السبت , 10 ديسمبر 2016

اتجاهات تصويتية:

جاء الحكم في محاكمة الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك ونجليه، علاء وجمال، ووزير داخليته الأسبق حبيب العادلي، وستة من مساعديه، ليفجر موجة جديدة من الاحتجاجات في الشارع المصري، ويثير خلافا جديدا بين المصريين، جمهورا وقوى سياسية على السواء. تكشف تلك الاحتجاجات والخلافات عن أن الأسئلة التي كان يتعين أن تجيب عليها تلك المحاكمة لا تزال قائمة، بل ازدادت، متجاوزة حدود ساحة القضاء التي يبدو أن الاحتكام إليها ليس كافيا لحسمها وبناء توافق بشأنها. وهنا، يثور السؤال حول دلالات تلك المحاكمة، وتداعيات ذلك الحكم، ليس على الساحة المصرية فقط، ولكن كذلك على الصعيد الإقليمي الذي تمثل الحالة المصرية، لأسباب عديدة، نموذجا للتطورات التي قد ينتجها خضم الثورات العربية الراهنة.

ونظن أن نقطة البدء المناسبة للبحث في تلك الدلالات والتداعيات هي الأسئلة المباشرة التي أثارها مضمون الحكم حول أسباب الحكم على مبارك والعادلي بالمؤبد في قضية قتل المتظاهرين إبان الثمانية عشر يوما التي انتهت بتنحي مبارك عن الحكم يوم 11 فبراير 2011، مقابل تبرئة مساعدي العادلي الستة، والذين يفترض أنهم أدوات العادلي لتنفيذ عمليات قتل المتظاهرين. التصور السائد في التحليلات والتغطيات الصحفية المنشورة، وكذا في الحوارات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، أو عبر الفضائيات المختلفة، تشير إلى تصور عام يقول إنه إذا كانت هيئة المحكمة قد تيقنت من توافر أدلة التحريض على قتل المتظاهرين في حق مبارك والعادلي، فإن تلك الأدلة كان من المفترض أن تكون كافية في حق من تم تحريضه لتنفيذ تلك الجرائم. ولكن هيئة المحكمة رأت أن تلك الألة غير كافية لإثبات تهمة المشاركة في قتل المتظاهرين على مساعدي العادلي.

تأويلات مختلفة:

بدون الدخول في تفنيد حجة عدم كفاية الألة تلك التي استند إليها حكم التبرئة المشار إليه، حيث إن ذلك ليس مناط هذا التحليل، فضلا عن عدم توافر أدواته لكاتب هذا المقال، فإن قراءة التداعيات السياسية لهذا الحكم تكشف عن أحد افتراضين، أسهما في تفجير موجة الاحتجاجات اللاحقة للحكم في الشارع المصري.

أولهما: أن تكون الألة غير كافية لإثبات الجرم، تحريضا ومشاركة وتنفيذا، وأن يكون ذلك يسري في حق مبارك والعادلي كذلك، وبالتالي فإن الحكم في صيغته تلك قد يكون حكما سياسيا يستهدف تهدئة الشارع المصري قبل الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الأولى بعد ثورة 25 يناير. وتفسر قوى سياسية مختلفة تلك التهدئة باعتبارها محاولة لنفي الادعاءات بوجود مؤامرة لإعادة إنتاج النظام القديم، وهي الادعاءات المرتبطة بالمرشح في جولة الإعادة، الفريق أحمد شفيق، استنادا إلى المناصب الوزارية التي تقلدها في ظل حكم الرئيس السابق مبارك.

وفي الواقع، فإن تفجر تلك الاحتجاجات يكشف عن عدم فاعلية المنطق الذي ينبني عليه افتراض المؤامرة هذا، حيث تفجرت الاحتجاجات، ولم يكن الحكم بأي حال لإحداث تهدئة سياسية واسعة. بل لقد شهدنا، مثلما سيلي بيانه، محاولة استغلال سياسية لهذا الحكم من قبل قوى سياسية عدة متباينة لكسب شعبية في الشارع في مواجهة ما يعرف ببقايا النظام السابق. بعبارة أخرى، فإن الحكم في صيغته تلك لم يقض على ادعاءات إعادة إنتاج النظام السابق، في ظل محاولة فرض بعض القوى قراءة له، باعتباره حكما سياسيا يهدف لتهدئة الشارع ومخاتلته. وبالتالي، فإن الحكم، وفقا لتلك القراءة، يمكن أن يعمل في مصلحة كلا الطرفين، وفقا لتأويله له.

