الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل سنضطر للتفاوض مع دولة «القاعدة» في اليمن؟

هل سنضطر للتفاوض مع دولة «القاعدة» في اليمن؟

في الأسبوع الماضي كنت أتحدث عن النسخة الجديدة من تنظيم القاعدة في اليمن، وتمنيت حينها أن لا يتم التعامل معها على طريقة النسخ التجريبية، كما هو الحال في استراتيجية الولايات المتحدة في التعامل مع ملف الحرب على الإرهاب، والذي أعتقد أنه نجح على المدى القصير، لكنه خسر وبشكل مضاعف على المدى البعيد في القضاء على شبح «القاعدة». في أحاديث وحوارات مطولة مع باحثين معنيين بالظاهرة اكتشفت خللا كبيرا في فهم تنظيم القاعدة، حيث يتم قراءة «القاعدة» وفق سياق الوضع السياسي في اليمن، والذي ما زال يترنح في محاولة بدء مرحلة انتقالية تضمن استقرارا سياسيا.

كالعادة تنقسم الآراء في توصيف علاقة «القاعدة» بالواقع السياسي، لا سيما في مرحلة ما بعد «الثورات»؛ بين متهم لسياق الثورات إجمالا، وكيف أنها استطاعت بتقويضها للاستقرار السياسي من خلال إفشال مشروع الدولة عبر بوابة الأمن والاقتصاد، لمجرد البحث عن مكتسبات سياسية ربما استبدلت نظاما سياسيا بمشابه له، مستدلين على ذلك بما استقر من أن الديمقراطية والتعددية السياسية كتجربة مجتمعية لا يمكن أن تستنبت دون سياق طويل وممض من التحولات المعقدة في بنية المجتمع.

وجهة النظر الأخرى لأنصار الثورة تشير بأصابع الاتهام إلى ما اصطلح عليه «ثعابين النظام»، أي النظم السياسية في بلدان الثورة التي يحال إليها كل الخيبات والإخفاقات للخروج من النفق المظلم لمرحلة ما بعد الثورة.

فيما يخص الحالة اليمنية يرى أنصار الثورة أنهم لم يستطيعوا التخلص من النظام السابق، وإن كانوا قد تجاوزوا معضلة «شخص الرئيس» بصعوبة كبيرة، نظرا للأدوار المزدوجة التي كان يقوم بها في تحريك القوى السياسية في البلاد، ومن هنا فإنهم يرون أن نظام صالح هو المستفيد الأكبر من بقاء حالة «الانفلات الأمني» في البلاد، وبالتالي فهو وإن كان لا يستطيع العودة إلى الحياة السياسية فعلى الأقل لا يريد لنظامه أن يخسر قواعده الاقتصادية والعسكرية على الأرض.

من وجهة نظري أن كل اتجاه من الاتجاهين يقول بعض الحق فيما يخص المشهد السياسي اليمني، لكنه مخطئ تماما في قراءة «تنظيم القاعدة» شأنه في ذلك شأن المحللين لظاهرة التنظيم في سياقها العالمي دون أن يلتفتوا إلى خصوصية الحالة اليمنية.

مكمن الخلل في قراءة «قاعدة اليمن» على طريقة «المفعول به» وليس «الفاعل» في تطور الحالة السياسية في اليمن، هذه القراءة التي تسلب «القاعدة» فاعليتها كانت أحد أكثر التحليلات شهرة وتداولا إبان ظهور «القاعدة» في بدايات الثمانينات وهو أنها مجرد أداة أميركية في أفغانستان، واستمر التحليل المؤامراتي الذي كان يرفع لواءه القوميون والإسلاميون الحركيون ومنظرو اليسار في نسج تفاصيل تلك العلاقة وتصوراتها على طريقة أن الولايات المتحدة خلقت تنظيما مشوها لم تستطع السيطرة عليه فأصابها.

التفجير الانتحاري الذي يعد الأكثر عنفا وقوة بعد غياب قائد التنظيم عكس تطور تنظيم القاعدة الذي بدأ يقترب من حدود منطق الردع، أي الرد بالمثل، فالدلالات الجيوسياسية تقول لنا: إن تنظيم القاعدة أصبح يقوم بعمليات خارج نطاق دولته المصغرة في أبين والتي يشرف عليها أنصار الشريعة، وإن رسالته الجديدة أنه قادر على الامتداد على طول البلاد وعرضها، بل أعتقد أن التنظيم في حال تردي الأوضاع خلال السنوات المقبلة في ظل سياسة «الطائرات بلا طيار» التي تزيد من شعبية التنظيم، يسعى إلى تكوين هلال قاعدي على غرار الهلال الإخواني والإيراني يمتد من دول القرن الأفريقي إلى اليمن، وربما يمنح أكثر من ذلك في حال تطورت الأوضاع في شمال أفريقيا حيث النسخة الأفريقية من التنظيم.

حدث «القاعدة» المفصلي لم يتم التعاطي معه في الإعلام بشكل جاد، ذلك أنه لم يستهدف مصالح غربية، وهذه حقيقة ممضة في طريقة التعاطي مع عمليات التنظيم على طريقة الدعاية السياسية، وليست كقراءة واعية لحجمه وتطوره وإمكاناته التي تتضخم يوما بعد يوم.

