الأحد , 11 ديسمبر 2016

الوفاء بالعقود

أَمّا الوَفاءُ فَشيءٌ قَد سَمِعتُ بِهِ *** وَما رَأيتُ لَهُ عَينا وَلا أثراً

وَلا أُطالِبُ في الدُنيا بِهِ أَحَداً *** وَلا أَلومُ أَخا غَدرٍ إِذا غَدرا

وَمَن يَعولُ في الدُنيا عَلى بَشرٍ *** فإِنّهُ بَشرٌ لا يَعرِفُ البَشرا

الأمر بالوفاء بالعقود

قال الله عز و جل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1].

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} يعني بالعهود: “يعني ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حَد في القرآن كله، فلا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدد في ذلك”.

وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: “والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره”.

وقال زيد بن أسلم: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} قال: “هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين”.

وقال محمد بن كعب: هي خمسة منها: “حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة”. [تفسير ابن كثير2/8,7].

قال ابن سعدي: “أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها. وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم، والتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع. فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها” [تفسير ابن سعدي 1/218].

قال القرطبي: “فأمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود، قال الحسن: يعني بذلك عقود الدين وهي ما عقده المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام” [القرطبي 6/31].

والمراد بالعقود هنا ما يشمل العقود التي عقدها الله على عباده كالتكاليف الشرعية، والعهود التي بين الناس كعقود الأمانات، والمبايعات وسائر أنواع العقود.

قال رشيد رضا: “إن أساس العقود الثابت في الإسلام هو هذه الجملة البليغة المختصرة المفيدة: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، لأنها تفيد أنه يجب على كل مسلم أن يفي بما عقده وارتبط به، فكل قول أو فعل يعده الناس عقداً فهو عقد يجب أن يوفوا به كما أمر الله -تعالى- ما لم يتضمن تحريم حلال أو تحليل حرام”.

وقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل:91].

وقال: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان:7].

وقال: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج:29] يعني: ما ألزموه أنفسهم بعقد إحرامهم.

وقال: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [الرعد:25] إلى قوله: {سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25]

و قال: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * َمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة:75-77].

عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون عند شروطهم».

عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «من وعد منكم رجلا عدة ومن نيته أن يفي بذلك فلم يف لموعده فلا إثم عليه» [رواه أبو داود عن محمد بن المثنى عن أبي عامر].

معنى الوفاء بالعهود:

قال الحليمي رحمه الله: “فكل من عقد عقدا من العقود التي أثبتها الشريعة وجعلت لها حكما بين يدي الله تعالى وبين العبد أو بين العباد بعضهم مع بعض فصح ذلك منه وانعقد عليه ولزمه فعليه أن يوفي به”.

فذكر من جمله ذلك عقد الإسلام وتقبله ثم عقد الصوم المفروض ثم عقد الإحرام ثم نذر ما يكون طاعة وقد ورد في النذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبارا منها:

عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» [أخرجه البخاري في الصحيح من حديث مالك].

بن عامر الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به فروج النساء» [أخرجه مسلم].

عن أنس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له».

عن سعد بن سنان عنه مرفوعا بلفظ: «تقبلوا لي بست، أتقبل لكم الجنة، قالوا: وما هي؟ قال: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا ائتمن فلا يخن، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم». [قال الألباني: “أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق (ص 30) والحاكم (4/ 359) شاهدا لما قبله، و سنده حسن عندي، رجاله كلهم ثقات غير سعد بن سنان وهو صدوق له أفراد. فالحديث صحيح به. السلسلة الصحيحة 4/44 برقم 1470].

وقد روى أبو أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم الله عليه الجنة، قال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك» [رواه مسلم]، قال النووي: “فيه غلظ تحريم حقوق المسلمين، وأنه لا فرق بين كثير الحق وقليله”.

أقوال السلف:

عن أبي عن أبي هريرة قال: “كيف أنتم إذا لم تجدوا مالا أو لم تجدوا دينارا ولا درهما قالوا: أو نرى ذلك يا أبا هريرة كائنا؟ قال: نعم والذي نفسي بيده عن الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: متى ذلك يا أبا هريرة؟ قال: تنتهك ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فيمسك القطر عن أهل الأرض فيمسك الأسخياء”.

