السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مستقبل مصر بعد الانتخابات الرئاسية

مستقبل مصر بعد الانتخابات الرئاسية

شرط نجاح مشروع التغيير، هو التفاف المصريين حوله، بعد انتهاء المهرجان، واتجاه القاطرة نحو العمل، فإن النأي عن الديكتاتورية والإقصاء، يتطلب بروز ما يطلق عليه بـ”دولة التراضي”

خلال أيام قليلة، سيعلن اسم الرئيس الجديد لجمهورية مصر العربية، قبل نهاية هذا الشهر. والمفترض أن تمثل نتيجة الانتخابات نهاية مرحلة سياسية، وبداية مرحلة أخرى جديدة بأرض الكنانة. فهذه الانتخابات بعد أحداث جسيمة كبرى شهدها عدد من الأقطار العربية، ومن المؤكد أنها سوف تلقي بظلالها كثيفة على مستقبل مصر. وكانت مصر في القلب من الإعصار العربي، وفي مقدمته. 

انتهت الموجة الأولى من الحراك الشعبي المصري، بتنحي الرئيس مبارك عن الحكم، وتسلم المجلس العسكري أعباء السلطة. ولا تزال أحداث ذلك الحراك، تتداعى في مختلف الساحات والمدن المصرية، منبئة بحدوث موجات أخرى من الحراك، ليس من المستبعد أن تكون راديكالية وعنفا، رغم صعوبة التنبؤ في هذه اللحظة بمآلاتها ونتائجها. 

إن نجاح أو فشل التجربة السياسية الحالية، بشقيها البرلماني والرئاسي، هو الذي يحدد شكل وطبيعة الموجات القادمة لحركة الاحتجاجات بمصر. 

فنتائج انتخابات البرلمان ومجلس الشورى، والانتماءات السياسية للمرشحين المتنافسين على كرسي الرئاسة لا تجعلنا نتفاءل بأن المستقبل يحمل آمالا كبيرة للمصريين، الذين يتطلعون لتأسيس دولة مدنية تؤمن لهم الحرية والمتطلبات الأساسية للعيش الكريم. فرغم أن عدد المرشحين على المقعد الأول، تجاوز الثلاثة عشر متنافسا، لكنهم يمثلون ثلاثة تيارات سياسية. فمعظمهم ينتمون لتيار الإسلام السياسي، إما بالارتباط تنظيميا بالإخوان أو بالسلفية، أو التعاطف معهما. التيار الثاني، يمثله مرشحان ينتميان سياسيا، ووظيفيا للعهد السابق، وينتظر أن يحظيا بدعم الحزب الوطني المحظور، والرجالات التي ارتبطت بالنظام السابق. 

والتياران لهما حظوظ كبيرة بالفوز بالمقعد الرئاسي. أما التيار الثالث، ويرمز له في هذه الانتخابات السيد حمدين صباحي. ويمثل القوميين والليبراليين واليساريين والوطنيين والمستقلين. 

وهو الأوضح في برنامجه السياسي، ورؤيته لمستقبل علاقات مصر العربية والدولية. ولكنه أقل المرشحين في نيل الدعم من القوى المتنفذة بالاقتصاد، وصناعة القرار في مصر. رغم ذلك يلاحظ ارتفاع أسهمه خلال الأسابيع الأخيرة، في الشارع المصري. 

لكن ذلك، على أي حال، لا يعني قدرته على ضمان نيل الأصوات اللازمة للوصول إلى الموقع الأول بالدولة المصرية. معظم المراقبين المتابعين لمجرى الانتخابات، يرجحون فوز أحد المرشحين الإسلاميين، لكن من غير الممكن استبعاد حدوث مفاجآت.

وبصرف النظر عن الفائز، فإن المرء لا يمكنه إلا أن يشفق عليه. 

فالشعب المصري الذي خرج في 25 يناير من العام الماضي، والذي استمر حراكه حتى يومنا هذا، يحلم بالكثير ويتوقع الكثير، من قادته الجدد. 

ولن يقبل أن يكون البديل عن النظام السابق هم رجالاته، أو من هم على شاكلتهم. لقد أصبحت رغباته وطموحاته مركبة، ولن يقبل بالحرية وحدها، وليس بالخبز وحده يتمكن من تقرير مصائره وأقداره. 

يتطلع المصريون بعد جهادهم الطويل، أن يحلق مشروع نهضتهم وتحررهم بجناحين هما الحرية والعدالة. وشرط ذلك هو قيام دولة مدنية، بمؤسسات تملك القدرة على تحقيق هاتين المهمتين. 

