الجمعة , 9 ديسمبر 2016

الفساد والمفسدون

في ثقافتنا المحلية ومن خلال أجهزة الاعلام وتصريحات بعض أعضاء مجلس الأمة والمهتمين بالشأن السياسي تتردد كلمة الفساد والمفسدين وغيرها من المسميات التي تدور في فلك هذا المفهوم، ولاشك أننا ندرك المقصود وان كنا نجد ان هناك من يبرر أو يرفع التهمة عمن يحب أو يريد أو لوجود علاقة اجتماعية أو مصلحة خاصة.

كالعادة قد لا نجد من يوضح لنا المشكلة وأوجه الحل المقترحة بشكل علمي ودقيق وهنا أقصد تحديدا المثقفين والمعنيين بهذا الشأن والذين لا نرى ولا نقرأ لهم سوى الكتابة المبتذلة عن موضوعات تجاوزها الزمن، وبذلك يمارسون تزييف الوعي، هذا اذا أحسنا بهم الظن بفكرة وأنهم يدركون ما يقومون به.

في هذا المجال أي الكتابة عن الفساد تذكرت مقالة قديمة جدا، كتبها الدكتور محمود عبدالفضيل عنوانها (الفساد وتداعياته في الوطن العربي) عام 1999 ونشرها في مجلة المستقبل العربي حيث بين واقع الفساد ومفهومه من خلال صفحات قليلة متجاوزا التنظير الممل والمثالية المتعالية عن الواقع، فبعد مقدمة قصيرة يدخل الى تعريف الفساد منطلقا من تعريف البنك الدولي والذي يشير الى أنه (اساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص، فالفساد يحدث عندما يقوم موظف بقبول طلب أو ابتزاز رشوة لتسهيل عقد أو اجراء طرح لمنافسة عامة…) وهنا يوضح عبدالفضيل جوهر التعريف بأنه:

-1 آلية دفع الرشوة والعمولة على الموظفين المسؤولين في الحكومة والقطاعين العام والخاص لتسهيل عقد الصفقات وتسهيل الأمور لرجال الأعمال والشركات الأجنبية.

-2 الرشوة المقنعة أو العينية في شكل وضع اليد على المال العام والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي وفي قطاع الأعمال العام والخاص، وهذا المستوى الثاني للفساد هو أخطر آليات الفساد السائدة في المنطقة العربية.

ثم ينتقل عبدالفضيل لأثر الفساد على المجتمعات والذي يتجاوز به تضخم الأرصدة المالية والحسابات النقدية أو العينية، حيث يؤكد ان من مخاطر الفساد على الاطلاق الخلل الكبير في أخلاقيات العمل وقيم المجتمع وسيادة حالة ذهنية تبرر الفساد عن طريق ايجاد مسوغات واهية، حتى يصل الأمر لغياب الثقة في أهمية العمل وقيمته الأساسية مما يجعله يفرط بالوظيفة وتسود حالة الغش في المباني والغذاء وتهريب السلع وغيرها، ونتيجة لذلك تضيع هيبة القانون لأن المفسدين (والحديث مازال لعبد الفضيل) يملكون تعطيل القانون وقتل القرارات التنظيمية من المهد، واذا أدرك المواطن العادي هذه المشكلة سوف يفقد القانون هيبته وسلطته على المجتمع وتصبح مخالفة القانون هي الأصل.

وفي ختام مقالته يقترح عبدالفضيل حلولا للفساد تركز على (توسيع رقعة الديموقراطية والمساءلة – الاصلاح الاداري والمالي – اصلاح هيكل الأجور والرواتب).

أعتقد وبلا شك أننا فهمنا الفساد وعشنا بعض فصوله وعانينا شروره، ولكن نحن تجاوزنا هذه المفاهيم لأننا أضفنا بعض الشرعية المجتمعية له، فعندما يمارس أحد ما الفساد ننظر لهويته ومركزه الاجتماعي حينها قد نصل الى اجازة ممارسته للفساد من باب (هو أولى من غيره) الخصوصية الثانية لدينا في فهمنا للفساد اللجوء للتسويف والتضييع، فعندما تثار قضية فساد نجد من يشتت الأذهان لقضايا هامشية أو جوانب أخرى أو ربط أكثر من موضوع للتغطية المتعمدة للمفسدين ومع الأسف الكبير نجد ان بعض أعضاء مجلس الأمة يمارس هذا الدور في الوقت الذي كنا نتوقع أنهم من ألد خصوم الفساد والمفسدين، والمشكلة الكبرى عندما يجد الفساد الغطاء الاعلامي الحامي له والذي يُظهر أقطابه بأنهم وطنيين ولديهم الحرص على مصالح البلاد والعباد متناسين ان الحقائق كالشمس قد تغيب ولكنها لا تختفي للأبد وان هرب المفسدون من قانون الدنيا فلن يهربوا من الله جل شأنه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.

—————-

نقلاً عن الوطن الكويتية

-- د. سعود هلال الحربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*