أما ثاني هذين الافتراضين، فينطلق من واقع عدم كفاية الأدلة الذي استند إليه حكم تبرئة مساعدي العادلي. ويمكن أن نتبين ثلاثة تأويلات سياسية رئيسية لهذا الواقع، اثنان منها يصبان في مصلحة التيار المتسربل بشعار الثورة، سواء تمثل في قوى مدنية أو إسلامية. التأويل الأول ينصرف إلى أن عدم كفاية الأدلة ناتج عن عملية منظمة للتخلص منها، قامت بها عناصر ومؤسسات عدة منتمية للنظام السابق، ولا تزال قائمة، بل ومؤثرة في جهاز الدولة. وفق تلك القراءة، فإن هذه العناصر والمؤسسات تحاول إما حماية عناصره التي تمت إزاحتها من السلطة، أو حتى حماية نفسها. أما التأويل الثاني، فهو يستند للمنطق ذاته، لكنه يحمل مسئولية عدم جمع الأدلة اللازمة للإدانة للنائب العام. ويرى هذا التأويل وأنصاره النائب العام جزءا لا يتجزأ من النظام السابق، وتجب إزاحته هو الآخر. بل إن الاتهامات في هذا السياق وجهت كذلك إلى هيئة المحكمة ذاتها، وهو ما تبدى في الشعارات التي رفعت تدعو إلى “تطهير القضاء”، خلال الاحتجاجات التي تفجرت عقب صدور الحكم.

وفي الواقع، فإن كلا التأويلين السابقين، بافتراضاتهما تلك، إنما يعكسان واقع الصراع السياسي الدائر حاليا في محاولة من قوى سياسية تدخل باندفاع إلى فضاء الحكم، وصنع القرار في مصر، لمحاولة السيطرة على مؤسسات في الدولة المصرية، ظلت بشكل ما محظورة عليها، إن لم تكن معادية لها، كوزارة الداخلية والقضاء. وهكذا، فإن هذين التأويلين بقدر ما يتجاهلان تعقيد وقائع القتل ذاتها، وصعوبة جمع أدلة بشأنها، فإنهما يعكسان، في جزء منهما، صراعا بدأت تتبلور ملامحه منذ فترة، في إطار محاولة تفكيك هيكل معين لتوزيع القيم السياسية والمناصب البيروقراطية في جهاز الدولة، وإحلال هيكل آخر يتيح لقوى بعينها فرصة الوصول إلى تلك القيم والمناصب، إن لم يكن الاستحواذ عليها.

التأويل الثالث يعمل في اتجاه معاكس تماما، وإن كان كذلك في إطار التنافس على الكتلة العريضة من الشعب المصري غير المنتمية للتيارات السياسية التي تبني وجودها استنادا إلى رفع شعارات الثورة، أو محاولة الالتحاق بها. هذا التأويل ينصرف إلى أن عمليات القتل قامت بها عناصر خارجية تسللت إلى داخل البلاد قبل يوم 28 يناير 2011، الذي عرف بـ “جمعة الغضب”، أو حتى تيارات سياسية داخلية معارضة تقليديا للنظام السابق، حيث يوجه الاتهام تحديدا، في هذا الإطار، إلى عناصر من جماعة الإخوان المسلمين. ومن البديهي أن هذا التأويل يقف وراءه جناح الفريق أحمد شفيق، إلا أنه أقدم من ذلك بكثير، وتردد على لسان عدد من المسئولين الأمنيين السابقين في نظام مبارك، بمن في ذلك وزير الداخلية الأسبق العادلي، ورئيس جهاز المخابرات العامة السابق، عمر سليمان.

