الخميس , 8 ديسمبر 2016

من نحن..؟! 1-2

كنا إلى وقت ليس بالبعيد مجتمعاً متقارب التفكير والاتجاه والاهتمامات؛ كان يحتوينا شعور خفي بأننا أبناء بيت واحد، أو منتمون إلى أسرة واحدة، كان الشيخ المسن عميق التديُّن والصلاح والتقوى لا يأنف ولا يستكبر أو يخشى إثماً في مجالسة شباب ما زال في سن الطيش وقد يلحظ عليهم ما يلحظ مما يستكرهه أو لا يحبذه، وهو يعلم عنهم كل العلم ما هم عليه مما يعيبه؛ كتأخُّرهم في أداء الصلاة جماعة، أو سماع الأغاني، أو التدخين، وهو إن مرَّ على نفر منهم وقد تباطؤوا في اللحاق بصلاة الجماعة أو فاتتهم أو تخلفوا فلم يصلوا لم يعنّفهم أو يطاردهم أو يدفعهم دفعاً بعنف إلى «الجمس» كي يؤدبوا هناك في المركز وتلسع أظهرهم سياط لاهبة ثم يُكتب عليهم تعهُّد بعدم العودة إلى ذلك، فأين الموعظة الحسنة إذن هنا، وأين الرفق في المعاملة؟ وأين التأسي بقول الله تبارك وتعالى عن نبينا الكريم عليه أفضل وأزكى السلام «{وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}.

كان مجتمعنا خلواً من التقسيم والتفريق والتحزيب، كنا متشابهين في كل شيء حتى في الثروة والغنى، فلم يكن بيننا ذلك العدد الكبير من ذوي الثراء الفاحش، كما أنه لم يكن بيننا أيضاً من نستطيع القول إنهم طبقة كبيرة من الفقراء بحيث لا نخطئ إن أسمينا أنفسنا آنذاك بأننا فقراء! كنا متقاربين في حالات الغنى والإقتار، وفي مساحات المنازل وشكل الملابس ونوع المأكل والمركب.

لم يكن بيننا من يظهر على الناس نافياً فئة منهم عن دين الله، وشاتماً إياهم على المنابر بتهم العلمانية والليبرالية والمروق من الدين إن قرأ عبارة لم ترق له هنا أو هناك، أو سمع رأياً لم يتفق وما تطبّع عليه أو ألفه، ولم يكن بيننا أيضاً من لا يصلي في هذا المسجد أو ذاك لأن إمامه تبليغي متصوف، أو إخواني حزبي مبتدع، أو سلفي جامي منافق!

لقد انقلبنا على أنفسنا خلال عقود مرت من السنين ونحن لا نعلم ما يحدث أو لا ندرك كل الإدراك ما كان يجري من تنشئة وتهيئة واستقطاب وحراك متقاطع كل حزب بما لديهم فرحون!

اشتغلت جماعة الإخوان المسلمين بعد أن استضفنا رموزها المؤثرة الفاعلة حين سجنت وعذبت وطوردت فكانت بلادنا المنزل الرحب المضياف لهم؛ ولكنهم لم يدعوا فكرهم الذي طُوردوا بسببه هناك في ديارهم؛ بل حملوه معهم إلينا وأخذوا يزرعونه فسيلاً فسيلاً بين شبابنا المجبول على الفطرة السمحة الطيبة، شبابنا الغض الطيب المهلل والمرحب بكل ما يمت بصلة إلى الإسلام وقضايا المسلمين؛ فألقت الجماعة إلى آذان أبنائنا مفهومات لم يسمع بها من قبل، فخلبت لبه وتعلق بها دون أن يدرك في البدء مضامينها التكفيرية العنفية؛ سمع أول ما سمع مصطلحات «جاهلية العصر – الحاكمية – المجتمع المسلم – الغواية والرشد – الحكم بما أنزل الله – البعث الإسلامي» فكانت نواة لبدء تطبيق هذه المفهومات القطعية على مجتمعنا ليخرج من بعد جيل جديد يرى أننا لسنا على هدى، ولسنا المجتمع المسلم الذي يحتكم إلى شرع الله، بل نحن نعيش جاهلية جديدة أكثر ضلالاً وغواية من الجاهلية الأولى، فكانت هذه نواة الفكر التكفيري الذي قتل وخرب وأفسد في الأرض إلى اليوم.

… يتبع

ksa-7007@hotmail.com 

———————

نقلاً عن الجزيرة السعودية 

-- د.محمد عبدالله العوين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*