الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل يمكن للوسطية أن تتطوّر؟

هل يمكن للوسطية أن تتطوّر؟

دأب رموز الفكر الإسلامي، على استعمال أدوات التحكم عن بعد للسيطرة على قضايا الواقع، فبدلاً من النزول إلى ميدان القيادة أمام حشود المسلمين، آثر هؤلاء الرموز، السكن في استراحة التفكُّر والتأمُّل، ومن داخل صومعة الفكر، 

أصبح كلُّ منهم مقاول كلام قادر على تناول قضايا المجتمع بمنتجات مبتكرة من الخلطات الكلامية يدخل في تركيبها جميع عناصر البلاغة من التورية، التشبيه، الكناية، الاستعارة، السجع، وتغليفها بحزمة من الأقوال المنتزعة من كتب السلف ومن ثم إطلاقها في مجالس الدرس ليلتقطها سرب المغرّدين والتحليق في سماء المثاليات. 

وعندما نتأمّل ميدان الحياة نجد أن حشود المسلمين منساقين بكلِّ سرور خلف الغرب، أقطاب الصناعة والتقنية، بينما رموز الفكر الإسلامي، بين أركان الاستراحة، تمارس هوايتها بالاستنكار والتحذير، ومن خصوصيتنا الغلو في ذكر هادم اللذات فتجد ذكر الموت على لسان الرجال والنساء أكثر من الاستغفار، وفي نفس الوقت لا يصح أن يكون الرمز، مفلساً من الحل، عندما يكون بجواره مكتبه تزخر بجميع كتب ومجلدات السلف، يستطيع أن يصنع منها مختلف أنواع الخلطات الكلامية تقدم حلولاً لمختلف القضايا، وإن تعذّر إنتاج خلطه مناسبة، فلديه الصلاحية بالتلويح بمثلث الرعب (الموت، عذاب القبر، عذاب جهنم)، كمخرج طوارئ، فالرمز بمثابة الوكيل الشرعي عن السلف الصالح أو الحارس على باب جهنم، وعندما ينشأ الطفل في هذا المناخ المرعب، يصبح مصاباً بنوبة هلع ذهني مزمن، ترى أثرها في شخصيته متمثله في قابلية التلقين، سرعة الانصياع، فاقداً لملكة التقييم والتحليل اختار هؤلاء الرموز المعنيين بقيادة الفكر الإسلامي، مكاناً متميزاً في أعلى السفينة، لمراقبة ما يجري أسفل السفينة، وعندما تضطرب وتتخبّط وتتمايل السفينة، يظن هؤلاء الرموز بأنّ هناك تسونامي سيقتلعهم، عندها يصرخون على منهم في أسفل السفينة بأنّ هناك من يحاول خرق السفينة، عندها ينشغل المسلمون، أسفل السفينة، بهاجس الغرق، ويغيب عن ركاب السفينة أنّ قيادة السفينة ليست في يد رموز الفكر الإسلامي وإنما هي في يد طاقم أوربي – أمريكي، صنع السفينة وزوّدها بأجهزة ملاحة متطوّرة، مرتبط بالأقمار الصناعية، وتزخر بجميع أجهزة التقنية المعاصرة بما في ذلك المطابخ التي تعمل بشاشات اللمس، ومزوّدة بمعدات طبية متطوّرة قادرة على تصوير خلايا المخ والمخيخ، وعندما تهدأ العاصفة، وتستوي السفينة، يستأنف رموز الفكر الإسلامي، في أعلى السفينة، مسلسل التفكر والتأمّل، وتجهيز مزيد من الخلطات الكلامية، بواسطتها، يتم رسم مزيد من الصور المثالية في الفضاء، ثم ينصحون المسلمين، في أسفل السفينة، الاعتبار والاجتهاد في العمل، والثبات على المنهج مهما كانت التحديات وأنّ الثواب على قدر المشقة. ولكن نظراً لأنّ بعض هؤلاء الرموز الإسلامية يملكون ثروات معتبره، يتطلّب حفظها في أماكن آمنة بعيدة عن الشبهة، فكان لا بد لهم من استحداث طريقه مقبولة ووسطية لحفظ أموالهم، ولكن تحت غطاء إسلامي، عندها، قامت تلك الرموز بغض الطرف، مؤقتاً، عن كلالصور المثالية، وخرجت من صومعتها المعهودة وهبطت إلى أرض الواقع بفكرة لم تكن موجودة في كتب ابن تيميه أو كتب السلف الصالح، ولم يعجز أصحاب المال من رموز الفكر الإسلامي من العثور على المبرّرات الكافية لتشريعها، فكانت ولادة المصارف الإسلامية لحفظ أموال عامة المسلمين وأموال الرموز خاصة. 

القيمة المضافة: 

حشود المسلمين مستسلمين للتبعية الغربية من أقطاب الصناعة وأقطاب التقنية. بينما أقطاب الفكر الإسلامي ينعمون في استراحة التفكر والتأمّل، يردّدون خير جليس في الزمان كتاب، وعند حساب الساعات التي استغرق ابن تيميه لتأليف كتبه، نجد أنه كان يعمل بمعدل ثماني عشرة ساعة يومياً على مدى سنوات عمره، ناهيك عن ساعات النوم وساعات التهجد والتي لا يعلم عنها ألاّ الله سبحانه، أي أنّ ابن تيمية لم يكن لديه استراحة تفكر وتأمل، كما هو الحال، اليوم، لدى رموز الفكر الإسلامي التي اختارت أن تنصّب نفسها مراقباً فوقياً، وصمّمت لذلك صوراً مثالية، وأخذت تطالب حشود المسلمين بالعمل والاجتهاد لتحقيق المثالية في واقع حياتهم مع التذكير الدائم، بوجود أدوات مرعبة من صلاحيتهم استخدامها، لشحذ همم المتخاذلين، خلالها، حرص رموز الفكر الغربي على استثمار انشغال رموز الفكر الإسلامي بالمثاليات، فتربع على مقعد القيادة ليحقق مشروع أهدافه من خلال جعل نفسه مقاولاً تنفيذياً لهذا المشروع. 

إنّ الحياة التقنية المعاصرة، تتطلّب من رموز الفكر الإسلامي الاستعداد للخروج بتشريعات كثيرة وسريعة تعالج احتياجات العصر المتجددة، وهو هدف قابل للتحقيق، فلم تعجز الرموز من إنتاج مسوغات تحتم ضرورة إنشاء المصرفية الإسلامية، ولن تعجز رموز الفكر الإسلامي من إنتاج مسوغات أخرى مثيلة، تحتم، أيضا، ضرورة الخروج بتشريعات إسلامية وسطية، تواكب تطورات العصر وما يصاحبها من تحديات 

khalid.alheji@gmail.com 

twitter @khalidalheji 

———————

نقلاً عن الجزيرة السعودية

-- م. خالد إبراهيم الحجي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*