ويمكن تبين عناصر موقف أنصار هذا التأويل ومن يتبنونه في الآتي. أولا: رفض افتراض تقصير أجهزة الدولة المصرية في جمع الأدلة، وبالأحرى التخلص منها. ثانيا: المطالبة باحترام أحكام القضاء، ونفي افتراض أنها موظفة سياسيا. وهذا الموقف الأخير، تحديدا، كان صريحا في المؤتمر الصحفي للفريق أحمد شفيق، يوم الأحد 3 يونيو 2011. ومن شأن هذين الموقفين دحض دعاوى المطالبة بإحداث تغيير، أو ما تسميه بعض القوى “تطهيرا” واسع النطاق في بعض أجهزة الدولة ومؤسساتها، وفي هذا الإطار تحديدا، الداخلية والقضاء. فهذا الموقف بدوره لا يمكن فصله، سواء في منطلقاته، أو تداعياته عن الصراع الدائر على مؤسسات الدولة في المرحلة الحالية. والأهم أن هذا التأويل ينفي فكرة الشرعية الثورية عن بعض القوى التي التحقت بالثورة متأخرا، وتحديدا جماعة الإخوان المسلمين، كتنظيم، فضلا عن إضعاف مساعيه لزيادة فرص تغلغله في مؤسسات الدولة، خاصة الأمنية والقضائية.

يمكن الخلاصة من العرض السابق إلى أن تلك المحاكمة والحكم الذي صدر فيها، لا يقتصر بأي حال على ساحات القضاء، بل إنه موضوع للصراع السياسي الدائر في مصر، سواء من حيث التأويل، أو التوظيف لاكتساب الشرعية أو نفيها، ولتحديد حدود ودوائر التغيير التي يجب استهدافها من عدمه.

دلالات الحكم وتداعياته:

ينقلنا التحليل السابق مباشرة عند هذه النقطة إلى محاولة تبين تداعيات المحاكمة والحكم ودلالاتهما على جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة المصرية الأولى بعد ثورة 25 يناير. والدلالة الرئيسية للمحاكمة والحكم الصادر فيها هي غلبة السياسي على القانوني في قراءتهما، حيث تبدو بجلاء محاولات توظيفهما سياسيا، في إطار خطاب التنافس الانتخابي، وفق التأويلات التي سبقت الإشارة إليها. وكان التصور الأولي للتأثير المفترض للحكم فى الاتجاهات التصويتية والرأي العام يقول إن أحكاما مخففة ستكون ضد مصلحة المرشح الفريق أحمد شفيق، من خلال دعم دعاوى إعادة إنتاج النظام السابق، ومحاولة حماية عناصره المزاحة من السلطة، فضلا عن تلك التي يفترض أنصار تلك الدعاوى أنها لا تزال موجودة في مؤسسات الدولة.

إلا أن الحكم، وعلى الرغم من التباين الشديد بين عقوبة المؤبد فيه للرئيس السابق، ووزير داخليته، وتبرئة بقية قيادات وزارة الداخلية السابقيين، فإنه لم يفض إلى إحداث هذا التأثير المتصور مبدئيا بشكل كامل. وكان الحادث بشكل رئيسي هو اختلافا في قراءة الحكم من قبل قطاعات الرأي العام وانقسامها حوله. وكانت النتيجة المباشرة بالتالي هي فتح المجال واسعا أمام التأويلات المشار إليها آنفا، في محاولة من قبل التيارات السياسية المختلفة للتأثير فى الرأي العام. وفيما يلي، سنحاول تبين تأثيرات تلك التاويلات فى الكتل التصويتية المختلفة الآخذة في التشكل، عقب جولة الانتخابات الرئاسية الأولى.

أفرزت الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة المصرية استقطابا بين ثلاث كتل تصويتية رئيسية -وهي بدون أي دلالة للترتيب:

1- الكتلة المؤيدة لانتخاب المرشح الإخواني الدكتور محمد مرسي، ونلمح في إطارها اصطفافا من التيارات الإسلامية المختلفة، إضافة إلى بعض القوى الموصوفة بـ “الثورية”، والتي ترى أن المرشح المنافس الفريق أحمد شفيق هو إعادة إنتاج للنظام السابق، أو مرشح ما يسمونه “حكم العسكر”، في إشارة إلى انتمائه السابق إلى القوات المسلحة. ويبدو أن اتجاهات هذه الكتلة تجاه التصويت لن تتأثر بشكل يمكن أن يحدث فيها تحولات مهمة، أو ذات شأن نتيجة الحكم أو الجدل الذي أثاره. ذلك أن محددات الموقف التصويتي لتلك الكتلة لا ترتبط بتداعيات الحكم أو تأويلاتها، وإنما ترتبط بقراءة أبعد لهيكل السلطة القائم بالفعل منذ تنحي الرئيس السابق يوم 11 فبراير، وضرورات تغيير هذا الهيكل بشكل جذري.

