السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لماذا الاتحاد الخليجي؟ ولماذا الآن؟

لماذا الاتحاد الخليجي؟ ولماذا الآن؟

مع طبيعة الأخطار التي تواجه المنطقة، فإن الأدوات التي نحتاجها إلى إدارة العمل الخليجي يجب أن تتغير، وتُطوّر وتُحدّث، لكي يستفيد مواطنو هذه الدول من القوة الجماعية لاقتصادات دولهم، وقدراتها الإستراتيجية الكامنة

عندما يجتمع قادة مجلس التعاون اليوم الاثنين (14 مايو) في قمتهم التشاورية السنوية، فمن المتوقع أن يكون الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد أحد المواضيع الرئيسية المطروحة أمامهم. وكانت القمة الخليجية السابقة، التي انعقدت في الرياض يومي 19-20 ديسمبر 2011 قد ناقشت مقترح خادم الحرمين الشريفين بهذا الشأن، ووجهت بتشكيل هيئة متخصصة من 18 عضواً، ثلاثة من كل دولة، لدراسة المقترحات المتعلقة بذلك. 

وقد عقدت تلك الهيئة المتخصصة اجتماعات مكثفة خلال الأشهر الماضية، ورفعت تصورها بشأن شكل الاتحاد وآلياته والأجهزة المقترحة له، ولذلك فإنه بعد الاتفاق على الاتحاد من حيث المبدأ، تبقى التفاصيل المتعلقة بشكله وآلياته وأجهزته، وكذلك الجدول الزمني لبدء أعماله. فما هي مبررات الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد؟

عندما أُسّس مجلس التعاون في عام 1981، نص نظامه الأساسي على أن من أهدافه تعزيز التكامل والترابط بين دوله، “وصولاً إلى وحدتها”. ولكن الكثيرين، خاصة من خارج المنطقة، ظنوا ذلك حلماً بعيد المنال. ففي حين كان جلياً أن الدول الست تجمعها روابط الثقافة والتاريخ والعادات والتقاليد، إلا أن ذلك لم يكن كافياً للوصول إلى ذلك الهدف. فأي تجمع إقليمي، لكي يكون فاعلاً، يجب أن تكون لديه رؤية إستراتيجية واضحة لمستقبله، واتفاق على كيفية الوصول إلى ذلك المستقبل. وهذه الرؤية الإستراتيجية تعني وجود توجهات مشتركة تجاه تحقيق المصالح المشتركة طويلة المدى، خاصة في المجالات الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والأمنية. 

وكما هو معروف فإن هذه الرؤية والاتفاق والتوجهات لم تكن موحدة أو متفقاً عليها عندما تأسس المجلس قبل ثلاثين عاماً. ويجب أن نتذكر، أنه في تلك الأيام لم يكن لدى دول الخليج خبرة في تأسيس عمل إقليمي بذلك الحجم، ولم يكن هناك نموذج يُحتذى في العالم، إذ إن الاتحاد الأوروبي ما زال حينها مجرة فكرة وكان عبارة عن مجموعة اقتصادية. ولا تنسَ أن معظم دول المجلس كانت حينها حديثة عهد بالاستقلال الكامل. ونتيجة لذلك، لم يكن ثمة سوى أجهزة حكومية ذات طاقة استيعابية كافية لبناء الدولة، ولكن ليس لبناء اتحاد على المستوى الإقليمي. وكانت محصلة تلك الظروف هي تأسيس مجلس التعاون، بمؤسساته وصلاحياته المعروفة، في مايو 1981م. ولكن الكثير قد تغير منذ ذلك الحين. ولنأخذ الجانب الاقتصادي أولاً. في عام 1981، كان حجم الاقتصاد الخليجي في حدود 200 مليار دولار، ثم انخفض بعدها ليصل إلى 130 مليارا في عام 1986. أما اليوم، فيبلغ حجم الاقتصاد الخليجي نحو 1.5 تريليون دولار، ومن المتوقع أن يتجاوز ثلاثة تريليونات دولار قبل نهاية العقد الحالي. وقبل عشر سنوات فقط، كان اقتصاد دول المجلس ما زال محدوداً، ولم يكن بينها اتحاد جمركي ولا سوق مشتركة. كان وقتها الحجم الإجمالي للسلع والخدمات في ذلك الاقتصاد أقل من 350 مليار دولار، مقارنة بنحو 1500 مليار اليوم.

