الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قراءة في نتائج الانتخابات الجزائرية

قراءة في نتائج الانتخابات الجزائرية

فاجأت نتائج الانتخابات التشريعية الجزائرية التي جرت الأسبوع الماضي معظم المراقبين العرب والأجانب، لجهة تراجع الأحزاب الإسلامية عن مركز الصدارة في احتلال المقاعد النيابيّة في البرلمان، والتي كانت ستخوّلها بالطبع استلام السلطة في البلاد.

وكانت هذه الأحزاب الإسلامية قد شاركت في الانتخابات بسبعة أحزاب؛ منها ثلاثة متحالفة تحت لافتة “تكتّل الجزائر الخضراء”، وهي حركات: “مجتمع السلم” و”النهضة” و”الإصلاح”.. علاوة على “جبهة التغيير” و”جبهة العدالة والتنمية” و”جبهة الجزائر الجديدة” و”حزب الحرية والعدالة”.

وفور إعلان النتائج الرسمية للانتخابات، التي أسفرت عن فوز الحزب الحاكم “حزب جبهة التحرير الوطني” بـ220 مقعداً من أصل 462، وحليفه في التحالف الرئاسي “حزب التجمّع الوطني الديمقراطي”، حيث حصل على 68 مقعداً، وبعدما لم تحصل الأحزاب الإسلامية السبعة مجتمعة سوى على 59مقعداً.. فور إعلان هذه النتائج إذاً، علّق رئيس “جبهة العدالة والتنمية” الإسلامية عبد الله جاب الله بالقول: “نحن لا نعترف بهذه النتائج، لأنها تشكّل عدواناً على إرادة الأمة وتؤسّس لحال من اللاأمن واللااستقرار”؛ وأردف: “إن السلطة أغلقت باب الأمل في التغيير عن طريق الصندوق، ولم يعد يبقى للمؤمن بالتغيير إلا الخيار التونسي.. ونحن له في الوقت الملائم”.

أما نائب رئيس “حركة مجتمع السلم” (الإخوان المسلمون) عبد الرازق مقري فقد صرّح أن حركته “باتت في وضع مريح الآن، لأن السلطة أعطتها المبرر للدخول في المعارضة بعد النتائج الانتخابية المعلنة، والتي لا تعبّر عن مكانة التيار الإسلامي وحجمه”. وقال “لقد حدث تزوير للنتائج الحقيقيّة للانتخابات وإن الرئيس بوتفليقة يتحمّل مسؤولية ما حدث”.

وأكّد على أن البرلمان الجديد لن يصمد أمام الأزمات المتلاحقة التي تعيشها الجزائر، وأن السلطة ستجد نفسها في مواجهة الشارع هذه المرّة.

تقييمات إيجابية مختلفة

تجدر الإشارة إلى أن الانتخابات التشريعية الجزائرية الأخيرة كانت قد جرت تحت مراقبة أكثر من 500 مراقب دولي جاء تقييمهم العام إيجابياً. فلقد صرّح مثلاً، رئيس بعثة مراقبي الاتّحاد الأوروبي خوسيه إيناسيو سلافرانكا،(150 مراقباً) “بأن ظروف الانتخابات كانت مرضية بصورة عامة، ما خلا بعض حوادث محدودة جداً”.

ورأى كبير مراقبي الاتّحاد الإفريقي (200 مراقب)، رئيس موزامبيق السابق يواكيم سيسانو، أن “التصويت كان حراً وشفافاً وقانونياً”.

ومن جهته علّق المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية برنار فاليرو قائلاً “إن ولاية تشريعيّة جديدة بدأت في الجزائر ونأمل أن تسهم في تعزيز وتعميق عملية الإصلاحات السياسية التي أعلنها الرئيس بوتفليقة وتنتظرها غالبية الجزائريّين”.

أما وزيرة خارجية الولايات المتّحدة هيلاري كلينتون فقد أشادت “بالديمقراطية الجزائرية التي سمحت للجزائريّين بالتعبير عن إرادتهم الحرّة”.. وقالت إن بلادها “تنتظر بفارغ الصبر بدء العمل مع البرلمان الجديد ومواصلة تعزيز علاقاتها بالحكومة والشعب الجزائريّين”.

نون النسوة تكتسح المشهد

للمرّة الأولى في تاريخ الانتخابات التشريعية الجزائرية، وربما على مستوى الكثير من البرلمانات العربية والأجنبية، أظهرت نتائج التصويت كسحاً هائلاً لمصلحة المرأة الجزائرية وحراكها السياسي التمثيلي الشعبي؛ فلقد حصدت المترشّحات الجزائريات 148 مقعداً من مقاعد البرلمان الـ462. ويعود الفضل في ذلك، كما ذكرت وسائل الإعلام المختلفة، “إلى التعديلات التي أُدخلت على قانون الانتخاب الذي يفرض على الأحزاب إدراج النساء بنسبة 30% على قوائمها الانتخابيّة”.

