الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تطبيق الشريعة الإسلامية.. شعار أم حياة؟ (2 من 3)

تطبيق الشريعة الإسلامية.. شعار أم حياة؟ (2 من 3)

تحدثنا في المقال الماضي عن كتاب المفكر الكبير عبد الله المالكي حول مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية واختزال البعض في جعله حول مفاهيم حجاب المرأة أو الحدود. ومن هذا الأساس ننطلق اليوم لشرح مفاهيم شمولية في تطبيق الشريعة الإسلامية لنحاول أن نقرأ المفهوم ونحلله بقدر الإمكان، حتى نكتشف علاقة الشريعة بالفرد والمجتمع. إن مضامين الشريعة الإسلامية واسعة وشاملة لدائرة الإيمان بالله ولدائرة الأخلاق الكريمة والحسنة ودائرة مساعدة الآخرين ودائرة دفع الأذى عن الآخرين، ولذلك يمكن تقرير مبدأين:

الأول: إن مضامين تطبيق الشريعة الإسلامية متغلغلة في المجتمع المسلم، ولا يمكن لأحد تعطيلها بالكامل، إنما يبقى التعطيل النسبي بين مجتمع وآخر، فالمجتمع هو المنتج للدولة وهو الذي يحدد التطبيق الشمولي للشريعة الإسلامية أو التطبيق النسبي، لأن معاني تطبيق الشريعة الإسلامية شاملة لحياة الأفراد والمجتمع، والمساحة الواسعة لفعل التطبيق هي الأوسع في حياة الأفراد ومدى ارتباطهم بالشؤون الاجتماعية والرسمية مع جهاز الدولة، والمطالب الشرعية التي يمكن أن يتم امتثالها من دون الدولة، ولا تتوقف على وجود الدولة، هي معظم المطالب الشرعية، بل هي الأصل.

الآخر: في ظلّ هذا المفهوم الواسع للشريعة (من شهادة التوحيد، ومروراً بخُلُق الحياء، وانتهاء بإماطة الأذى عن الطريق)، فإنه لا يمكن أن يُقال اليوم: إن الشريعة معطّلة بإطلاق! لمجرد عدم تطبيق الحدود؛ فتعطيل الشريعة مفهوم واسع، نتيجةً لاتساع مفهوم الشريعة ذاتها – كما مرَّ معنا. ومن ثمَ فلا يصحُّ حصر تعطيل الشريعة في جانبها العقابي فقط، أو أن نجعله معياراً لتعطيل الشريعة، وهناك في المقابل من أصول الشريعة وقواعدها الكبرى ما هو أعظم وأولى من مسألة تعطيل الحدود. فإهدار العدالة وممارسة الظلم بكل أصنافه أعظم باب في تعطيل الشريعة، وكما قال ابن تيمية – رحمه الله: ”جماع الحسنات العدل وجماع السيئات الظلم، وهذا أصل عظيم”. (الفتاوى 1/86).

ولهذا فالاعتداء على الناس والفساد الإداري وانتهاك الحقوق تعطيل للشريعة، والاستبداد والابتزاز الإداري والقضائي تعطيل للشريعة، والخيانة والفساد المالي تعطيل للشريعة، وعدم المساواة بين الناس، وظلم المرأة وحرمانها من حقوقها في التعلّم والتملّك والتنقل والحركة والمشاركة في الحياة العامة تعطيل للشريعة، كما أن السماح بإشاعة الخبائث والفواحش في الفضاء العام للمجتمع المسلم تعطيل للشريعة، وعدم القيام بفريضة العمران في الأرض (النهضة والتنمية والرفاه) تعطيل للشريعة، والغش في التعليم والصناعة والتجارة أو في الخدمات تعطيل للشريعة، مثلما أن عدم إتقان العمل وعدم إكماله بنزاهة وإخلاص وإحسان تعطيل للشريعة.

