الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » السودان بعد حرب الأيام العشرة

السودان بعد حرب الأيام العشرة

أين يتجه السودان؟. هل ثمة بوادر للصلح بين شماله وجنوبه، أم أن احتمالات الحرب لا زالت تتغلب على فرص السلام؟.

أجل، لقد انتهت حرب الأيام العشرة، باستعادة الشمال لمنطقة هجليج الاستراتيجية، في العشرين من نيسان أبريل الماضي.

لقد انتهت الحرب ولم تنته مسبباتها، بل إن مناخاً نفسياً جديداً بات أكثر طرداً لفرص الوفاق بين الشمال والجنوب.

وعلى الرغم من ذلك، فإن المجتمع الدولي أضحى اليوم أكثر انخراطاً في المسألة السودانية، بفعل الأمر الواقع. أو لنقل على خلفية حرب الأيام العشرة.

ولعل هذا البُعد تحديداً هو ما يبعث على التفاؤل، بأن المسار التفاوضي المتعثر، بين الشمال والجنوب، سينطلق بقوة دفع جديدة.

وغير مفصول عن الأزمة بين الشمال والجنوب، يُمكن ملاحظة أن الحركات المسلحة لا تزال تنشط في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، اللتين ظلتا داخل حدود السودان. وهذا فضلاً عن الوضع المتأزم في دارفور.

وسوف نبدأ بالمقاربة الدولية للتطوّرات الأخيرة في السودان.

لقد سارعت الدول، والهيئات الدولية والإقليمية ذات الصلة، بالتنديد بانفلات الأوضاع مجدداً بين الشمال والجنوب، منذ اللحظة التي دخلت فيها قوات الجيش الجنوبي منطقة هجليج، في العاشر من نيسان أبريل 2012.

ولخص الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، موقفه من الوضع، في حديث أدلى به في 20 نيسان أبريل، بالقول: «أدعو جنوب السودان لسحب قواته فوراً من هجليج، هذا انتهاك لسيادة السودان، وعمل غير مشروع … أدعو أيضا حكومة السودان للوقف الفوري لقصف أراضي جنوب السودان، وسحب قواتها من الأراضي المتنازع عليها».

من ناحيته، وصف مجلس السلم والأمن الإفريقي احتلال الجنوب لمنطقة هجليج بالعمل غير القانوني، مشيراً إلى أنها تقع شمال خط 1956، الذي اعتمدته اتفاقية السلام الشامل عام 2005 كأساس للحدود المشتركة، في حال اختار الجنوب الانفصال.

وتقع هلجيج بين أبيى وجبال النوبة، في ولاية جنوب كردفان، حيث تقوم القوات السودانية منذ حزيران يونيو 2011 بمحاربة مسلحي الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال.

كذلك، تقع هجليج على مقربة من مدينة جاو الحدودية، التي استولت عليها الحركة الشعبية في نهاية شباط فبراير الماضي.

وقد أظهرت صوّر التقطتها الأقمار الصناعية دماراً كبيراً في البنية التحتية في هجليج، خلفتها الحرب الأخيرة بين الخرطوم وجوبا. وقد تبادل الطرفان الاتهامات بتدمير المنشآت، في إطار حرب كلامية صاحبت المعركة العسكرية.

ويُمثل النفط حوالي 98% من إيرادات جنوب السودان، في حين ينتج حقل هجليج نصف إنتاج شمال السودان، البالغ 115 ألف برميل يومياً.

وفي السابع من أيار مايو الجاري، قال وزير المالية السوداني، علي محمود، أن بلاده فقدت 83% من إيراداتها بسبب ذهاب النفط.

وقال وهو يتحدث أمام المجلس الوطني السوداني: «علينا أن نتخذ إجراءات عاجلة لتعويض الفاقد الذي خلفه انفصال جنوب السودان».

وأشار إلى أن الخلاف مع دولة الجنوب حول رسوم عبور النفط للأراضي السودانية، باتجاه موانئ التصدير، لن يحل حتى نهاية العام الجاري.

وقد ارتفع معدل التضخم في السودان بعد انفصال الجنوب ليصل في نيسان أبريل الماضي إلى 23.4%، مقارنة مع 21.3% في آذار مارس. كما تراجعت قيمة العملة السودانية مقابل الدولار.

وفي الثاني من أيار مايو الجاري، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار الرقم (2046) بشأن الحالة في السودان.