2- الكتلة المؤيدة لانتخاب المرشح الفريق أحمد شفيق، ونلمح في إطارها في المقابل اصطفافا لقطاعات شتى ومتباينة الانتماءات الأيديولوجية والسياسية. حيث يبدو أنها تضم بعض القطاعات المجتمعية التي كانت مستفيدة من الأبنية الاقتصادية والسياسية السابقة للثورة، والتي تخشى أن يؤدي تغيير أوسع من ذلك الذي تم بالفعل في مؤسسات الحكم وصنع القرار إلى محاولة إحداث تغيير جذري في الأبنية الاقتصادية والاجتماعية، يتجاوز مجرد إصلاحها إصلاحا منضبطا.  وبالتالي، فإن تلك القطاعات تخشى التأثير المرجح لمثل تلك التغييرات الجذرية فى مصالحها وأوضاعها في النظامين الاجتماعي والاقتصادي.

ويرتبط بهؤلاء بدرجة ما بعض القطاعات، ربما الأدنى في البناءين الاقتصادي والاجتماعي، ولكن التي أضيرت كثيرا نتيجة التأثيرات السلبية لعدم الاستقرار الذي أعقب الثورة فى الأوضاع الاقتصادية والأمنية. حيث يرجع هؤلاء جزءا كبيرا من عدم الاستقرار هذا إلى خلافات القوى السياسية التي صعدت على أكتاف الثورة، وما رآه كثيرون “انتهازية” بعض تلك القوى التي غلبت مصالحها السياسية الحزبية والتنظيمية الضيقة على مصلحة البلاد العامة.

كما يبدو أيضا وجود اصطفاف للعنصر المسيحي في المجتمع المصري، إلى جانب القوى الرافضة لفكرة “الحكم الديني”. ويخشى هؤلاء فرض حكم ديني، في حال الانتصار للمرشح الإخواني، وذلك بغض النظر عن تأييد تلك القوى لمطالب التغيير الثورية من عدمه. وبالمثل، فإن ظن كاتب هذا المقال أن تأثر أعضاء تلك الكتلة، خاصة رافضي ما يسمى “حكم العسكر” بينهم، سيكون محدودا بالحكم وتأويلاته. حيث يبدو أن قراءة تلك القطاعات للواقع الانتخابي تغلب قراءة الاستقطاب “الديني-المدني” على قراءة “الثورة-الثورة المضادة” السائدة لدى بعض قطاعات الكتلة السابقة.

3- الكتلة الرافضة لكلا الخيارين، وهي كتلة لا يمكن بأي حال التقليل من وزنها، بالنظر إلى حجم التصويت في الجولة الأولى، والذي اتجه إلى مرشحين آخرين، خلاف المرشحين اللذين تجري بينهما جولة الإعادة بالفعل. تلك الكتلة تتجاوز نصف عدد المصوتين في الجولة الأولى، ويمكن افتراض زيادتها بشكل كبير، بالنظر إلى أن الممتنعين عن التصويت تجاوز عددهم أيضا نصف هيئة الناخبين المصريين. تلك الكتلة تعد موضوع التنافس الرئيسي من قبل طرفي سباق الانتخاب الرئاسي في جولته الثانية، ومن خلال التأويلات المختلفة التي تم طرحها للحكم وتداعياته، ومن خلال الاتهامات المتبادلة في إطاره.

في هذا السياق، يلاحظ أن تلك الكتلة طرحت بديلين رئيسيين لتحديد موقفها التصويتي، أولهما: الدعوة إلى توافقات مع جماعة الإخوان المسلمين تحديدا من أجل توفير ضمانات لاقتسام السلطة والمشاركة في اتخاذ القرار، مقابل دعم مرشح الجماعة لمنصب الرئاسة. أما ثانيهما، فهو الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات، ولكن بشكل واسع، بهدف التأثير فى قدرتها التمثيلية، وبالتالي فى شرعية الرئيس المقبل كممثل لأغلبية الشعب المصري. ويبدو أن هذه الكتلة كانت تتجه نحو تغليب بديل المقاطعة، في ظل عدم رغبة جماعة الإخوان في القبول بمطالب التوافق، والتي رأتها ابتزازا، سواء في مضمون جزء منها، أو في شكلها المقترح، وهو توقيع وثيقة مشتركة.

