الإثنين , 5 ديسمبر 2016

الخطوط الحمراء

في مناهجنا العلمية قصور تام في مواجهة الأفكار المنحرفة، لم يظهر إلا حين بدأت الأفكار الإلحادية تسري بين الشباب، حين انفتحوا عليها من خلال “النت”، والمجالس المغلقة والكتب التي لم تكن تعرف من قبل

لدينا في واقعنا الثقافي اليوم حالة من “القلق” المعرفي الذي يلبسه البعض بلبوس الليبرالية، ويعبر عنه تعبيرات تنبئ عن هذه الحالة القلقية التي تعرض أحياناً باسم “حرية التعبير”، وينسى هؤلاء قضية “صراع الهويات” الذي يجعل الكلام في المكون الأساسي للمجتمع خطاً أحمر غير قابل للنقاش أو التنازل.

العجيب عند هؤلاء أنهم في أحيان كثيرة يعيشون “سكرة فكرية” تحجب رؤيتهم عن الواقع، فيدخلون في الحمى المقدس الذي لا يجيز لأحد المساس به، وخاصة في بلد مثل المملكة العربية السعودية، والتي تقوم في أساس تكوينها على تلاحم الديني بالسياسي، ثم يفاجؤون بأن المجتمع كله قد وقف في طريقهم، وتعالت الأصوات لعقابهم ومحاكمتهم.

إن السؤال المبدئي والأصلي في هذا السياق: ما هي المحصلة التي يريد أن يصل إليها أمثال هؤلاء من المتعدين على الذات الإلهية أو السخرية بالمقررات الشرعية، أو الاستهانة بالحدود الشرعية المتفق عليها؟ وأي قيمة يمكن أن يقدمها هؤلاء لخدمة المجالين الثقافي والتنموي المدني؟ ولماذا يتم إشغال المجتمع الذي يحتاج إلى جهود كبيرة في “الإصلاح والتنمية” لينشغل في خوض معارك مثل هذه المعارك التي تتجدد كل فترة، فينسون الهم المشترك في تلمس عوامل النهضة وإصلاح ما اعوج من القضايا الاجتماعية والرقي في الطرح لمعالجة كل المظاهر الخاطئة، والتعاون لرسم مستقبل مشرق للبلد بعيداً عن المزيدات الفكرية، والمراهقات المعرفية التي تشتت الجهود، فلا تقدم مشروعاً، ولا تنفع أمة؟ 

إنني أدرك من خلال ممارسة وتماس مع الفكر السعودي الحديث وخاصة من حملة الليبرالية أنهم على صنفين اثنين، الأول: أناس يرون ضرورة المزيد من الانفتاح والذي يعبرون عنه بالليبرالية الاجتماعية، ولكنهم في نفس الوقت يحافظون على صلتهم الوطيدة بالمكون الأساسي الديني للبلد، وإن كانت أخطاؤهم حاصلة من فهم خاطئ للتعاليم الشرعية وخاصة ما يتعلق بمسائلها العلمية والمنهجية، وهؤلاء لا يرضون أن يمس المقدس، أو ينزل الناس على أي قيمة شرعية محترمة، ويبدون تذمراً ظاهراً من مثل هذه الشواذ التي تظهر بين فترة وأخرى.

أما القسم الثاني فهم الفئة التي لديها نزعة شكية وقلق معرفي يؤدي بها إلى نزعة “إلحادية” تصل إلى الاستهانة بالقضايا الاعتقادية الكبرى مثل الإلهيات والنبوات، وهؤلاء وإن كانوا يعرضون أنفسهم على أنهم ليبراليون إلا أنهم أقرب إلى النزعات الإلحادية، ويظهر هذا جلياً في الاستهانة بالشريعة، والاستخفاف بأحكامها حتى يصل الحد بهم إلى التعدي على الذات الإلهية.. يظهرون أفكارهم بشكل موتور غير علمي، ونقمة على كل مظهر من مظاهر التدين، فإن ووجهوا بالحقائق بدت عليهم نزعة “التقية” التي يحاولون من خلالها إخفاء هذه النزعات والتساؤلات الوجودية التي في حقيقتها نزعات إلحادية مستترة.

