الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التمايز الطبقي دعوى جاهلي

التمايز الطبقي دعوى جاهلي

يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13].

هذه الآية العظيمة تبيّن أمرين مهمين:

الأمر الأول: الناس جميعاً سواسية مخلقون من ذكر وأنثى، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.

الأمر الثاني: أن الله خلق الناس شعوباً وقبائل للتعارف؛ لمعرفة أنسابهم، لا للتناكر واللمز والسخرية، فإن التعارف يترتب عليه: التناصر والتعاون والتوارث، والقيام بحقوق الأقارب.

ويوضح هذين الأمرين ما جاء في السنة النبويّة:

أولاً: ما جاء في سبب نزول الآية:

عن أبي مليكة قال: “لما كان يوم فتح مكة رقى بلال فأذّن على ظهر الكعبة، فقال عتّاب بن أبي أسيد ابن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لا يرى هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: ما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذّناً، وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيّره، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا، فأنزل الله الآية زجراً لهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء، وبيّن أن الفضل بالتقوى.

ثانياً: ما رواه الطبراني:

قال: {خطب رسول الله بمنى في وسط أيام التشريق وهو على بعير، فقال: أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟! قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهد الغائب}.

ثالثاً: ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما:

أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة وهو على راحلته، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: {أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عُبّيّة الجاهلية وتعاظمها بآبائها، الناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، ورجل فاجر شقي هيّن على الله تعالى، إن الله عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ الله عليمٌ خبير} [الحجرات:13] ثم قال: أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم} [رواه الترمذي وصححه الألباني في الصحيحة رقم: 2700].

رابعاً: أن أبا ذر قال لبلال: يا ابن السوداء!

فبلغ ذلك النبي صلى الله وعليه وسلم، فقال لأبي ذر: {أعيّرته بأمه؟! إنك امرئ فيك جاهلية} [رواه البخاري].

وفي ظل ما تشهده اليمن عامة -والجنوب منه خاصة- من متغيرات وانشغال الدولة بنفسها، وظهور التكتّلات والتجمّعات الطائفية والقبليّة والحزبية والمناطقية والعشائرية، هناك من يسعى ويعمل مستغّلاً تلك الأوضاع على تكريس التمايز بين فئات المجتمع، وإعادة المجتمع إلى عهد الاحتلال البريطاني(1) حيث مارس خلال فترة احتلاله التمايز الطبقي؛ تنفيذاً لسياسته الدنيئة “فرّق تسد” ليستنفذ من خلال ذلك أغراضه، فكان تقسيم المجتمع إلى طبقات، يهيمن بعضها على بعض، فطبقة السادة تحظى بهيمنة تامة، يليها في الهيمنة طبقة المشايخ، ثم طبقة القبائل، ثم طبقة الحضر وهم أهل المدن، ويتفاوتون، فأعلاهم التجار، ثم طبقة القرويين وهم أهل القرى والأرياف، وهناك طبقة ترتبط بالحاكم وهي طبقة العسكر، ووظيفتهم الحماية والأمن، وقد طُلي هذا التمايز بمسحة دينيّة، وخاصة في طبقة السادة والمشايخ سيطرة على عقول الناس، واسترهبت مشاعرهم حتى تبلّدت عقولهم، وغابت مشاعرهم وأحاسيسهم، فصاروا خاضعين لهذا التمايز كرهاً أو رغباً، حيث استُغِلَّ حبُّ آل البيت استغلالاً سيئاً، فحبُّ أهل البيت واحترامهم وتقديرهم واجب، فلا يجوز بغضهم أو إهانتهم أو الإقلال من شأنهم، وأما أفرادهم فكلٌ يُؤخذ بحسب صلاحه أو فساده، فلا يستويان، فمن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه!

وأما الاعتقاد السائد: ما من أحد من آل البيت إلا وله توبة قبل موته! فهذا اعتقاد باطل، فهناك من ينتسب إلى أهل البيت وهو يحمل راية الإلحاد والكفر، ومنهم من مات عليها أو على فجور وفساد.

وأما من كان من آل البيت معروف بالعلم والصلاح فهو أولى بالقيادة، فلا يُنازَع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «قدّموا قريشاً» [رواه البزار وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم: 4384]، إلا إذا وُجِد من هو خير منه في العلم والصلاح، فالصلاح والعلم هما أساس التفاضل والتقادم؛ لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13]، وقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُم} [النساء:59]، وهم الأمراء والعلماء؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:83] وأولوا الأمر هنا هم العلماء..

وفي صحيح البخاري: لما توجّه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى الحج لقيه في الطريق والي مكة، فقال له عمر: “من خلّفت على أهل الوادي –أي: مكة- قال: ابن أبي أبزى. قال: ومن ابن أبي أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال عمر رضي الله عنه: أخلّفت عليهم مولى؟! قال: إنه حافظ للقرآن عالم بالفرائض! فقال عمر: أما وقد قلتَ ذلك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين».

أما المشايخ أو المناصب فكان الأساس في وصفهم: العلم، ثم تحولت المشيخة إلى وراثة، فصار يُطلق على الذريّة من بعدهم مشايخ، وإن كانوا ليسوا من أهل العلم، فأمثال هؤلاء لا يسلّم لهم بهذا اللقب؛ لأنه يرتبط بالعلم، إلا من اتصف منهم بالعلم، أو يكون وصفاً لمشيخة القوم، أو تجاوز سن الرجولة.

