الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ضرورة عقد مؤتمر للأقليات في كردستان العراق

ضرورة عقد مؤتمر للأقليات في كردستان العراق

معظم النزاعات والحروب، هي نزاعات وحروب بين الاقليات والأمم المهيمنة عليها. لهذا لن يقوم مشرق حضاري وديمقراطي دون إدراك أهمية أن تأخذ الأقليات حقوقها.

يبدو لي، ان عنوان المقال في مستهله يتطلب منا شيئاً من التوضيح، إذ ان المقصود بالاقليات، الأقليات العرقية والدينية والمذهبية التي تقطن كردستان العراق حصراً، وأن يكون المؤتمر المقترح خاصاً بها دون غيرها مع جواز حضور ممثلين عن الأقليات في العالم العربي ودولتي ايران وتركيا فيه بصفة ضيوف أو مراقبين .. الخ من التسميات وهذه الأقليات هي:

1- الأيزيدية (دينية) 2- المسيحيون (دينية وقومية) 3- التركمان (قومية ومذهبية) 4- الشيعة (مذهبية) 5- الكاكائية (دينية) 6- الشبك (لهجوية ومذهبية) 7- الأرمن (قومية ودينية) 8- العرب (قومية). عداها، فأن كردستان العراق، استقبلت بعد إسقاط النظام السابق في 9-4-2003 موجات نزوح للصابئة، وما زالت البقية من الصابئة في وسط العراق وجنوبه تظهر الرغبة العارمة للانتقال الى كردستان هرباً من جحيم الاضطهاد الذي مارسته وتمارسه التيارات الاسلامية المتشددة من سنية وشيعية بحقها، الى حد تدمير احد معابدها وربما اكثر في الجنوب.

ولكي لا يولد المقال انطباعاً خاطئاً لدى القارئ من أن الدعوة الى عقد مؤتمر للأقليات في كردستان توحي باضطهاد للأقليات، بودي القول، ان الديمقراطية الكردستانية رغم نواقصها ومثالبها تظل الاقرب الى الديمقراطيات الغربية والامريكية والهندية والاسترالية.. الخ من الديمقراطيات المتقدمة، كما انها تتقدم على الديمقراطيات في بلدان الشرق الاوسط، في مجال الانفتاح على الاقليات، فعلى سبيل المثال نجد تمثيلاً ملموسا وواسعاً للأيزيديين والمسيحيين والتركمان في حكومة كردستان وتمتعاً واسعاً في الحقوق كذلك، الامر الذي لا نجده في تركيا التي تضم مايقارب ال25 مليون كردي ومئات الالوف من العرب والارمن والاشوريين وغيرهم والمحرومين من أبسط الحقوق، وقل الشئ ذاته عن الأقليات القومية والدينية في ايران وسوريا وكل الاقطار الشرق راوسطية التي تتميز بالتعددية القومية والدينية والمذهبية. ويتفاوت التمتع بالحقوق للأقليات من منطقة الى اخرى في العراق، فالتي تعيش في منطقة خط العرض ال 36 اي المحافظات الثلاث الخاضعة لحكومة أقليم كردستان تمارس حقوقها على نطاق جد واسع، فيما الواقعة في المناطق المتنازع عليها وغيرها، تمارسها بدرجات متفاوتة. ولا ننسى ان الاقليات العراقية تتمركز بدرجة رئيسة في كردستان والمناطق المتنازع عليها وفي الاخيرة (المتنازع عليها) مازالت الدراسة باللغة التركمانية لا تتجاوز في المدارس التركمانية وفي قضاء تلعفر والبلدات التركمانية القربية من الموصل مادة اللغة التركمانية بل ان المدارس في بعض منها لا تدرس فيها حتى اللغة التركمانية، وفي مناطق الشبك الواقعة شرق وشمال شرق الموصل فأن الدراسة في معظم قرى تلك المناطق مازالت باللغة العربية وليس باللهجة الشبكية الكردية، وفي داخل مدينة الموصل، فهنالك مدرسة واحدة فيها الدراسة باللغة الارمنية اما بقية المواد فهي باللغة العربية، ان هذه الحالة تسود وباشكال مختلفة اكثرية المناطق المتنازع عليها.