التطور اللافت في تنظيم القاعدة في اليمن هو تحالفه مع قوى الجنوب الداعمة للانفصال، هذا التحالف غير المعلن تحدثت رموز «قاعدة» اليمن عن تفاصيله، حيث لا يتدخل الحراك الجنوبي في عمل التنظيم في مناطقه التي يقيم فيها دولته المصغرة، والتي يحرص على أن يعيش فيها تفاصيل تجربة «الدولة» من إقامة الحدود وإزالة المنكرات والتدريب على القتال وتسجيل كل التفاصيل إعلاميا، حيث يؤمن التنظيم بقدرة الإعلام المذهلة في استقطاب المزيد من الأنصار والأتباع، إضافة إلى محاولة كسب ود الطبقات المهمشة والفقيرة عبر توزيع المعونات الغذائية والأدوية في ظل تهميش وغياب كامل لمناطق الأطراف على حساب «مركزية صنعاء» الكعكة التي تتنازع عليها الأطراف السياسية.

بالنسبة للحراك الجنوبي، فإن اللعبة الخطرة التي يمارسها مع تنظيم القاعدة على طريقة الأرض المحروقة، فهو خاسر في ظل فشل كل المفاوضات معه، وفي ظل بقاء سقفه السياسي مرتفعا جدا، لا سيما في مرحلة ما بعد الثورة، فهو لا يرى في تنظيم القاعدة سوى حليف مؤقت يمكن أن يلفت به الانتباه إلى قضيته ومنطقته، وفي حال نجح في ذلك فهو قد يستخدمه كورقة ضغط وتفاوض، وهي ممارسة سياسية في غاية الخطورة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الأدوات غير متكافئة، وهذا جزء من غياب فهم «أدوات القاعدة»، فهي وإن بدت أدوات تفاوضية وسياسية في بعض الأحايين لكنها تملك في الجعبة ما تملكه حتى كل الدول المتقدمة، فهناك «شباب انتحاريون» قادرون على تحقيق أهداف سياسية لكن بأقنعة دينية مزيفة يمكن تمريرها بسهولة، لا سيما أن كل المنتجات المرئية التي تابعتها في الفترة الماضية لأنصار الشريعة في اليمن تؤكد أن عددا هائلا من الشباب اليمني وحتى الوافدين من خارج اليمن يمكن أن يقاتلوا لآخر رمق من أجل الحفاظ على بيئة «أنصار الشريعة» ونمط حياتهم «life style» والذي استطاع أن يعيد الحنين الجارف إلى عموم المتعاطفين مع «القاعدة» وهم يتذكرون أجواء مرحلة القتال في أفغانستان، هذه الحنين الجارف يمكن رصده عبر الاهتمام المتزايد للمواقع الجهادية وتعليقات روادها.

الأمر الذي يدعو للتعجب في قراءة وفهم «القاعدة» أنها تتم بطريقة «رغبوية»، بمعنى أن كل فئة سياسية تقرأ ملف «القاعدة» بطريقتها الخاصة، فالإدارة الأميركية على طريقة «مصدر الخطر» أو «التهديد الحقيقي» وليس كجزء من فشل الانتقال السلمي للسلطة في اليمن، وكجزء من تهاون المجتمع الدولي مع الأزمة هناك، في حين أن عددا من المثقفين والمحللين يقرأ القاعدة كـ«مرض عرضي» لغياب الإصلاح السياسي، ولذا كان الكثير منهم يرفع عقيرته بأن «القاعدة» قد ماتت للأبد مع قيام الثورات.

«القاعدة» في اليمن كـ«القاعدة» الأم ككل التيارات العنفية في التاريخ، ممارسة عنفية تعتمد على «أفكار» يتم تطويرها باستمرار تبعا لظروف الواقع دون أي تكهنات افتراضية، ما تفعله «قاعدة» اليمن اليوم هو مجرد استمرار في استراتيجية التنظيم المنشورة، والتي يستطيع أي شخص قراءتها، على سبيل المثال في إدارة التوحش، النص القاعدي الاستراتيجي الأهم.. يرى التنظيم أن من أهم واجبات المجتمع القاعدي حال التمكين ولو بشكل جزئي وبسيط (كما هو الحال في اليمن) أن يقوم: «بإقامة القضاء الشرعي بين الناس الذين يعيشون في مناطق التنظيم، وأن ينشر الأمن الداخلي والحفاظ عليه، وإنشاء المجتمع المقاتل بكل فئاته وأفراده عن طريق التوعية بأهمية ذلك، وتوفير الطعام والعلاج، تأمين منطقة (التوحش) من غارات الأعداء عن طريق إقامة التحصينات الدفاعية وتطوير القدرات القتالية، بث العيون واستكمال بناء جهاز الاستخبارات المصغر، تأليف قلوب أهل الدنيا بشيء من المال والدنيا بضابط شرعي وقواعد معلنة بين أفراد الإدارة على الأقل، العمل على الوصول للتمكن من التوسع ومن الإغارة على الأعداء لردعهم وغنم أموالهم وإبقائهم في توجس دائم وحاجة للموادعة، وإقامة التحالفات مع من يجوز التحالف معه ممن لم يعط الولاء الكامل للإدارة».

على الأقل يبدو أن تنظيم القاعدة أكثر أمانة مع أنصاره في نشر برنامجه الانتخابي وتطبيقه على الأرض بواقعية من كل التيارات المتصارعة اليوم على كعكة السلطة، ولو على حساب الوطن بأكمله.

yousef.aldayni@asharqalawsat.com

————–

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- يوسف الديني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*