الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » دول الخليج وضرورة محاربة إيران فكريا

دول الخليج وضرورة محاربة إيران فكريا

هناك فرق كبير بين دولة مدنية تحكم بمرجعية دينية ودولة دينية يحكمها كهنوت يتخذ من الدين مطية للتسلط على الشعب واستعباده والوصاية عليه بعد سلب حريته وإرادته وعقله وتفكيره.

تركيا نموذج للدولة المدنية التي حكمتها أحزاب بمرجعيات متعددة حتى وصل للحكم حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية، ويمكن أن تكون مصر كذلك لو فاز أحد الأحزاب الإسلامية في انتخابات الرئاسة بعد أن فازوا بانتخاب البرلمان والشورى، أفغانستان طالبان وإيران الملالي نموذج للدولة الدينية التي يحكمها كهنوت يتخذ من الدين مطية وإن كانت الهيكلة السياسية تشي بشيء من الديمقراطية.

الدولة الدينية الكهنوتية هي دولة عادة ما تغرد خارج السرب الدولي وتعامل شعبها خارج إطار المواثيق الإنسانية الدولية، وحكامها وكافة أجهزتها تحدث شعبها وتأمرهم وتناهم باسم الله نيابة عنه سبحانه في الأرض بما يريد كهنتها الذين يضفون على أنفسهم ألقاب التقديس والتفضيل والنزاهة، وتسوس شعبها وتلزمه بتفسيرات للقرآن والحديث مقدسة قدسية النص رغم أنها تفسيرات في الغالب تكون بعيدة كل البعد عن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف الذي يدعو للحرية والعدالة والمساواة الرحمة ويمنح الإنسان الإرادة كاملة حتى في اختيار من يعبد ”لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” في حين أن تفسيراتها تدعو للعبودية والظلم والمفاضلة على معايير متعددة وتلغي إرادة الإنسان تماما.

الدولة الدينية تفاجئ مواطنيها ومواطني الدول المجاورة بأنها لا تستهدف رفاه مواطنيها وتحقيق حسن الجوار والتبادلات التجارية والثقافية بقدر ما تستهدف نشر فكرها الديني الشاذ وتطبيقاته بمداخل استراتيجية تداعب العواطف أكثر من العقول للحصول على المزيد من الأتباع الذين تسيطر عليهم لتحقيق المزيد من النفوذ والتوسع ما يجعلها دولة معادية لشعبها أولا ولشعوب المنطقة ثانيا لتدخل تلقائيا في حرب قمع داخلية وسباق للتسلح من جهة ومناكفات مستمرة مع الدول المجاورة من جهة ثانية تستخدم بها كافة الوسائل اللا أخلاقية المنافية لأبسط مبادئ الدين الإسلامي الحنيف الذي يدعو للصدق وحسن الجوار واحترام حقوق الإنسان نفسه وماله ونشر الدين الإسلامي بالحسنى.

أحد الأصدقاء يقول إنه وبعد أن أسقط الخميني نظام الشاه في إيران هنأت أحد الإيرانيين في دولة خليجية على نجاح الثورة وقلت له ذهب الديكتاتور وجاءكم حكم إسلامي يحقق العدالة والمساواة والتنمية والعيش الكريم، يقول صديقي هذا إن المواطن الإيراني ضحك ملء فيه وقال سنترحم جميعا على نظام الشاه، لقد ذهبت أسرة ديكتاتورية تتحدث باسمها وأفكارها وجاءتنا كتلة ديكتاتورية تتحدث باسم الله وتقتل وتحاكم باسمه، وقلت له إنك تبالغ والأيام بيننا ولم أره بعد ذلك ولو رأيته لقلت له أهل مكة أدرى بشعابها.

