السبت , 10 ديسمبر 2016

حاسّة السمع

يقول جلَّ وعلا في توضيح حالة المعاندين لشرع الله، المنصرفين عن اتّباع هدي المرسلين {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ} (44) سورة الفرقان، ويقول سبحانه: {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا} (179) سورة الأعراف، 

فالسمع الذي موطنه الأذن وهي المرحلة الأولى للوعي والتعقّل، وللسمع مكانة وله أهمية كبيرة بالإدراك والفهم. 

ومن أهمية هذه الحاسة بالنسبة للإنسان نجدها مقدمة في الدعاء المأثور على البصر، كما وردت الدلالة عليها في القرآن الكريم أكثر من 160 مرة، وهذه نعمة يجب أن يقدّرها الإنسان حق قدرها، ويحاسب نفسه فيما يستخدمها من أجله، ويراعي مكانتها ليعرف ما تستحق أن توضع فيه، ذلك أن الإنسان مسؤول عن حاسته هذه، والدور الذي سخَّرها الله من أجله. 

فالإنسان الذي خلقه الله في تناسق بديع، وتكوين جميل، وخِلْقة متكاملة، قد فضَّله بارئه على كثير من مخلوقاته، برحمة منه وإحسان، إذ هناك في جسمه، من العجائب والغرائب، ما لا يدرك كنهه إلا الله، وما ذلك الفضل الذي منحه الله إلا من تكريمه: علماً واسعاً، ويقيناً كاملاً، إذْ هناك مؤلّفات كاملة، في وصف كامل لتكوين الإنسان العضوي، والأذن التي هي موطن السمع، واحدة من الأجهزة العديدة في الجسم البشري ينبئ عملها، وإحكام ترابطها في الأداء على عظمة الله، وكمال قدرته سبحانه. 

يقول الدكتور عبد الرزاق نوفل في كتابه: العلم يدعو للإيمان، إن جزءاً من أذن الإنسان (الأذن الوسطى)، هو سلسلة من نحو أربعة آلاف حنيّة (قوس) دقيقة معقّدة متدرّجة بنظام بالغ في الدقة والصغر، وفي الحجم والشكل ويمكن القول بأن هذه الحنيات تشبه آلة موسيقية، ويبدو أنها معدة بحيث تلتقط، وتنقل إلى المخ بشكل ما، كل ما وقع صوت أو ضجة من قصف الرعد إلى حفيف الشجر، فضلاً عن المزيج الرائع، من أنغام كل أداة موسيقية، في الأوكسترا ووحدتها المنسجمة (يراجع كتابه هذا). 

وإن تقدم الطب، معه صارت حاسة السمع، ميداناً فسيحاً مستقلاً، فإنه لا يزال أمام الأطباء المتخصصين مجالاً للزيادة وكشف خفايا الأذن لأن الطب والأبحاث في تقدّم مستمر. 

وقال ابن قيم الجوزية في كتابه التبيان في أقسام القرآن، قد جعل الله سبحانه الأذنان: قد شقهما تبارك وتعالى في جانبي الوجه، وأودعهما من الرطوبة، ما يكون معيناً على إدراك السمع، وأودعهما القوة السمعية، وجعل سبحانه في هذه الصددية انحرافات واعوجاجات، لتطول المسافة قليلاً، فلا يصل الهواء إلا بعد انكسار حدته، فلا يصدمها وهلةً واحدةً، فيؤذيها، وأيضاً فلا يفاجئها الداخل إليها، من الدبيب والحشرات، بل إذا دخل إلى عوجة من تلك الانعطافات، وقف هناك فسهل إخراجه. 