وهنالك اكثر من طرف يعمل على قمع الأقليات في هذه المناطق من نيل حقوقها كاملة غير منقوصة، وفي مقدمة الاطراف، النظام القائم في العراق والاطراف العربية السنية المتشددة كذلك فعلى سبيل المثال، يتفق النظام القائم الشيعي مع الحكومة المحلية السنية في محافظة نينوى للحيلولة دون جعل تلعفر محافظة والقول نفسه ينسحب على قضاء طوز خورماتو حيث يعترض النظام والحكومة المحلية السنية في محافظة صلاح الدين على تحويله الى محافظة، وذلك المكون التركماني ذو كثافة سكانية في مركز كلا القضاءين.

ان خوف الاقليات من الانصهار أو التلاشي يجعلها تفقد الثقة بالمستقبل وتتطلع لمغادرة البلاد، وهو أمر يؤسف له، وحتى في كردستان التي تتمتع الاقليات في ظل نظامها بحقوق واسعة لم توفرلها النظم العراقية في السابق، فأن اكثر من هاجس يتقاذفها، سيما بالنسبة للأقليات الدينية التي تخشى من تنامي قوى الاسلام السياسي، فقبل اعوام قرأت في نشرة موالية لأحدى قوى الاسلام السياسي الكردي، كيف أن افراداً من الكاكائية في قرية قريبة من مقرلتلك القوة، أشهروا اسلامهم، ما يعني ان الاضطهاد الديني متربص بالاقليات الدينية، وعلى وجه الخصوص بالايزيديين والمسيحيين، صحيح ان الايزيديين الذين يعد دينهم، الدين الثاني في كردستان بعد الاسلام، وكذلك المسيحيين، قد نالوا حقوقاً كثيرة ، بيد انهم ما برحوا يظهرون المخاوف من التهميش والاقصاء ومن تقدم الاسلام السياسي، فالايزيديون الاكثر انسجاماً مع النظام الديمقراطي في كردستان، والذين لا يعانون من اي اضطهاد قومي، كونهم كرداً ويتلقون الدراسة في مدارسهم بلغتهم الكردية، إلا انهم في الوقت عينه قلقون على مستقبلهم وعلى مكاسب نالوها من الضياع والمصادرة، ومن الامثلة على ذلك اعتراضهم القوي قبل فترة على خلو الكابينة السابعة لحكومة كردستان من اية حقيبة وزارية لهم، على النقيض من الكابينات الحكومية السابقة، ولقد استدركت الكابينة هذه خطأها سريعاً واعلنت انها ماضية نحو احداث وزارة باسم وزارة شؤون الايزيديين وتأسيس فضائية خاصة بالأيزيديين.. الخ. ولا شك ان ما اعلنته حكومة كردستان عن مزيد من الحقوق للأيزيديين، كان محل رضى واستحسان الايزيديين، ومع هذا تظل المخاوف قائمة من المجهول ومن بقاء الديمقراطية الكردستانية، تتخللها الثغراث والنواقص فغياب ملموس لحكم القانون وتفشي الفساد بمختلف اشكاله ومن شأن هذين النقصين ونواقص اخرى التضييق على الحريات وحقوق الاقليات.

على ذكر غياب القانون، اشير الى تظاهرة يوم 8-5-2012 أمام برلمان كردستان باربيل والتي اشاعت التخريب والاعتداء امام الباب الرئيسي له كما اعتدت على فنادق ونوادي اجتماعية ومحال لبيع المشروبات الروحية، وكانت هنالك فقرة ضمن البرنامج الفوضوي للمتظاهرين وهي التوجه الى بلدة عينكاوا المسيحية لألحاق الأذى بها. وقبل اعوام كادت منطقة قضاء الشيخان ذات الاكثرية الايزيدية ان تغرق في بحر من الدم على خلفية حادثة اجتماعية بسيطة لاتستحق الذكر. عليه فان حقوق الاقليات في كردستان ستظل عرضة للانتهاكات مالم يتم تثبيت حكم القانون والقضاء على الفساد، وتحقيق مزيد من الحقوق للأقليات بشكل يصعب الغاءها أو مصادرتها، اذ لايغيب عن البال ان قوى ظلامية عند المنعطف تكمن للأقليات، بغية النيل منها. ما يستدعي اطلاق منتهى الحقوق لها وتوثيقها في الدستور.