عن ميمون بن مهران قال: “ثلاثة المسلم والكافر فيهن سواء: من عاهدته وفى بعهده مسلما كان أو كافرا فإنما العهد لله عز وجل، ومن كانت بينك وبينه رحم فصلها مسلما كان أو كافرا، ومن ائتمنك على أمانة فأدها إليه مسلما كان أو كافرا”.

هدي الأنبياء والسلف في الوفاء بالعهود:

في حق نبينا ومن أمثلة وفائه عليه الصلاة والسلام – وهى كثيرة -: موقفه يوم الفتح من عثمان بن طلحة حاجب الكعبة في الجاهلية، عندما طلب من علي رضي الله عنه ومفتاح الكعبة في يده أن يجمع لبني هاشم الحجابة مع السقاية فقال صلى الله عليه وسلم: «أين عثمان؟ فدُعي له فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء» [انظر: زاد المعاد، 2/293].

وبعد صلح الحديبية عندما جاء أبو بصير هارباً من مكة، وجاء رجلان من قومه يطلبان رده حسب الشروط، فأبى النبي إلا أن ينفذ شروط الصلح، ولما تألم أبو بصير من ذلك حتى لا يرجع إلى المشركين فيفتن عن دينه – قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بصير! إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت من العهد، ولا يصلح في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ومن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً»، وقد حقق الله -تعالى – ظن رسوله؛ إذ وجد لهؤلاء المستضعفين الفرج والمخرج.

في حق إبراهيم عليه السلام قال تعالى: {وإبْرَاهِيمَ الَذِي وفَّى} [النجم: 37]،

قال ابن عباس: “وفى لله بالبلاغ”. وقال سعيد بن جبير: “وفى ما أمر به”. وقال قتادة: “وفى طاعة الله، وأدى رسالته إلى خلقه”. وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وهو يشمل الذي قبله، ويشهد له قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة:124] فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماما يقتدى به في جميع أحواله وأفعاله وأقواله، قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:123] [ابن كثير7/ 463].

وقدم ولده إسماعيل قرباناً لله حتى فداه ربه، واحتمل الابتلاء في الاحتراق بالنار في سبيل الله حتى جعلها الله برداً وسلاماً عليه.

وفي حق إسماعيل قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا} [مريم:54].

قال ابن جرير: “إنه كان لا يكذب وعده، ولا يخلف، ولكنه كان إذا وعد ربه، أو عبدًا من عباده وعدًا وفّى به”.

وعن ابن جريج، قوله: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} قال: “لم يعد ربه عِدة إلا أنجزها”. [الطبري 18/211].

قال ابن سعدي: “ولهذا لما وعد من نفسه الصبر على ذبح أبيه له وقال: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102] وفى بذلك ومكن أباه من الذبح، الذي هو أكبر مصيبة تصيب الإنسان” [السعدي 1/496].

في حق موسى: وفي البخاري: أن سعيد بن جبير قال: “سألني يهودي من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل”.

قال ابن حجر في الفتح: “والغرض من ذكر هذا الحديث في هذا الباب: بيان توكيد الوفاء بالوعد؛ لأن موسى صلى الله عليه وسلم لم يجزم بوفاء العشر، ومع ذلك وفّاها، فكيف لو جزم؟!”.اهـ.

وفي عهد الخليفة عمر الفاروق رضي الله عنه أتى شابَّان وهما يقودان رجلاً من البادية فأوقفوه أمامه، قال عمر: “ما هذا؟ قالا: يا أمير المؤمنين! هذا قتل أبانا، قال: أقتلت أباهم؟ قال: نعم قتلته، قال: كيف قتلتَه؟ قال: دخل بجمله في أرضي، فزجرته فلم ينزجر، فأرسلت عليه ‏حجرًا وقع على رأسه فمات، قال عمر: النفس بالنفس، لا بد أن تُقتل كما قتلت أباهما.