ودعا المجلس البلدين إلى «السحب غير المشروط لجميع قواتهما المسلحة إلى جانبيهما من الحدود». و»التوقف عن إيواء أو دعم مجموعات متمردة ضد الدولة الأخرى». و استئناف المفاوضات «بلا شروط»، تحت رعاية الاتحاد الأفريقي.

وطالب المجلس حكومتي الخرطوم وجوبا، والجماعات السياسية ذات الصلة، باختتام المفاوضات، حول كافة القضايا المشار إليها في القرار، في فترة لا تتجاوز الثلاثة أشهر. وتقرر أن يقدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً بعد ذلك إلى مجلس الأمن، الذي سينظر في الوضع ويتخذ ما يراه مناسباً من إجراءات.

وكانت الدول الأفريقية قد طلبت من مجلس الأمن الدولي دعم قرار «مجلس السلام والأمن» الأفريقي، الذي طالب الخرطوم وجوبا بذات المطالب التي وردت لاحقاً في القرار الدولي.

وفي الأصل، هناك طيف واسع من الاتفاقيات الموقعة بين شمال السودان وجنوبه، سواء قبل الانفصال أوبعده. فإضافة لاتفاقية السلام الشامل لعام 2005، التي أسست للوضع الجيوسياسي الراهن، جرى تباعاً إبرام عدد من الاتفاقيات التفسيرية أو المكملة: منها الاتفاق المبرم في 29 حزيران يونيو 2011، بشأن أمن الحدود والآلية السياسية والأمنية المشتركة. وقد نص هذا الاتفاق، في مادته الثانية، على إنشاء منطقة آمنة منزوعة السلاح.

كذلك، ينص الاتفاق على سحب الطرفين لقواتهما من منطقة أبيى. وأن يرأس إدارة المنطقة واحد من ثلاثة مرشحين من الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي أصبحت في تموز يوليو 2011 الحكومة الجديدة في جنوب السودان، بعد انفصاله.

ويشير الاتفاق إلى أنه يتعين على الخرطوم الموافقة على أحد مرشحي حكومة جوبا، التي يتعين عليها بدورها الموافقة على أحد مرشحي الحكومة السودانية لمنصب نائب رئيس الإدارة.

وكان من المقرر، بموجب هذا الاتفاق، أن تنشر الخرطوم وجوبا أعداداً متساوية من المراقبين غير المسلحين، تدعمهم قوات حفظ سلام إثيوبية، مكلفة من الأمم المتحدة، يبلغ تعدادها حالياً في أبيى 3700 عنصر.

وبعد شهر على الاتفاق سابق الذكر، جرى في 30 تموز يوليو 2011 إبرام اتفاق خاص بشأن بعثة رصد الحدود، الذي يتضمن التفاصيل الخاصة بإنشاء آلية مشتركة للتحقق من الحدود ورصدها، يشمل نطاق مسؤوليتها المنطقة الآمنة المنزوعة السلاح.

وعلى الرغم من ذلك، فإن المسار على الأرض ظل متعثراً في المجمل. كما كان للحرب الأخيرة وقعها على مقاربة البلدين للقضايا العالقة ورؤيتهما لسبل تحقيق الاستقرار.

وقالت الخرطوم، في الثالث عشر من أيار مايو الجاري، إن قواتها لن تنسحب من منطقة أبيى، التي تسيطر عليها منذ عام، إلا بعد أن يتم إنشاء جهاز إداري مشترك.

وجاء هذا التأكيد عقب دعوة وجهها للحكومة السودانية الأمين العام للأمم المتحدة لسحب قواتها من المنطقة، بعد أن انسحبت منها قوات الشرطة التابعة لدولة جنوب السودان، والبالغ عددها نحو 700 شرطي، حيث تلقت دعماً لوجستياً لهذا الغرض من قوات الأمم المتحدة.

وكان مقرراً، في الأصل، أن يحسم سكان أبيى انضمامهم إلى الجنوب أو الشمال، عبر استفتاء يجري في كانون الثاني يناير 2011. بيد أن خلافاً حول معايير التسجيل في القوائم الانتخابية حال دون انجاز هذا الاستفتاء.

وبعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي الأخير، قالت جوبا إنها مستعدة لاستئناف المفاوضات مع الخرطوم في الحال. بيد أن الأخيرة أكدت بأنه لا يمكن دخول المحادثات، ما لم يقم الجانبان بتسوية القضايا الأمنية. وقالت رسمياً إنها توافق على مضمون القرار، لكنها تصر على أن تتركز المحادثات أولاً على «قضايا الأمن».

وغير مفصول عن الأزمة بين الشمال والجنوب، يُمكن ملاحظة أن الحركات المسلحة لا تزال تنشط في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، اللتين ظلتا داخل حدود السودان. وهذا فضلاً عن الوضع المتأزم في دارفور.

فبعد سنوات من اتفاق السلام، اشتعلت الحرب مجدداً في جنوب كردفان، في حزيران يونيو 2011. ثم في النيل الأزرق، حين سعت القوات السودانية لنزع سلاح المجموعات المسلحة.

وتسيطر حالياً الحركة الشعبية لتحرير السودان- قطاع الشمال على نحو 90% من ريف جبال النوبة. ويقدر زعماء محليون هناك أن من بين 350 ألف نازح جراء القتال، يختبىء نحو 100 ألف في الكهوف، ويتغذون على أوراق الشجر، وسوائل النباتات والفواكه البرية. ويشير هؤلاء إلى أن البعض بدأ يموت جوعاً.

وعلى صعيد أمني، زادت الضغوط على الخرطوم بعد انضمام الحركة الشعبية لتحرير السودان- قطاع الشمال لثلاثة فصائل مسلحة، وعدد من الشخصيات السودانية، شكلت في العام الماضي ما يُعرف ب «تحالف الجبهة الثورية السودانية».

ويعني هذا التحالف أن قوات الخرطوم باتت تواجه أعداء على طول المسافة الممتدة من الحدود الإثيوبية شرقاً، وحتى الحدود التشادية غرباً. وهي جبهة يبلغ طولها نحو ألفي كيلومتر.

وفي مكان آخر من مناطق الصراع، أشارت الأمم المتحدة إلى تحسن جزئي للمناخ الأمني في إقليم دارفور، غربي البلاد.

وقال رئيس عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة، ارفيه لادسو، في 26 نيسان أبريل الماضي، أن مراجعة أجرتها المنظمة الدولية لبعثتها في إقليم دارفور أوصت بخفض عدد الجنود، وأفراد الشرطة بأكثر من 4000 فرد، نتيجة لتحسن الأمن بمحاذاة الحدود بين دارفور وتشاد. وفي أقصى شمال الإقليم، إثر التقارب الذي حدث بين السودان وكل من تشاد وليبيا.

وأبلغ لادسو مجلس الأمن الدولي أن عدد الجنود ينبغي خفضه بمقدار 3260 أو حوالي 16% من الحجم المرخص به، بينما ينبغي خفض قوة الشرطة بمقدار 770 شرطياً، أو حوالي 12%. وستجري التخفيضات على مدى 18 شهراً. وستوفر 76.1 مليون دولار من ميزانية البعثة، البالغة 1.5 مليار دولار، في السنة المالية 2012- 2013 .

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الصراع في دارفور، الذي بدأ في العام 2003، أودى بحياة نحو 300 ألف شخص، وتسبب في تشريد حوالي المليونين.

وما يُمكن قوله ختاماً، هو أن البيئة الأمنية للسودان، بشماله وجنوبه، لا زالت تعاني من تداعيات الصراع طويل الأمد، الذي دار بين الجانبين خلال العقود الماضية، وأن حرب الأيام العشرة، التي خاضها الطرفان في نيسان أبريل الماضي، جاءت لتعبر عن انسداد أفق سياسي، أولده الانفجار المتنامي للقضايا الخلافية، وتعثر سير المفاوضات، والتأجيل غير المتناهي للقضايا العالقة.

والمطلوب اليوم هو إرادة سياسية عالية، قادرة على البت بشجاعة في كافة القضايا العالقة، وبدء صفحة جديدة على مستوى العلاقة بين البلدين، ففي ذلك مصلحة مشتركة، ترقى إلى مستوى الضرورة الوطنية لكل من الشمال والجنوب، على حد سواء. كذلك، تُعد العلاقات الحسنة والمستقرة بين الدولتين حاجة لا غنى عنها للأمن الإقليمي، بل والسلم الدولي أيضاً.

————

نقلاً عن الرياض

-- عبدالجليل زيد المرهون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*