أما التجارة بين دول المجلس فلم تتجاوز 20 مليار دولار في عام 2002، وبعد تأسيس الاتحاد الجمركي في عام 2003 قفز حجم التبادل التجاري بمعدلات نمو عالية تجاوزت 20% في العام، ليصل إلى نحو 100 مليار دولار سنوياً في الوقت الحاضر.

أما الاستثمار بين دول المجلس، فقد كاد يكون معدوماً منذ عقدين أو أقل. أما اليوم، خاصة بعد انطلاقة السوق الخليجية المشتركة في عام 2008، فإن ذلك الاستثمار قد أصبح حقيقة واقعة، ينمو بمعدلات عالية تتراوح بين 28% و50% سنوياً. وستجد اليوم، حسب الإحصاءات الرسمية، مئات الآلاف من الخليجيين الذين يعملون ويستثمرون ويدرسون في دول المجلس الأخرى.

أما الترابط بين المواطنين فقد أصبح حقيقة يومية، فسنوياً ثمة نحو عشرين مليوناً، يتنقلون بين دول المجلس للسياحة أو المشاركة في الفعاليات الثقافية التي تُعقد في دول المجلس خارج حدود وطنهم.

وربما يصعب علينا تصديق ذلك اليوم، ولكن في عام 1981، لم يتجاوز عدد خريجي الجامعات بضع مئات في بعض دول المجلس. وواجهت أجهزة مجلس التعاون وقتها صعوبة في العثور على جامعيين مؤهلين للعمل لديها، بسبب ندرة الخريجين، أما اليوم فهناك بالفعل ملايين من خريجي الجامعات.

وفي المجالين السياسي والعسكري، فقد كانت المنطقة في حالة هيجان في ذلك الوقت، وما زالت تواجه تهديدات وتحديات صعبة، بل ازدادت تلك الأخطار عدداً وتعمقت، وأصبحت تشمل تهديدات جديدة مثل الخطر النووي والأسلحة الصاروخية. ومن الواضح أن الدفاع أمام هذه الأخطار الجديدة يتطلب عملاً جماعياً بالضرورة. وفي الوقت نفسه، فإن حماية التجارة الملاحية في الخليج، شريان الاقتصاد الخليجي، قد أصبحت أكثر صعوبة، بازدياد أعمال القرصنة والإرهاب والتدخلات الخارجية وتهريب السلاح، وكلها تتطلب عملاً جماعياً لمواجتها.

ومع هذه التطورات، سواء في المجال الاقتصادي، أو في المسيرة التكاملية لدول المجلس، أو في طبيعة الأخطار التي تواجه المنطقة، فإن الأدوات التي نحتاجها إلى إدارة العمل الخليجي يجب أن تتغير، وتُطوّر وتُحدّث. فلكي يستفيد مواطنو هذه الدول من القوة الجماعية لاقتصادات دولهم، وقدراتها الإستراتيجية الكامنة لها، فإنها يجب أن تدخل في إطار أكثر تماسكاً وأسرع حركة، يستطيع أن يترجم تلك القدرات الكامنة إلى فعل إستراتيجي ووزن دولي محسوس، وأن يتفاوض بصفة جماعية مع الأطراف الأخرى على المسرح الدولي، دولاً كانت أو مجموعات.

بعبارات أخرى، آن الأوان لدول الخليج، وأبنائه وبناته، أن يأخذوا زمام مستقبلهم بأنفسهم، ويديروا مشروعاً تكاملياً فاعلاً بأيد خليجية. وربما كان الاتحاد الخليجي هو هذا المشروع الجديد. ولكي يكون الاتحاد فاعلاً، يجب أن تكون له أهداف إستراتيجية واضحة، وأن يكون له أجهزة اتحادية قادرة على تحقيق تلك الأهداف، ومن ضمنها الحفاظ على سيادة دوله وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وفي الوقت ذاته، فإن تلك الأجهزة يجب أن يكون لديها من القدرات والكفاءات والصلاحيات ما يمكنها من أداء مهامها لتحقيق تلك الأهداف والتعامل بقدرة مع التحديات التي تواجه المنطقة.

نقلاً عن الوطن أونلاين 

-- عبدالعزيز حمد العويشق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*