الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل أصبحت الثوابت متغيرات بعد الثورات؟!

هل أصبحت الثوابت متغيرات بعد الثورات؟!

الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد ان محمداً عبده ورسوله، وبعد:

فقد يسّر الله تعالى قبولاً لهذا المؤلَّف (مَنِ السَّلفيون؟….ولما تخَافون السَّلفية؟!)، فقد طُبِع عِدة طبعات، وطُلب مِنّا السَّماح بترجمته وطباعته لغير الناطقين بالعربية، فأذنت بشرط عدم الاخلال بالمعنى، وطلب منّي بعض إخواننا الاذن باعادة الطباعة ابان هذه الفتن، وبعدما رأينا كثرة المتّحدثين باسم الاسلام عامة، ومدّعي السَّلفية خاصة، فقلت: لَعَلِّي أُعيدُ النَّظر فيه، فان وُجِدَ ما يحتاج الى بيان وتوضيح أَبَنته، وما قد يحتاج الى مزيد تفصيل أفدته، دون الاخلال بأصل الكتاب، فانه يُعَدُّ كالمتن الذي يحتاج الى زيادة في الشَّرح والاستدلال، ولكن مراعاة بعض الناس الذي يملّ قراءة المطوّلات مطلوبة، فحرصت على بقاء صغر حجم المُؤَلَّفِ حتى تسهل قرأته في مجلس واحد، ويعم النفع أكثر الناس.

وكان ما بين الطبعة الأولى، والطبعات التي تلتها قبل أكثر من أربع سنوات حتى صدور هذه الطبعة التي أُقدّمها بين أيديكم، حدثت مُتَغيّرات في المواقف والعقائد والآراء في جهات تختلف زماناً ومكاناً.

1) فما كان يُعَدُّ من الثَّوابت التي لا تمسُّ، أصبح عند بعض الناس في عِداد المُتَغيرات، تُحكم بآراء الأفراد والاحتجاج بالمكان والزمان، وما كان محرماً أصبح مستحبّاً، بل عند أقوام هو عينُ الواجب والمقدّم، وما كان حلالاً أصبح حراماً، زعموا، والله المستعان!

2) لقد جعل بعض الناس المثلَ السّائر: (أهل مكة أدرى بشعابها) مَطية تُركب، حتى صار رداً جاهزاً يُقَابَلُ به كُلُّ مُشفقٍ وناصحٍ.فلو سَوَّدت الدفاتر مملوءة بالأدلة والبراهين على انحراف ما، ومُلأَت دفاتر أُخرى تعداداً للمفاسد، لردّوا عليه حُجَّته، بمثلٍ اتخذوه سداً بينهم وبين الناصحين: فـ (أهل مكة أدرى بشعابها)!، فلم النزولُ بمرجعية الاحتجاج والاستدلال من درجات الأدلّة والبراهين الى دركات القصص والأمثال؟ لقد تَغَيّر التَّرَدّدُ بين الناصح والمتلقي، فتبدّل المسار، وصار للعقل سطوة على النقل، فلا تُقبل الأدلة والأخبار، وحُجِب ما كان يُسمح للسَّمع والبصر بِتَلَقِّيه، وأمَّا ما جاء على ذِكرِهِ الناصحُ وَعَدَّدَه، من مفاسدَ مُتَيَقَنَةِ الحدوث ومصالح مُهْدَرَة، فقد أصبحت لا تساوي مثقال ذرة في أَعْيُنِ النُظَّار الجدد.

3) وما كان يراه بعض الناس ضرورة كــ (الديموقراطية) وَلا يُقدِم عليه الا مُكرهاً ويمارسه مُستقذِراً، فالضَّرورة تقدّر بقدرها، أصبح كثير من الناس في زماننا يتفاخرون بالانتساب اليه، ويتسابقون لنيل شَرَفِهِ، بعدما كانوا يرون الشَّرَّ فيه.

4) ولا تعجب! فان من كان لا يرى تفريق الجماعة الى جماعات، وجَعلَ من انشاء الأحزاب دعوة للفرقة والخلاف، ويَعُدُّ تَحْزِيب الناس وتفريق جماعة المسلمين، هدماً للبناء وتمزيقاً للجسد الواحد، فقد انقلب الحال جملة، وصار في زماننا يُنظر بعين الازدراء لمن لا يتَّخِذَ حِزْباً، ويَغْمِزون الذين لا ينتمون للأحزاب بالمُخَذِّلين، وعدم نُصرةِ الدِّين.