وأقول إيران دولة عريقة وكبيرة جغرافيا وفيها من الثروات ما الله به عليم وأفضل ثرواتها عدد سكانها الكبير الحضاري، والكل يتوقع منها أن تلعب دورا كبيرا في تنمية المنطقة لو أنها اتجهت للريادة في كافة مجالات التنمية الصحية والتعليمية والإسكانية والصناعية والزراعية والسياحية والتجارية وغيرها، نعم كان من الممكن أن تكون إيران رائدة في كافة هذه المجالات ولكن وللأسف الشديد، ومنذ أن سيطر الملالي على مقاليد السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية أصبح هم إيران بعد أن فرقت شعبها على أسس دينية وعرقية كما هو حال أي دولة دينية كهنوتية تصدير الثورة ونشر المذهب الإثنى عشري في بعده السياسي لكسب المزيد من الأتباع والمؤيدين ومن ثم السيطرة والنفوذ على المنطقة.

إيران تبذل المليارات للتواصل مع أي تجمع طائفي يتوافق ولو بشكل طفيف مع مذهب ”الاثني عشرية” لاستقطابه إضافة إلى نشرها تعاليم هذا المذهب في كافة الدولة الإسلامية الأمر الذي وتر العلاقة مع كافة دول المنطقة وآخرها مصر التي منعت دور العبادة الشيعية ”الحسينيات”، إيران وهي تحارب على الساحة الفكرية لنشر المذهب الاثني عشري والتواصل مع معتنقيه تعمل وبخط مواز لتعزيز قدراتها العسكرية لتركيع المنطقة وهو ما لم يمكن للمنطقة أن تسكت عنه بحال من الأحوال ما جعل المنطقة ملبدة بغيوم الحرب والدمار والتوجه للإنفاق العسكري الذي يبطئ بكل تأكيد خطط التنمية في المجالات المهمة والحيوية ويصب في مصلحة شركات الأسلحة.

وبكل تأكيد لا يمكن أن تكون ساحة المعركة مع إيران التي حاولت مرارا تطمين المنطقة قولا ساحة عسكرية فقط وهي الساحة النهائية في كل حرب إذ إن الحرب الفكرية التي تشنها إيران بمداخل وبرامج ومشاريع استراتيجية يجب أن تواجه بحرب فكرية مخططة أيضا وهو ما يدعو له اليوم مواطنو دول مجلس التعاون بما في ذلك أبناء الطائفة الشيعية الذين تضرروا من سياسة إيران أكثر من غيرهم، ولقد أطلق بعض الناشطين من شعوب المنطقة عدة مبادرات للحرب الفكرية وجاءت بنتائج جيدة إلى حد ما وإن بدا للبعض أنها تصب في مصلحة تأجيج الحرب الطائفية.

من جهتي أعتقد أنه حان الوقت لتتكامل دول الخليج لإعداد وتنفيذ خطة استراتيجية لمواجهة إيران فكريا في منطقة الخليج العربي وفي كافة الدول الإسلامية للحد من استقطابها لشعوب المنطقة لصالح مشروعها الكارثي، وأعتقد أن عناصر القوة لدى دول مجلس التعاون أكبر بكثير من تلك المتوافرة لإيران من جهة وفرة المال ومن جهة قوة الوسائل الإعلامية المؤثرة ومن جهة كون أغلبية مواطني الدول العربية من أتباع سنة محمد – صلى الله عليه وسلم -، ومن جهة انكشاف خداع الفكر الإيراني خصوصا بعد أحداث الثورة السورية، حيث كشفت إيران والأحزاب التابعة لها عن وجهها الكالح في دعم ديكتاتور اشتراكي بعثي طائفي ضد شعب يطلب الحرية وتحقيق المصير.

بكل تأكيد الخطاب السياسي لا يجب أن يتفق مع ما تزمع دول الخليج العربي تنفيذه من خطط لمواجهة الحرب الفكرية الإيرانية فالحرب خدعة، وعلينا أن نكشف تناقضات حكومة الملالي التي تمارس أشد أنواع الإقصاء والقمع لكافة الاثنيات الإيرانية ماعدا الفرس الشيعة حيث تضطهد الشيعة العرب والأذريين بنص الدستور فضلا عن اضطهادها للسنة العرب والكرد والبلوش، وعلينا أن ننقل المعركة الفكرية إلى عقر دارهم بدل أن تكون في عقر دارنا كما هو الوضع الحالي فالهجوم خير وسيلة للدفاع.

————–

نقلاً عن الاقتصادية

-- د. عبد العزيز الغدير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*