وذلك يفترض وجود برنامج سياسي عملي، قابل للتحقق، يرتقي فوق الإيديولوجيات، وينأى بنفسه عن سياسة الإقصاء. بمعنى أن وجود دولة المؤسسات المدنية، شرط لازم وسابق، على تحقيق أي خطوة باتجاه تلبية المتطلبات الرئيسة، التي من أجلها كافح شعب مصر.

ولأن شرط نجاح مشروع التغيير، هو التفاف المصريين حوله، بعد انتهاء المهرجان، واتجاه القاطرة نحو العمل، فإن النأي عن الديكتاتورية والإقصاء يتطلب بروز ما يطلق عليه مجازا في العلوم السياسية بـ “دولة التراضي”. وفيها تصبح اللوائح والقرارات نتاج توافقات ومواءمات، وحصيلة تفاعل مستمر، لمنفعة الفئات الاجتماعية الأكثر تضررا واحتياجا. 

وتلبية مطامحها لا يجب أن تتم في صيغة مكارم ومحسوبيات وترضيات، لاستقطاب التأييد لصالح البرنامج السياسي الخاص، بهذه الفئة أو تلك، بل ينبغي أن تكفله دولة القانون، وأن يكون جناحا الحرية والعدل، في تطبيقاتهما معبرين عن ما أطلق عليه مونتيسكيو “روح القانون”. 

وتعبيرا عن العلاقات التعاقدية بين قمة الهرم وسفوحه ووديانه. لم تتحدد حتى اللحظة طبيعة دور الرئيس، في الجمهورية الثانية، والذي سيجري الإعلان عن اسمه بالأيام القليلة القادمة، لكن المنطق والجانب العملياتي والبراجماتي يفترض وجود نظام رئاسي، لا يكون فيه دور الرئيس احتفائيا أو هامشيا أو شكليا.

فليس من سبيل لمواجهة تغول البرلمان، ذي الصبغة الإيديولوجية الواحدة ضد الأقلية، وتجنب ديكتاتورية الأغلبية البرلمانية، سوى تقاسم السلطة بين الحكومة وموقع الرئاسة. فذلك وحده الذي يؤمن فعالية دولة القانون، ويحقق العدالة الاجتماعية، وينمي اقتصاد البلاد، ويمنع صدور القرارات التي تضر بمصلحة الآخرين.

نشفق على رئيس مصر القادم، بغض النظر عن الوجهة السياسية التي ينتمي إليها، لأن التركة التي أمامه ثقيلة في كل المجالات، وهي لشدة ثقلها، تنوء بحملها الجبال. 

كيف لنا أن نتحدث عن جناحي النهضة، قبل أن يكون المجتمع متحفزا ومندفعا نحو القيم الجديدة… التي هي شرط نهضته وتقدمه؟. 

وهل لهذه القيم أن تتحقق، من دون صياغة استراتيجية عملية للقضاء على الأمية، والبطالة وتأمين السكن والعلاج الصحي والكهرباء ونشر العلم الحق والعمل الحق. 

وهل بالإمكان التحدث عن الندية والتكافؤ، وتجنب سياسات الإقصاء مع وجود النعرات الدينية والمذهبية والمناطقية؟ 

ليس ترفا التأكيد على أن التعليم هو مفتاح الطريق، لتحقيق النمو والتطور والازدهار بالمجتمع المصري. وهو وحده السبيل لخلق جيل جديد، يغلب مفهوم المواطنة، على ما عداه من الهويات الجزئية. 

كما أنه الأداة الحقيقية للتنشئة الاجتماعية والسياسية ولوعي كل فرد لمسؤوليته، في المشاركة ببناء الدولة المدنية، وانتقال الولاء المجتمعي من العشيرة والمذهب إلى ولاء للوطن والدولة. 

إن تعميق الوعي الوطني بمتطلبات بناء الدولة الحديثة، هو الذي ينقل كفاح مصر، من الحالة الرومانسية، إلى واقعية تستوعب الحاضر وتملك القدرة على صناعة المستقبل. فينتقل الشعب في حراكه الملحمي من الشعار إلى البرنامج، ومن الحالة الأدنى، إلى الحالة الأعلى، بتصميم ومثابرة وجهد. فيجري التسليم بمبدأ التراكم التاريخي، وقانون الحركة. وأن الهدف دائما وأبدا هو الارتقاء بمصلحة الوطن، وجعل ذلك فوق كل اعتبار. 

وذلك يقتضي استبعاد الوعود الوردية التي يطلقها المتنافسون على حلبة الوصول لكرسي الرئاسة. فأمام المصريين طريق طويل وشاق، لن يتمكنوا من عبوره إلا بالعرق والتضحيات، وروح التفاني، والأريحية، ونبذ المصالح الفردية.. وتلك صفات جديرة بشعب أثبت عشقه وتشبثه بالحياة.

————–

نقلاً عن الوطن أونلاين

-- يوسف عبدالله مكي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*