5) أما العلماء الفضلاء ورثة الأنبياء، فلم تزدهم الأيام الا نوراً وثباتاً على الحق وصلابة في المواقف، فقد ثبت العلماء، ومع مرور السنوات على طريقة واضحة ونهجٍ مستقيم، بخلاف من شدّد النَّكير وأعلن النَّفير، وادعّى تخوين العلماء وائْتِمان (المفكرين المتعالمين)، والنَّبز والتلقيب بعلماء السلطان، بسبب الافتاء التاريخي بالاستعانة بالنصارى والمشركين، ضرورة لنصرة المظلومين، وقد كتب الله لنا ولغيرنا، ان نعيش حتى شاهدنا انقلاب هؤلاء المخالفين ظهراً على عقبٍ، فاليوم نرى أمراً ظاهراً – من تلك الفئة المعارضة بالأمس لفتوى الاستعانة بالنصارى-، نرى استجداء اليهود والنصارى والذين أشركوا، واجباً وقربة الى الله، يعلنون وينادون بصوت واحد بلا حياء، طلباً للتدخل السريع في كل بلدان المسلمين.

يا قومنا ألا تعجبون؟! ألا ترون ما يقولون، وما يفعلون؟! ان الأمر لَمْ يقف عند الافتاء الذي كانوا يرونه حراماً في يوم ما، وأحلّوه في زمان آخر، بل أصبح الأمر استجداء وتزلّفاً للدول الكافرة، للتدخل دون قيد أو شرط في الأرض والمال وحماية الدم والعرض.

6) ما بين الأمس واليوم، لم ينحرف العلماء عن المنهاج قيد أنملة قدر المستطاع، فأقوالهم وأفعالهم غير متعارضة، على قاعدة واحدة، وأما المثقّفون والمفكّرون وزعماء الحركة والحركيون، فهم متقلّبون، ولن أقول كتقلب الليل والنهار، فهذا تقلب نفع وخير، بل ان تنقلهم وتقلبهم، تقلب هوى وشّرٍّ، كل يوم لهم قول وشأن.

7) اختراع وابتداع ما اتفقوا على تَسْمِيته بـ (السّلفية المعاصرة، والفكر السلفي المعاصر)، وكَيْلِ المديح لهذا المُسَمَّى، تباشراً بالوليد الجديد، واني لأجد في التَّقْييد بالمعاصرة مناسباً لها ولائقاً بها، فقد صُنعت بأعينٍ جعلتها مغايرةً للسلفية النبوية الالهية الشرعية المعروفة، فتقييد تسميتها بالمعاصرة يجعلها مشوبة بالكَدَرِ، على نهج يخالف السَّلفية الأصل، فان الوصف بالعصرية، فصلٌ لها وابَانَةٌ عن العهد الأول، «خير الناس قرني»: وتمييزٌ لها بشعار وشعائر غير ما عليه أصحاب النَّهجِ الأول، وهذا قليل مما تستحق.

8) لقد ذهب كثير من الناس يبحثون عن الأسماء المحدثة، لجعل غشاوة على الأبصار، والتشغيب على العقول، أملاً في الحيلولة بين الناس والسَّلفية، وما ذلك الاّ شَغَب بائس من قطَّاع الطرق في عصر التنوير (دعاة العصرية)، لابعاد المسلمين عن الدين الصحيح (السَّلفية).

صراع الحق والباطل، صراع الكفر والاسلام والسنة والبدعة لا نهاية له

9) ذكر لي بعض اخواننا بعد ان استنصحته بداية النشرة الأولى: هل من تعليق أو نصيحة؟ على اثر اهدائه نسخةً من الكتاب لبعض أصحابه، فأرسل رسالة حملت تعليقاً سمعه ممن قرأ الكتاب، فقد قال له: (لقد بدأ المؤلف من حيث انتهى الناس)، معارضاً لنشر الكتاب، خاصة المقدمة منه.

فقلت (أبو عمر):

* ان كان الناس قد انتهوا الى السّلفية، فتذكير أهل السُّنة بالسّلفية أمر داخل في الذِّكرِ والتّعاون على البرِّ والتَّقوى.