لقد واتتني فكرة عقد مؤتمر للأقليات في كردستان العراق لجملة من الأمور والأحداث اضافة الى ما ذكرنا، منها دولية واخرى عراقية محلية، ففي مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي تراجعت الحكومة المصرية عن عقد مؤتمر للأقليات في الدول العربية بمدينة القاهرة وذلك جراء ضغوط من اطراف داخلية مصرية اتت من كتاب وشخصيات معروفة مثل: محمد حسنين هيكل وابراهيم نافع وحتى البابا شنودة، ما دفع بالاقليات الى عقد مؤتمرها في الجانب اليوناني من (قبرص). ولا يخامرني أدنى شك في ان الدول العربية كافة كان لها ضلع في الحيلولة دون انعقاده في القاهرة، كونها تعاني باشكال متبانية من التعددية القومية والدينية والمذهبية. وفي حينه لام كتاب متنورون من العرب موقف الحكومة المصرية ذاك، بقي ان نعلم ان التنكر لحقوق الاقليات كان من اسباب سقوط انظمة: تونس وليبيا ومصر واليمن وسيليها نظام الاسد في سوريا وانظمة اخرى حتماً.

لقد تفاقمت قضية الأقليات في انحاء العالم بصورة لافتة في السنوات الاخيرة وتحديدا في الدول التي تعاني من التعددية القومية والدينية، وطرحت افكارعدة، لمعالجتها، لم يخلو كثير منها من استغلالها والتنكر لها، ففي العراق، ادرك حكامها ذلك، لكن من دون التقدم بحلول صائبة ومنصفة لقضية الأقليات. فبعد سقوط النظام العراقي السابق، تشكلت مؤسسة معنية بملف الاقليات العراقية برئاسة استاذ جامعي من الاقلية اللهجوية الكردية الشبكية ومن اتباع المذهب الشيعي، الا ان هذه المؤسسة لم تؤدي دوراً يذكر لصالح الاقليات، خذ ابسط مثال على ذلك وهو ما اشرنا اليه، ان الشبك مازالوا محرومين من الدراسة بلهجتهم الشبكية، وفي قضاء تلعفر ذي الاكثرية التركمانية، فان التعليم بقي على حاله باستثناء مادة واحدة الا وهي درس اللغة التركمانية، وفي الموصل في مدرس الارمن درس واحد باللغة الارمنية فيما بقية الدروس باللغة العربية، ومنذ العهد الملكي فان للأرمن مدرسة واحدة في الموصل!

لما تقدم، يتبين، ان حقوق الأقليات صارت قضية عالمية، اذ وفق احصائيات عدة، فان عدد الأمم المحرومة من مقاعد الأمم المتحدة يفوق عدد التي تتمتع بها، وان قيام اي بلد متعدد الاقليات، بحل قضايا الاقليات بشكل عادل، فان الاستقرار والرفاه سيتوطدان فيه، اذا اخذنا بالاعتبار، ان معظم النزاعات والحروب، هي نزاعات وحروب بين الاقليات والأمم المهيمنة عليها، من هذا الفهم تكمن اهمية انعقاد مؤتمر للأقليات في كردستان العراق، لأجل ترسيخ الديمقراطية والسلم الاجتماعي فيها اكثر فأكثر.

ختاماً، ان اظهار وجه مشرق وحضاري لأي نظام أو حكومة في بلدان العالم الثالث بما فيها الحكومة الكردستانية والنظام القائم في كردستان، وفي بلد متعدد القوميات والطوائف لا يمكن تحقيق الديمقراطية والتقدم الحضاري إلا عبر الاعتراف بالحقوق المشروعة لها، للأقليات، وسيكون لعقد مؤتمر لأقليات كردستان مردود ايجابي على اكثر من صعيد، على ان تكون توصياته ملزمة، وان يكون دورياً في أن معاً.

عبدالغني علي يحيى

رئيس تحرير صحيفة راية الموصل – العراق

Al_botani2008@yahoo.com

————–

ميدل ايست أونلاين

-- بقلم: عبدالغني علي يحيى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*