إن مثل هؤلاء لابد أن يواجهوا من خلال طريقين اثنين: الأول قانوني ردعي يمنع التطاول ويبين عقوبته، وأن مثل هذا التصرف يعد من الجرائم الكبرى التي تصل إلى أقصى العقوبات حتى لا تكون قضية “المقدسات” كلأ مباحاً لكل من هب ودب من أهل الشك والريب، وخاصة أن ذلك يؤثر على قناعات الجيل، ويحدث البلبلة الفكرية لجيل حقه التفرغ لبناء الذات، والاستقرار النفسي، والتزود بالمعرفة والعلم والنضج.

أما الثاني، فهو تطوير الخطاب الدعوي والديني الذي يواجه مثل هذه الأسئلة الوجودية ليكون قادراً على مواجهة هذه الأسئلة من خلال الهدوء في الخطاب، واحترام الدلالات العقلية والنقلية التي ترسخ مبادئ الديانة في النفوس، وهذا جهد يحتاج إلى أناس من مواصفات خاصة يجمعون بين العلم الشرعي، ومعرفة مقررات العلوم الطبيعية المعاصرة، ويحترمون قواعد العقل ومنطقه، بعيداً عن الحرص على التكفير أو التحريض على القتل، فيعالج هؤلاء ويعاملون معاملة المريض الذي يحتاج إلى الطبيب الحاني المشفق الذي يتلمس أحسن الطرق للوصول إلى حالة الشفاء والسلامة من العوارض والأمراض.

إن من ينظر إلى مناهجنا العلمية يجد فيها قصوراً تاماً في هذه القضية الحساسة، ولم يظهر هذا القصور إلا حين بدأت الأفكار الإلحادية تسري بين الشباب، حين انفتحوا على هذه الأفكار من خلال “النت”، والمجالس المغلقة والاطلاع على الكتب التي لم تكن تعرف من قبل، ولم يكن في طبيعة الخطاب الشرعي قدرة يمكن أن تواجه هذه التساؤلات إلا ما ندر، مع وجود نزعات “غلو” تعرض الشريعة وأحكامها بطريقة تشوهها لتنفر هؤلاء وتبعدهم أكثر عن تعاليمها، بينما نجد في المجتمعات الإسلامية التي انفتحت على الأفكار في وقت مبكر مخرجات قوية وجيدة لمواجهة مثل هذه الأفكار، فرضتها طبيعة الحراك، وأنتجت اجتهاداً واهتمامات جديدة تتناسب مع هذا الوافد الجديد، إلا أننا لم نر في الأفق إلى الآن أي مشروع يمكن أن يسد هذه الثغرة أو يواجهها بمنهجية علمية وفكرية محكمة.

يذكر الدكتور مصطفى محمود، رحمه الله، الذي عاش في الإلحاد أكثر من ثلاثين سنة أن الذين واجهوه إما أناس كفروه وسبوه وعادوه، وهؤلاء لم يؤثروا في حمله لفكرته، لأنهم لم يقدموا إلا السب الذي لا يزحزح الإنسان عن فكرته، وإما آخرون مؤمنون بسيطون يدعون له بالهداية، وهؤلاء وإن أبدوا حرصاً ورأفة إلا أنهم لم يقدموا له الأدلة التي تقنعه بخطأ طريقه حتى استطاع من خلال البحث والفطرة والنزعة الإنسانية أن يكتشف عظم الخالق الذي دله على صحة الرسالة المحمدية، فانبرى ليدافع عنها ويقف في وجه الإلحاد والملحدين.

نقلاً عن الوطن أونلاين 

-- بدر سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*