هذا الموقف كان سيضر بالتأكيد بفرص جماعة الإخوان المسلمين، خاصة مع افتراض إمكانية تحول بعض قطاعات هذه الكتلة للتصويت لمصلحة المرشح المنافس، في ظل ازدياد الشك في نزعة جماعة الإخوان المسلمين إلى الاستحواذ، ومحاولة فرض مشروع ديني لا يستند عملا إلى أغلبية الشعب، مثلما تكشف عنه أرقام التصويت في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. ويبدو أن الحكم قدم لـ “الإخوان” فرصة أخرى لمحاولة التقارب مع هذه الكتلة، من خلال طرح نفسها كمدافع عن حقوق الضحايا الذين سقطوا خلال أحداث الثورة.

وبدا ذلك بوضوح في تصريحات المرشح الإخواني الدكتور محمد مرسي، يوم السبت 2 يونيو 2012، الذي تعهد، في حال فوزه، بإعادة المحاكمة، برغم عدم قانونية هذا الطرح من الناحية الإجرائية. كما بدا هذا السعي بالمثل في تعهد مجلس الشعب ذي الأغلبية المنتمية للتيار الإسلامي، وعلى لسان رئيسه سعد الكتاتني، بـ “القصاص العادل للشهداء والمصابين ومحاكمة المسئولين عن إتلاف الأدلة”، فيما يبدة بوضوح انتصارا لقراءة بعينها لأسباب الحكم، ونفيا ضمنيا للقراءات الأخرى.

وفي المقابل، تبدو الاتهامات التي بدأت تتردد مجددا بشأن تورط “جماعة الإخوان المسلمين” في عمليات قتل المتظاهرين موضوع المحاكمة، محاولة لوأد محاولة التقارب تلك من قبل “الإخوان” مع القوى “الثورية” المعارضة مبدئيا لكلا المرشحين. كما سعى المرشح المنافس الفريق أحمد شفيق للدخول على خط بناء التوافقات، من خلال إعلان قبوله، يوم الأحد 3 يونيو 2012، توقيع وثيقة التوافق التي سبق أن طرحتها بعض القوى الموصوفة بـ “الثورية”، والتي عرفت بـ “وثيقة العهد”.

في خضم هذا التنافس على أصوات تلك الكتلة، فقد تطور موقفها. فإضافة إلى مطالبة بعض عناصرها بإعادة المحاكمة، مما قد يقربها نظريا من “جماعة الإخوان المسلمين” ومرشحها، طرحت العناصر الفاعلة في تلك الكتلة كذلك اقتراحا محددا لتقاسم محدد للسلطة، يتمحور حول مجلس رئاسي يضم المرشح الإخواني، الدكتور محمد مرسي، والمرشحين المنافسين في الجولة الأولى، عبد المنعم أبو الفتوح، وحمدين صباحي، مع تكليف الدكتور محمد البرادعي بتشكيل حكومة ائتلافية. ومن خلال قراءة المواقف السابقة، فإن المرجح ألا يحظى هذا الطرح بقبول “جماعة الإخوان المسلمين” ما يرشح موقف تلك الكتلة للبقاء على حاله من مقاطعة الانتخابات، باستثناء بعض التحولات الهامشية في مواقف بعض عناصرها.

الخلاصة من التحليل السابق تشير إلى أنه على الرغم من حركة الاحتجاجات التي تفجرت عقب الحكم، والتي لم تبلغ، حتى كتابة هذه السطور، حدا ضخما يكشف عن أن الاعتراض على الحكم يمكن أن يكون عاملا موحدا للقوى ذات المواقف المختلفة سياسيا، فإن الواضح أن الغلبة قد تكون للتباين حول قضية اقتسام السلطة. وبالتالي، فإن تاثير الحكم في المواقف التصويتية النهائية لمختلف الكتل، التي تم توضيحها آنفا، يبدو محدودا مقارنة بالقضايا الأخرى. وهنا، يبدو أن بعض الأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد، مثل أزمات البنزين المتكررة، ربما تلعب هي الأخرى دورا محايدا بشكل إضافي لتأثير المحاكمة والحكم.وتبقى أخيرا الإشارة إلى أن تداعيات هذا الاختلاف حول الحكم قد تتجاوز الانتخابات الرئاسية، لتؤثر فى عملية إعادة البناء المؤسسي في مرحلة ما بعد انتخاب الرئيس، أيا ما كان.

المصدر:الأهرام

-- مالك عوني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*