إننا أمام هذا المفهوم الواسع للشريعة ندرك خطورة وكارثية الخطأ الذي نمارسه حين نضخِّم مسألة (الحدود) ونجعلها رمزاً ومعياراً لتطبيق الشريعة أو تعطيلها!

نعم.. إلغاء الأحكام المتعلقة بالجانب الجنائي والعقابي في الإسلام تعطيل للشريعة، والشريعة الإسلامية منظومة شاملة ومتكاملة، يجب على المسلمين الأخذ بها والتحاكم إليها، ولا يجوز التفريق بين أحكامها، بحيث يُعمل ببعضها ويترك بعضها، وقد ذم الله – عز وجل – هذا المسلك بقوله: ”أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض” (البقرة:85)؛ ولهذا فالحدود الشرعية جزء لا يتجزأ من تشريعات الإسلام، وقد شُرعت لحكم ومقاصد عظيمة.

لكن السؤال هنا: ما موقع ومنزلة ومرتبة الحدود ضمن منظومة الشريعة، بل ما منزلة ومرتبة الجانب العقابي ضمن أي منظومة قانونية على وجه الأرض؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نستحضره حين نطالب بتطبيق القوانين الجزائية في الشريعة الإسلامية.

إن الهدف الأول والمقصد الأسمى لأي منظومة قانونية هو تعريف الحقوق والواجبات لأجل تحقيق الأمن والكرامة والعدالة بين أفراد المجتمع، ثم يأتي بعد ذلك الجانب الجزائي والعقابي لأجل صيانة تلك الحقوق وحمايتها من التجاوزات والانتهاكات، فالجانب العقابي يأتي بعد تحصيل الحقوق وتجسيدها، أي أنه حالة استتباعية استلحاقية طارئة؛ من أجل الردع والصيانة وليس هو جوهر القانون ولبّه.

أيضاً ما يؤكد أن العقوبات حالة استتباعية لتطبيق الشريعة وليست هي صلب تطبيق الشريعة وجوهرها، أن العقوبات – من حيث الطبيعة – تدخل ضمن جنس السيئات والضرر والفساد، لكنها شرعت دفعاً لما هو أشد فساداً وضرراً منها، وقد أشار ابن تيمية – رحمه الله – إلى هذا البعد المقاصدي العميق لفلسفة العقوبات في الإسلام، حيث يقول: (سائر العقوبات المأمور بها، فإنما أمر بها – مع أنها في الأصل سيئة وفيها ضرر – لدفع ما هو أعظم ضرراً منها، وهي جرائمها، إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير إلا بهذا الفساد الصغير)، وبالتالي فتطبيق الحدود الشرعية لا يشكل المعنى الأولي الأساسي لتطبيق الشريعة الإسلامية، إنما هو معنى مهم لاحق للمعاني الأساسية. إن قانون الشريعة – كأي منظومة قانونية – لا يصحّ أن يُعرَّف بالعقوبات التأديبية الرادعة، إنما يُعرّف بالمقاصد والمبادئ والقيم التي بها يتحقق استقرار نظام المجتمع، وتتحصل للإنسان سعادته وكرامته في الدنيا ونجاته وفلاحه في الآخرة. والشريعة لا تتجلى غاياتها ومقاصدها إلا عبر تطبيقها كمنظومة شاملة ومتكاملة، وليس عبر اجتزاء الجانب العقابي منها وجعله رمزاً لتطبيق الشريعة في ظلِّ تغييب وتعطيل مقاصدها الكبرى، هذا ما يدخل فعلاً ضمن قوله تعالى: ”أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض”، فالحدود والتعزيرات لا يتم تطبيقها إلا ضمن تطبيق منظومة الشريعة الإسلامية الشاملة والمتكاملة، أي في سياق المبادئ والمقاصد والقيم الشرعية الكبرى التي تحققت وتجسّدت واقعياً. وللحديث مزيد صلة…

————–

نقلاً عن الاقتصادية 

-- د. عبد اللطيف القرني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*