وكانت العينان في واجهة الوجه، والأذنان في جانبيه، لأن العينين محل الملاحة والزينة والجمال، وهما بمنزلة النور الذي يمشي بين يدي الإنسان، وأما الأذنان فكان جعلهما في الجانبين، لكون إدراكهما لما خلف الإنسان، وأمامه وعن يمينه وعن شماله، سواء، فتأتي المسموعات إليهما على نسبة واحدة، وخُلقت العينان بغطاء والأذنان بغير غطاء، وهذا في غاية الحكمة، إذ لو كان للأذنين غطاء لمنع الغطاء إدراك الصوت، فلا يحصل إلا بعد ارتفاع الغطاء، والصوت عرض لا ثبات له، فكان يزول قبل كشف الغطاء بخلاف ما تراها العين، فإنه أجسام وأعراض لا تزول، فيما بين كشف الغطاء وفتح العين، وجعل سبحانه الأذن عضواً غضروفياً ليس بلحم مسترخٍ، ولا عظم صلب، بل هي بين الصلابة واللين فتقبل بلينها، وتحفظ بصلابتها ولا تصدع انصداع العظام، ولا تتأثر بالحر والبرد، والشمس والسموم، تأثر اللحم، إذ المصلحة في بروزها، لتتلقى ما يرد عليها من الأصوات والأخبار (ص 306 – 307). وإن مما يزيد المرء يقيناً بالله، وتبصّراً في عظم قدرته، وإيماناً بكمال إرادته، ما يتراءى أمامه من عجائب لأي جزء في جسم الإنسان كجهاز السمع مثلاً، بعدما تكلم المختصون في دقائق هذا الجهاز، وخصائص العمل. 

والدكتور محمد البار، واحدٌ من أولئك الذين ألّفوا في الطب فهو يقول في كتابه خلق الإنسان: يتكون جهاز السمع من الأذنين والقناة السمعية الخارجية، وكل أذن بأجزائها الثلاثة، وملحقاتها: 

1 – الأذن الخارجية: وتشمل صوان الأذن، والقناة السمعية الخارجية، وهي تجمع الأصوات. 

2 – الأذن الوسطى: وهي قناة عظيمة غضروفية، بها غشاء الطبلة وعظام الأذن الثلاثة: المطرقة والركاب والسندان، ووظيفتها نقل الأصوات إلى الأذن الداخلية. 

3 – الأذن الداخلية: وهي الجهاز الخاص المستقبل للأصوات والذي ينقلها بواسطة عصب السمع إلى المخ. 

يبدأ عند المولود في الأسبوع الثالث (منذ بدء التلقيح) شق صغير أو حفرة على جانبي الرأس، وتتحول هذه الحفرة، إلى حويصلة في الأسبوع الرابع، وتستطيل هذه الحويصلة، بعد ذلك لتكون الدهليز السمعي، وفي الأسبوع السادس تتكون الأذن الداخلية من القنوات الهلالية والقوقعة. 

وتتصل في نهاية الأسبوع السادس بالعصب السمعي، كما جاء في الحديث الشريف: (إذا مرّ بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة، (ستة أسابيع) بعث الله ملكاً فصوّرها وشق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها). 

أما عظام الأذن الوسطى فتتكون من تلك الأقواس البلعومية، التي تشبه الخياشيم (القوس الأول على وجه الخصوص) ويبدأ تكوينها من الأسبوع الخامس. 

وكذلك يتكون صوان الأذن، من نتوءات من القوس البلعومي الأول والثاني (الخياشيم) تبدأ في الظهور في الأسبوع الخامس، وتتكامل تقريباً في الشهر الرابع، وتصبح كاملة في بداية الشهر الخامس (خلق الإنسان 175 – 176). 

هذه النقلة في التكوين، والتسلسل في التدرّج والكمال، لم تأت مصادفة أو عبثاً، ولكنها تقدير من عزيز حكيم، قدّر لكل شيء عمله مع نشوء الجسم، فكان للسمع دوره في التدرج والتكوين، منذ أن تخلَّق هذا الجنين في بطن أمه، حتى يقدّر الله له الخروج للحياة بشراً سوياً، متناسقاً في أعضائه كما قال سبحانه: {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (4) سورة التين. 

وإن العلماء الذين أخبر الله عنهم، بأنهم أكمل الناس خشية لله، لأن الدقائق المحكمة في قدرة الله هم أقدر من غيرهم على إيضاح المعجزات فيها، وإبراز دقة الأداء في العمل، وتفنيد الخفايا التي لا يدركها إلا العالمون وهم من خصَّهم الله بالقدرة والفهم عند الغوص على الدقائق، والتعرّف بالحس الإيماني والخشية لله، على ما يحتوي عليه الجهاز السمعي، من أحاسيس ولاقطات، تترجم الأصوات إلى مؤثرات وانفعالات. 