والواقع أن للمرأة الجزائريّة وضعاً سياسيّاً وتاريخيّاً خاصاً يعود إلى زمن حرب التحرير ضدّ الاستعمار الفرنسي. فنون النسوة شاركت الرجل الجزائري بفعاليّة في صفوف حرب التحرير على مختلف المستويات السياسية والّلوجستية، وحتى العسكرية. فانتظمت مثلاً في جمعيات خاصة منذ العام 1942 وأسمعت صوت الحرية والتحرّر لبلادها في العديد من المنتديات الدولية في أوروبا وأميركا اللاتينية، فضلاً عن دول عربية عدّة.

ولأجل ذلك، شرع الحزب الحاكم، منذ عقود، بردّ الجميل للمرأة الجزائرية، حيث نقرأ في الميثاق الجزائري: “علينا إزالة كلّ العراقيل التي تقف في وجه رقيّ المرأة وازدهارها.. وأن المساواة بين الرجل والمرأة تعني أن على الأخيرة أن تكون قادرة على المشاركة في النشاط السياسي”.

لكن هذا الكسح النسائي النيابي لم تسلم آلياته من النقد السياسي النسائي أيضاً. فلقد صرّحت لنشرتنا “أفق” الدكتورة وفاء مرزوق، وهي إحدى المترشّحات في الانتخابات الجزائريّة الأخيرة على “قائمة الزيبان”(قائمة مستقلّة عن ولاية بسكرا) قائلة: “نعم لقد تحقّقت حظوظ كبيرة للمرأة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة؛ ولكن من هي هذه المرأة التي فازت؟ إنها المرأة” الأفلانية” و”الأرندية” (نسبةً إلى تجمّع أحزاب السلطة الكبار) وليست المرأة الجزائرية خارج دائرة هذه الأسوار”.

وانتقدت مرزوق قانون الانتخاب الحالي، لأنه “مجحف في حقّ الكثير من الأحزاب السياسية، خصوصاً لناحية تطبيق قاعدة الـ5في المائة، والتي أدّت إلى شطب العديد من الأحزاب والأصوات التي حصَّلتها لتؤول الأمور في النتيجة لمصلحة حزب أو حزبين فقط؛ كما سمحت بسهولةِ التزوير والتلاعب بعملية النتائج”..”والتزوير لا يحصل من السلطة فقط، بل من مترشّحين متنفّذين آخرين لهم أساليبهم الخاصة في هذا المجال”.

وأردفت مرزوق تقول لنشرتنا:” بأن الأحزاب المركزية المترشّحة أخذت حظّها من الإعلام أضعاف ما أخذته الأحزاب الأخرى، وخصوصاً الجديدة منها. “ثمّة تهميش واضح للقوائم المستقلّة ومنها قائمتنا، التي كان من المفترض أن تعامل على قدم المساواة مع باقي الأحزاب الكبيرة والتقليدية؛ فلم تعطَ مثلاً حقّها في الإعلام المرئي اللهم سوى دقيقتين. كما حذفت أسماء القوائم المستقلة من ورقة الانتخاب يوم الاقتراع، وتمّ الاكتفاء بذكر اسم قائمة مستقلة لكلّ القوائم على حدّ سواء”.

ولولا مثل هذه العوائق لكانت المرأة الجزائرية برأيها، حصدت أصواتاً أكثر في الانتخابات التشريعيّة الأخيرة؛ مضيفةً أنه لا إمكانية لإرساء دولة القانون وبناء الديمقراطية الفعلية من دون إشراكٍ حقيقيّ للمرأة في الحياة السياسية.

وإذا كانت نسبة المشاركة في الانتخابات الجزائرية البرلمانية الأخيرة قد وصلت إلى 43%، حيث صوّت 9 ملايين من أصل 21مليون مواطن جزائري مسجّلين على لوائح الشطب الانتخابية، فإن ذلك، وعلى الرغم من أنه سجّل تقدماً بنسبة أعلى ممّا كانت عليه النسبة في الانتخابات البرلمانية السابقة (2007)، والتي بلغت نحو 37%، إلا أن ذلك كلّه لم يمنع وزير الداخلية الجزائري دحو ولد قابلية من تسجيل اعترافه بأن نسبة الامتناع عن التصويت ظلّت قائمة ومتزايدة ومخيّبة لآمال معظم المعنيّين بالعملية السياسيّة. وأمِل أن يمارس الناخب الجزائري واجبه الديمقراطي أكثر في الاستحقاقات البرلمانيّة المقبلة.