قال الرجل: يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي رفع السماء بلا عمد ‏أن تتركني ليلة؛ لأذهب إلى زوجتي وأطفالي في البادية، فأُخبِرُهم ‏بأنك ‏سوف تقتلني ثم أعود إليك، والله ليس لهم عائلٌ إلا الله ثم أنا، قال عمر: مَن يكفلك أن تذهب إلى البادية ثم تعود إليَّ؟ فسكت الناس جميعًا؛ لإنهم لا يعرفون اسمه ولا داره ‏ولا قبيلته، فكيف يكفلونه؟

فسكت الناس وعمر مُتأثر؛ لأنه ‏وقع في حيرة، هل يقدم فيقتل هذا الرجل وأطفاله يموتون جوعًا هناك؟ أو يتركه فيذهب بلا كفالة فيضيع دم المقتول؟ وسكت الناس ونكَّس عمر ‏رأسه والتفت إلى الشابَّين: أتعفوان عنه؟ قالا: لا، مَن قتل أبانا لا بد أن يُقتل يا أمير المؤمنين، قال عمر: مَن يكفل هذا أيها الناس؟ فقام أبو ذر الغفاريّ بشيبته، وقال: يا أمير المؤمنين! أنا أكفله، قال عمر: هو قَتْل، قال: ولو كان قاتلاً! قال: أتعرفه؟ قال: ما أعرفه، قال: كيف تكفله؟ قال: رأيت فيه سِمات المؤمنين فعلمت أنه لا يكذب، وسَيَفِي بعهده إن شاء الله، قال عمر: يا أبا ذر! أتظن أنه لو تأخَّر بعد ثلاث أني تاركك؟ قال: الله المستعان يا أمير المؤمنين، فذهب الرجل وأعطاه عمر ثلاث ليالٍٍ، يُهيِّئ فيها نفسه، ويُودع ‏أطفاله وأهله، وينظر في أمرهم بعده ثم يأتي ليُقْتَص منه؛ لأنه قتل، وبعد ثلاث ليالٍ لم ينسَ عمر الموعد، وفي العصر ‏نادى ‏في المدينة: الصلاة جامعة، فجاء الشابَّان، واجتمع الناس، وأتى أبو ‏ذر ‏وجلس أمام عمر، قال عمر: أين الرجل؟ قال: ما أدري يا أمير المؤمنين! وتلفَّت أبو ذر إلى الشمس، وكأنها تمرُّ سريعة على غير عادتها، وقبل الغروب بلحظات، إذا بالرجل يأتي، فكبَّر عمر وكبَّر المسلمون‏ معه، فقال عمر: أيها الرجل! أما إنك لو بقيت في باديتك ما شعرنا بك ‏وما عرفنا مكانك. قال: يا أمير المؤمنين! والله ما عليَّ منك ولكن عليَّ من الذي يعلم السرَّ وأخفى، ها أنا يا أمير المؤمنين، تركت أطفالي كفراخ‏ الطير لا ماء ولا شجر في البادية، وجئتُ لأُقتل، وخشيت أن يُقال لقد ذهب الوفاء بالعهد من الناس، فسأل عمر بن الخطاب أبا ذر: لماذا ضمنته؟ فقال أبو ذر: خشيت أن يُقال: لقد ذهب الخير من الناس، فوقف عمر وقال للشابَّين: ماذا تَرَيَان؟ قالا وهما يبكيان: عفونا عنه يا أمير المؤمنين لصدقه ووفائه بالعهد، وقالوا: نخشى أن يُقال: لقد ذهب العفو من الناس، قال عمر: الله أكبر، ودموعه تسيل على لحيته.

عن سليم بن عامر قال: “كان بين معاوية و بين الروم عهد قال: فكان يسير حتى يكون قريبا من أرضهم فإذا انقضت المدة غزاهم، فجاء رجل على فرس له وهو يقول: الله أكبر وفاء لا غدر، فإذا رجل من بني سليم يقال له عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقده ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء»، قال: فرجع معاوية بالجيوش”.

حدثني جرير بن حازم عن عمه قال: سمعت المهلب بن أبي صفرة يقول لابنه عبد الملك: “يا بني إنما كانت وصية رسول الله صلى الله عليه و سلم غداة أنفذها أبو بكر الصديق فلا تبدأ بالعدة فإن مخرجها سهل مصدرها وعر، واعلم أن لا وإن قبحت فربما زوجت ولم توجب الطمع”.