والأطباء المختصون في معالجة السمع، بدأبهم وبحثهم عن الجديد في حاسة السمع، هم من العلماء الباحثين في خفايا الجسم البشري ولكي يأتوا بكل جديد، استعانوا بالباحثين ومراكز البحث فجزّءوا كل اختصاص في الجسم إلى جزئيات متعددة ولا يزالون تنطبق عليهم الآية الكريمة {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (85) سورة الإسراء. 

إذ قد أودع الله في كل جزئية في جسم الإنسان، جنوداً خفية: في السمع والبصر والفؤاد، وكل حاسة فيه أو خلية، تحافظ عليه، أو تنقل مهمة هذا، إلى أجزاء من الجسم، أو تصوّر أي صوت، بأعمال ونتائج وتعبيرات كما هي الحالات الكثيرة في العجماوات: من طيور وزواحف وبهائم وغيرها حتى الحشرات فكل هذه لديها حاسة في السمع، وترجمة ذلك بأعمال خاصة، وقد يكون منها من يقابل الفعل أو القول بعمل عدواني. 

فسليمان بن داود أعطاه الله حاسة بفهم لغة الطير وبعض العجماوات، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فَهِمَ ما لدى جمل من شكوى، وأن صاحبه يجيعه ويثقل عليه، ونقل الشكوى لصاحبه، وهذا وغيره فيه أن حاسة السمع لها أهمية في الكائنات كلها، ولله في خلقه شؤون. 

إن الطبيب عندما يشرح بعض الوظائف التي ظهرت أمامه بالدراسة في حاسة السمع التي هي من عجائب قدرة الله، ومن العلم القليل الذي تعلّمه البشر، فإنما هي من العجائب والغرائب التي تتضح للناس بأن هذه لم تأت عبثاً، أو لم تكن مفهومة مصالحها، والعلم بحر واسع. 

أما أصحاب الصناعات التي سهل فهمها، وقد هداهم الله بما عرفوا ظاهرياً من أسرار السمع وحاسته، وطريقة أخذ الأصوات وتوصيلها لمركز الإحساس، لأمور يستفيدون منها في حياتهم كاختراع الرادار، والغوص على أسرار الصّدمات الصوتي، وطرق انعكاساتها، ثم في ترجمة الأصوات إلى أحاسيس وغير ذلك لكي ينتفعوا بذلك في أعمالهم الدنيوية، فقد وفَّقهم الله لصناعة العدسات السمعية لمن ثقل سمعه. 

وقد سألت كفيفاً عن أيهما أكثر أهمية عندك: السمع أو البصر وأيهما تفضّل، لو قدّر لك الاختيار؟ 

قال: أختار السمع على البصر، للأسباب التالية: أولاً لأن الله سبحانه في آيات كثيرة من القرآن الكريم قدَّم السمع على البصر لأهميته، ثانياً: إذا كنت جالساً في مجتمع وهم يتحدثون أشاركهم وأفهم منهم بالسمع. ثالثاً: أما لو كان نظري معي ولكن فقدت السمع فإنني لا أستطيع فهم ما يدور عند الناس كلهم فأكون منعزلاً عن الناس. 

وهذا من سرّ تقديم السمع على البصر في القرآن الكريم وتفضيله. 

وقرأت بحثاً علمياً عن الطفل في بطن أمه، وهو طويل خلاصته، أن الله فتح عنده حاسة السمع قبل نفخ الروح، وبعد نفخها صار يسمع دقات قلب أمه فيأنس بها وهذا أول تعلّقه بأمه، فإذا تمت ولادته كلما صاح وحملته أمه على صدرها فإنه يسكت لسماع دقات قلبها ونبضه، وهذا من أسرار فائدة حليب الأم في الرضاعة، لأن عنده إحساس، وقالوا لو ماتت أمه وهو في بطنها، ولم يسرع بإجراء عملية لإخراجه، فإنه يموت لأنه فقد دقات قلب أمه، وبعض الأطفال لما منحهم الله لا يرغبون الرضاعة بثدي امرأة غير أمه، لفقدانه الدقات التي تعوّدها، فسبحان الخالق العليم الذي يملك السمع والبصر، والذي جعل للبشر أسماعاً وأبصاراً وأفئدة لعلهم يشكرون. 

 

————–

نقلاً عن الجزيرة السعودية

-- د.محمد بن سعد الشويعر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*