها لتصحيح المسار التنموي المشتكى منه من النخبة، وما تثيره سوريا اليوم وحلفاؤها في الأوساط الدولية من غمز غير بريء حول حقوق الإنسان، فإن ذلك يجعل في الخاصرة اللينة ثغرات يمكن استغلالها لإحداث العطب.
واضح من كل ما تقدم أن المعركة القادمة في الشرق الأوسط ستكون مركزة على دول الخليج، لأنها ولأسباب كثيرة هي الخاصرة اللينة في وضعها الحالي هلامي التواصل، والممكن التأثير فيها لقلب أوراق اللعبة في المنطقة.
الرد الخليجي المنطقي هو طرح استراتيجية مختلفة لمواجهة كل تلك التحديات غير المسبوقة، وهي أن يكون هناك كيان سياسي موحد وقادر على مواجهة التحديات، قد يدعى اتحاد دول الخليج، يكون بديلا للصيغة الحالية التي سميت بمجلس التعاون واستنفدت ما صممت من أجله، مع سياسات داخلية تُصلب من تماسك الجبهة الداخلية سياسيا.
من دون الاقتراب من هذا الموضوع بصراحة، والاعتقاد أن بقاء الحال كما هو يمكن أن يستمر (وهي مغامرة غير محسوبة وغير مبررة)، فإن التحديات التي وصفنا البعض منها في السابق يمكن أن تتمثل على الأرض، وتكمن أساسا في التطلع الإيراني لتحقيق الحلم القومي القديم والمتجدد، وهو نشر النفوذ الإيراني على المنطقة، وإدخال الجميع تحت مظلة إيران السياسية والعسكرية، وهو طموح يستكمل من الوجهة الإيرانية في الفترة التاريخية الحالية ما بدأ فيه بالفعل، حيث تحقق النفوذ الإيراني في كل من سوريا والعراق وجزء واسع من لبنان، مع توسع في أماكن أخرى ربما بعضها قريب من بعض عواصم الربيع.
من دون النظر إلى مثل هذا الاحتمال، وهو التغيير الجذري الممكن في المنطقة، فإن الجميع قد يكون مصابا بتعتيم سياسي تغلب عليه التمنيات ويُخدر بالوعود وتسري في عروقه فكرة خاطئة، بأن ما صح في الماضي قد يصح في اللاحق، وكل ذلك يمثل نظرة قاصرة استراتيجيا تفرط في مصالح الشعوب التي قد تجد نفسها مغلوبة أو مضطرة لمسايرة القوة الصاعدة من طهران.
آخر الكلام:
لكل زمن أدواته.. التفكير في حل الأزمات الجديدة عن طريق استخدام الأدوات القديمة هو مضيعة للوقت كما أنه عبث لا يترك إلا الرماد.
———–
نقلاً عن الشرق الأوسط

-- محمد الرميحي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*