كيف نفي بالعهود:

1- أن نجعل الوفاء بالعهود قربة إلى الله تعالى: ففي الإسلام حفظ العهود، وأداء الذمم والأمانات سواء، وذلك استجابة لأوامر ربنا وتأسياً بسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم.

لقد وعدت وأنت أكرم واعد *** لا خير في وعد بغير تمام

أنعم علي بما وعدت تكرماً *** فالمطل يذهب بهجة الإنعام

وقال آخر:

وميعاد الكريم عليه دين فلا *** تزد الكريم على السلام

يذكره سلامك ما عليه *** ويغنيك السلام عن الكلام

2- لا نضمر نقض العهود في النفوس:

وقال أيضاً: {إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38].

وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله بين الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء يعرف به، فيقال هذه غدْرة فلان» [رواه البخاري].

3- لا نغدر بأي أحد حتى لو علمنا ضعفه وبأنه لا يقدر على أخذ حقه، ولقد حرم الإسلام اتخاذ المصلحة سبباً في نقض العهد، وكان بعض المشركين من العرب يبرر لنفسه نقض عهده مع الرسول صلى الله عليه وسلم بأن محمداً ومن معه قلة ضعيفة بينما قريش كثرة قوية، فنبههم إلى أن هذا ليس مبرراً لأن يتخذوا قسمهم غشاءً وخديعة: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 92]، أي: بسبب كون أمة أكثر عدداً وقوة من أمة، وطلباً للمصلحة مع الأمة الأقوى.

ويدخل في مدلول النص أن يكون نقض العهود تحقيقاً لما يسمى الآن مصلحة الدولة.. فالإسلام لا يقر مثل هذا المبرر ويجزم بالوفاء بالعهد.. وعلى هذا الأساس قام بناء الجماعة الإسلامية وبناء الدولة الإسلامية. لقد دخلت في الإسلام جماعات وشعوب بسبب ما رأوا من وفاء المسلمين بعهدهم ومن صدقهم في وعدهم، ومن إخلاصهم في إيمانهم، فكان الكسب أضخم بكثير من الخسارة الوقتية الظاهرية التي نشأت عن تمسكهم بعهودهم [في ظلال القرآن 4/2191-2192].

4- الوفاء بالعهود في كل الأحوال في حال الرضا والغضب، ومع المؤالف والمخالف: هكذا كانت علاقة المسلمين حتى مع أعدائهم، وفاءً مرتبطاً بالعقيدة لا يتقيد بمنفعة زائلة.

يقول سبحانه وتعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا} [المائدة: 2].

ففي الحروب الصليبية -في عهد صلاح الدين الأيوبي- كان المسلمون يفون بعهودهم رغم كثرة الغدر من قبل الصليبيين، امتثالاً لقوله تعالى: {وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخَائِنِينَ} [الأنفال: 58].

فالميثاق لا يُنقض غدراً حتى حين تخاف الخيانة وإنما يعلم العدو أن الميثاق قد انتهى بسبب الخيانة من جانبه، وأن العلاقة هي علاقة الحرب [انظر: جاهلية القرن العشرين، 160-161].

5- أن نعلم أن نقض العهود من شيم المنافقين والكفار: عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر»، وفي رواية ابن عفان: «خصلة بدل خلة والباقي سواء» [رواه مسلم في الصحيحٍ].

عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» [متفق عليه].

والغدر من شيم أخلاق أوروبا الحديثة، ومعاهدات الحلفاء مع العرب في القرن الماضي ونقضهم للعهود، وتقسيمهم للبلاد وتشريدهم للعباد خير شاهد على ما نقول. وما تزال هذه المفاهيم المنحرفة هي السائدة في عالم السياسة شرقاً وغرباً مع الأسف، ولكن حذر المؤمنين -الذين يعبدون الله على بصيرة- لا يفسح المجال لألاعيب الساسة وخبث الماكرين.

-- مراد بن أحمد القدسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*