فالقبائل يخضعون لإمرة السادة والمشايخ في الأمر والنهي، وقد استغلَّ ضعاف النفوس من السادة أو المشايخ هذا الخضوع في ابتزاز الأموال وأخذ الأراضي، وتسخير الضعفاء والجهال لخدمتهم ورعاية مصالحهم، وعندما اندلعت الثورات ضد الاحتلال وطُرد الاحتلال فكان الانتقام يلاحق تلك الطبقتين، بعد تلقي الطبقات الدنيا جرعات قويّة من الكراهية من قبل الفكر الشيوعي، تحت مسمى الانتفاضات ومحاربة الكهان، فقوبل الظلم بالظلم وأشد، مع أن هناك من السادة والمشايخ من هم على خير وصلاح وتقوى، ولم يمارسوا ظلماً ولا اضطهاداً.

فانتقل الناس من ظلم كان يُمارَس تحت مظلّة الدين، إلى ظلم تحت مظلة الإلحاد ومِلَل اليهود والنصارى أعداء الإسلام والمسلمين.

وفي ظل الصحوة الإسلامية التي تزامنت مع الثورات التحرريّة، وإقبال الناس على التدين، وإقبال الشباب في المجتمع الذي أجهز على التمايز الطبقي بعد أن أنهكته الثورات التحرّريّة في العالم العربي، يحاول البعض الالتفاف على القبائل والعشائر لاتخاذهم سُلّماً للوصول للتربّع على كرسي السلطة، والتسلّط -بمعنى أشمل- من خلال دغدغة عواطف كبار عقّال القبائل؛ لكي يقوموا بإقناع الشباب الذين لم يعيشوا مرحلة ما قبل الثورات التحرّريّة مع بذل المزيد من الإغراءات.

فأقول: إذا كان هؤلاء وجدوا ويجدون مناخاً سياسياً في ظل ضعف الدولة في اليمن والأوضاع الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، والظلم الذي ينتظر الناس إزالته بأي حل ولو بتشطير البلاد أو تقسيمها!! فلابد أن يدرك دعاة التمايز الطبقي أن مشروعهم فاشل بإذن الله تعالى من وجوه:

الوجه الأول: أن جيل الصحوة لهم بالمرصاد:

هذا الجيل الذي له أولاد وأحفاد، وله انتشار واسع في القبائل والمدن والقرى، وعلى مستوى المؤسسات التعليمية والعلميّة والخدماتية والاجتماعية، إضافة إلى وعي المجتمع وثقافته، ستكون بإذن الله حائلاً وسدّاً منيعاً لهم من تحقيق ما أرادوا.

الوجه الثاني: أن الكثير من أبناء طبقة السادة والمشايخ صاروا على وعي وعلم ودراية للحق:

وصاروا جزءًا لا يتجزأ من جيل الصحوة، منهم العالم، ومنهم الداعية، ومنهم طالب العلم، ومنهم المناصر، ومنهم الناقد للوضع السابق الذي يُراد إعادته، وهو التمايز الطبقي بين فئات المجتمع المسلم، وأما إعطاء أهل الشرف والفضل حقّهم فهذا مكفول في كل زمان ومكان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» [رواه البخاري]، وكان عمر رضي الله عنه يقول: “أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا” يعني به بلالاً!.

الوجه الثالث: أن التمايز الطبقي مرفوض شرعاً وعقلاً:

فالشرع لا يقرّه ويعتبره من دعوى الجاهلية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب» [رواه الترمذي وأبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع: 1787].

وقوله: «عُبِّيَّة الجاهلية» أي: كبرها وفخرها ونخوتها.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» [رواه مسلم].

وقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمّتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على سواهم، يرد مشدُّهم على مضعفهم ومسرعهم على قاعدهم، لا يُقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» [رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن عمرو، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 6712].

وحينما تَنَادَى الصحابةُ من المهاجرين والأنصار باسمين شريفين -المهاجرين والأنصار- للعصبيّة والتمايز قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم!! دعوها فإنها منتنة» [الطبراني].

فأقول لمن يعمل أو يحاول إثارة التمايز الطبقي في المجتمع المسلم: كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين الصحابة: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم!! دعوها فإنها منتنة» أي: كريهة الرائحة، فهي لا تحتمل الشم، بل تُدفع وتُزال حال وجودها، فنحن نقول لهؤلاء: أبدعوى الجاهليّة وهدي رسول الله بين أيدينا وأيديكم؟!

وهذا ليس له علاقة بالأنساب، فمعرفة الأنساب مطلوب شرعاً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فإنه لا قرب بالرحم إذا قُطِعت وإن كانت قريبة، ولا بعد بها إذا وُصِلت وإن كانت بعيدة» [رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم: 1051]، فالمحظور التفاخر والتعاظم بها واتخاذها سبيلاً للهيمنة.

وأما العقل الصحيح لا يقبل التمايز الطبقي؛ لأنّه صورة من صور الاستعباد، والنفس تأبى الاستعباد، وخير شاهد قول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”.

نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــ

(1) وليس الاستعمار لأن كلمة الاستعمار طيبة من الإعمار.

-- الشيخ/ أحمد برعود

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*