* وان كان الناس قد انتهوا الى خيرٍ، وهم على خيرٍ، فان تذكيرهم بالخير خيرٌ.

* وكذلك التحذير من الشَّرِّ الذي يخالفه، خير ومن السُّنة، وطريقة سلفية خالصة، لما رواه البخاري (3606، 7084)، ومسلم (1847/51) في «صحيحيهما» من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، يقول: كان النَّاس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخيرِ، وكنت أسأَلُهُ عن الشَّرِّ، مخافةَ ان يُدْرِكَنِي.وفي رواية للبخاري (3607) عن حذيفة رضي الله عنه قال: تعلَّمَ أصحابي الخيرَ وتعلَّمتُ الشَّرَّ.

* وان كان علَّق مادة الكتاب بأمر أو شيء في ذهنه، وقد انتهى ذلك الأمر، فهذا شأنه وليست الدعوة الى السّلفية متعلّقة بما في ذهن فلان من الناس أو معاناته النفسية، اتجاه مواقف تعنيه خاصَّة، فيرى حتماً ان السّلفية دعوة ونقد وتقويم تنتهي بانتهاء ما في أذهان الآخرين، فليعلم ان السّلفية دين الله الذي ارتضاه لعباده، وللتوضيح ان كان يعتقد ان الخلاف بين السّلفيين والعصريين قد انتهى، فالواجب ألا يُبْعَث الخلاف من جديد بزعمه، ولذا قال مقولته: (لقد بدأ المؤلف من حيث انتهى الناس)، والردُّ عليه من وجهين: أولا: غالباً ما يصعب رجوع أصحاب القلوب التي أُشْرِبَت الشُّبهات عما هُم فيه، الا من رحم الله، ولذلك نرى الدُّعاة العصريين بعد مرور أكثر من أربع سنوات، شأنهم في ازدياد، وبلغ بهم الأمر الى الطعن في الدولة سراً وعلانية، والمطالبة بتغيير النظام باللسان والبنان، كما حدث في مؤتمر النهضة التابع لأكاديمية التغيير.فهل انتهى الناس حتى لا يُوقِد المؤلف حرباً قد أخمدت أم ماذا؟!

ثانياً: الدّعوة الى الله لا تنتهي اذا بدأت حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فقد روى مسلم في «صحيحه» (1920) من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أُمَّتِي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلَهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك»، والصِّراع قائم بين الايمان والكفر، والتوحيد والشرك، والحق والباطل، والسنة والبدعة، والاسلام حرب على الضلال كُلِّه، حرب على الكفر والشرك والظلم والبدعة والمعصية، وكل انحراف عن الصراط المستقيم، ولذا فالدعوة الى الحق غير متعلقة بالذات والأشخاص، فلم تتوقف الدعوة عندما انتقل الصحابة من الكفر الى الاسلام، ولم تتوقف الدعوة عندما ارتدّ بعض الأفراد عن الاسلام، ففارقوا الاسلام وفقدوا صفة الصحبة، ولم تتوقف الدعوة مع ظهور البدع في عهد الصحابة، فانبرى لها خيار الصحابة ذباً عن الاسلام والسنة، وهناك من هداه الله، ورجع عن غَيّه والبدع التي تلبَّس بها، وعاد الى السُّنة، فان الدعوة السَّلفية خلافها ليس مع اسم أحدٍ أو ذاتِ شخصٍ ما، بل الخلاف مع الأقوال والأفعال التي خالفت الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وهذه دعوة بدأت ليكتب لها الاستمرار، لا لتنتهي، فلابد من استمرار الدعوة شرقاً وغرباً، تحارب العقائد المنحرفة والفرق الضالة، فأقول مبيناً: ان الحرب بين الايمان والاسلام والكفر، والسّنة والبدعة، فمحاربة شخصٍ بعينه ليست هدفاً وغايةً مطلقاً، ولكن من حمل الكفر والبدعة وابتلِيَ به نُوزِع في ذلك، ليس لاسمه وانما للوصف الذي تَلَبَّس به.

ولذا أدعو صاحب المقولة: (لقد بدأ المؤلف من حيث انتهى الناس)، لمراجعة نفسه والرجوع عن قوله الى الحق والصواب.

——————–

نقلاً عن الوطن الكويتية

-- د.عبدالعزيز بن ندى العتيبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*