هل سينجح الإسلاميّون الجزائريّون باعتماد “الخيار التونسي” للتغيير في الجزائر؟

عن هذا السؤال أجاب لـ”أفق”،الباحث والمحلّل السياسي الجزائري المقيم في مارسيليا، د.الطيب الزتيلي، قائلاً:” إن هذا الأمر مستبعد جداً، لأن صاحب هذا الخيار (الخيار التونسي) عبد الله جاب الله لو كانت لديه القوة الشعبيّة الساحقة على الأرض لكان فعلها من دون أن يهدّد بـ “تسونامي الخيار التونسي”.. ولكان حزبه فاز أصلاً بالانتخابات الأخيرة.

ويذهب العديد من المحلّلين السياسيّين إلى أن تراجع الإسلاميّين الجزائريّين عن الصدارة السياسية في الانتخابات الأخيرة يعود لأسباب عدّة أبرزها:

الأغلبية الساحقة من الشعب الجزائري لا تريد العودة إلى الاقتتال الدموي بين الإسلام السياسي من جهة والسلطة الحاكمة من جهة أخرى، والذي راح ضحيته في السابق أكثر من 200 ألف قتيل ومئات ألوف الجرحى والمعوقين، وخصوصاً في الفترة الممتدّة من العام 1994 إلى العام 2004 والتي سمّيت “بالعشرية السوداء”.

تشتّت الأحزاب السياسية الإسلامية المشاركة في الانتخابات الأخيرة، على الرغم من ائتلاف بعضها مؤخراً (تكتّل الجزائر الخضراء)، وهذه الأحزاب لا تملك مجتمعةً قوة جبهة الإنقاذ الوطني الإسلامية، التي كانت قد حصدت المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعيّة أوائل التسعينيّات، متجاوزةً بذلك حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم، ما سبّب الحرب الضروس بينهما، والتي انتهت بسيطرة الجيش والدولة، وتمّ حظر نشاط جبهة الإنقاذ في الداخل وإبعاد قادتها إلى الخارج.

الإرباك الحاصل على مستوى الخارطة السياسيّة الّليبية. فهناك أكثر من اتجاه إسلامي وقبلي مسيطر على الأرض في الجارة ليبيا، يتناقض بعضه مع بعض ولا ينتج سوى الفوضى حتى الآن، وكذلك التهديد بانقسام البلد إلى 3 أو 4 “ليبيات”.. الأمر الذي جعل الناخب الجزائري يخاف انتقال هذه العدوى إلى بلده، لذلك أحجم عن التصويت للأحزاب السياسية الإسلامية وبات يميل إلى تهدئة الأمور وإبعاد أيّ نوع من الفوضى السياسية والأمنية عن الجزائر.

فشل مختلف برامج وشعارات مهرجانات الأحزاب الإسلاميّة والقوميّة واليساريّة المتطرفة (حزب العمال بزعامة لويزا حنّون) لعدم تضمّنها أيّ مطالب وحوافز عمليّة جديدة غير تقليديّة تغري الناخبين.. وبخاصة الشباب منهم.. بالانحياز إليها.

الجزائريون مفطورون على الإسلام، دينهم الحنيف، وهويتهم الحضارية وثقافتهم الصلبة أيضاً، والتي سبق وقاوموا بها الاستعمار الفرنسي؛ لذا هم قادرون على محاسبة كلّ التيارات السياسية السياسيّة الإسلامية، القديمة منها والمستجدّة، بلا تردّد ولا أيّ حرج.

هكذا، وبعدما فاز الإسلام السياسي في تونس ومصر والمغرب، كانت الأنظار كلّها موجّهة إلى أن ينسحب هذا الفوز أيضاً على إسلاميّي الجزائر، لكن الأمور جرت عكس ذلك تماماً، بحيث فسّرها وزير داخلية الجزائر بالقول” إن الشعب صوّت للّذين يعرفهم ويثق بهم أكثر من غيرهم”. . و”إن هذه الانتخابات كانت عرساً متميّزاً لربيع عربيّ ديمقراطيّ مختلف”.

باختصار، وكقراءة عامة لنتائج هذا الاستحقاق الانتخابي في الجزائر يمكن القول بأن النظام السياسي الجزائري نجح في إعادة إنتاج نفسه، وإن بنبض مختلف ومتجدّد بعض الشيء، لكن عليه، برأي البعض، ولكي يربح الجولات السياسيّة المقبلة أن يلتزم بمزيد من برامج الإصلاح والدمقرطة ومكافحة الفساد والقضاء على البطالة وتكريس التنمية الاقتصادية العمليّة الشاملة التي وعد بها الرئيس بوتفليقة في مختلف خطبه، وبخاصة منها خطابه الأخير قبيل المعركة الانتخابيّة.

-- أحمد فرحات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*