السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الغلو في التكفير و أصوله الفكرية

الغلو في التكفير و أصوله الفكرية

التصنيف : العقيدة والفرق   العقيدة   التكفير والعذر بالجهل

الغلو: هو الزيادة ومجاوزة الحد، وقد جاء النهي الصريح عن الغلو في الدين في الكتاب والسنة، قال الله عز وجل: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} [النساء:171].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» [رواه أحمد والنسائي وابن ماجه].

والتكفير: هو الحكم بالكفر، والتكفير حق لله تعالى ولرسوله وهو ثابت بالكتاب والسنة، قال الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ} [التغابن:2].

والكفر قد يكون أصلياً ككفر الوثنيين وأهل الكتاب، وقد يكون طارئاً وهو الردة، وذلك أن المسلم قد يرتد كافراً بعد إسلامه، قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54].

فالتكفير من حيث الأصل حكم شرعي لا مناص للمسلم من الإيمان به والالتزام به، ولكن تنزيل هذا الحكم الشرعي على واقعه إنما هو شأن العلماء الربانيين والقضاة والمفتين، لاسيما تكفير المعين.

والتكفير نوعان:

تكفير مطلق: وهو إطلاق الكفر على الأقوال والأفعال والاعتقادات المكفرة المخرجة من ملة الإسلام، فيقال: من قال كذا وكذا فقد كفر أو فهو كافر، كأن يقال: من سب الله عز وجل فقد كفر، ومن استعان بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو كافر.

ويقال من فعل كذا وكذا فهو كافر، كأن يقال: من سجد للصنم فهو كافر، ومن ذبح لغير الله فهو كافر وهو ذلك.

والتفكير المطلق كثير في كتاب الله عز وجل وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك في كتاب الله عز وجل قول الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44].

وقوله تبارك وتعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة:51].

وهذا النوع من التفكير هو من رحمة الله عز وجل لأنه رادع للخلق عن الوقوع في الكفر وسد مانع من الخروج عن الإسلام، ولذلك كان العلم به من العلم العام الذي ينبغي أن يشاع وأن يعرفه الخاصة والعامة والكبار والصغار فإن ذلك من النصح للخلق ومن حراسة الدين، وحفظ المسلمين من الوقوع في أسباب الردة والعياذ بالله.

ولم يفهم هذه الحقيقة كثير من المثقفين اليوم، فألقوا باللائمة على العلماء الذين يطلقون، مثل تلك الإطلاقات ولم ينتبهوا إلى أنهم يستخدمون أسلوب القرآن في ذلك، وأنه ليس من لازم ذلك الحكم بالكفر بمعناه الآخر.

والنوع الثاني من نوعي التكفير هو:

تكفير المعين: وهو الحكم على شخص معين بأنه كافر خارج عن ملة الإسلام وهذا بشروطه من عدل الله عز وجل وإقامة شرعه، لذلك فإن هذا النوع من التكفير إنما هو من اختصاص القضاة وكبار المفتين، وهو باب خطير، فإن تكفير المسلم إن لم يصح كفره هو وصف للإسلام بالكفر؛ لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما».

وقبل ذلك قال عز وجل في كتابه العزيز: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} [النساء:94].

فالخطأ بتكفير المسلم الذي لا يستحق التكفير جريمة عظيمة وورطة كبيرة، بل الخطأ بترك تكفير من حقه التكفير أهون من الخطأ بتكفير من لا يستحق التكفير؛ ذلك أن ترك تكفير المسلم هو بقاء على الأصل، فقد ثبت إسلامه بيقين، واليقين لا يزول بالشك.

فلو تمسك باليقين الأول ولو بوجود ذرة شك لكانت حجة ظاهرة، ولم يزل العلماء يقولون: من ثبت إسلامه بيقين لا يزول عنه إلا بيقين مثله، وحسب الإنسان ذرات القلق والشك التي يوجدها اختلاف العلماء في بعض المسائل، وحسبه اختلاف حكم المفتين والقضاة فكي إذا كان أئمة الشأن ومعظم علماء الأمة في جهة عدم التكفير.

وإنما ذكرت هذا لأن الغلاة في التكفير يقولون: لا يجوز ترك تكفير المرتد كما لا يجوز تكفير المسلم، وبينهما فرق ظاهر كما أوضحته، والغلو في التكفير يدخل على نوعي التكفير:

فالغلو في التكفير المطلق يكون باعتقاد أن بعض الأقوال والأفعال من المكفرات المخرجة من الملة وهي ليست كذلك:

– فمن ذلك اعتقاد أن كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر خارج عن ملة الإسلام.

– ومن ذلك اعتقاد أن من أطاع غيره في الحكم بغير ما أنزل فهو كافر ولو لم يكن متقداً ولا مستحلاً.

– ومن ذلك التكفير بالاستحلال العملي لم يجاهر بالمعصية.

– ومن ذلك القول بأن تنظيم المعصية كفر مخرج من الملة.

– ومن ذلك القول بأن كل من أعان كفاراً على مسلم فقد كفر مطلقاً.

– ومن ذلك القول بأن الامتناع عن شريعة متواترة بمجرد ترك العمل كفر مخرج من الملة.

– ومن ذلك أن الوظيفة المفصلية في دولة كافر كفر مخرج من الملة.

وغير ذلك من الاعتقادات والتأصيلات الفاسدة، والذين أصلوا هذه الأصول هم في الحقيقة مفتتحو باب التكفير والتفجير، ومفتتحو باب الفتنة التي تعصف بالأمة اليوم.

وأما الغلو الذي يدخل في تكفير المعين فإنهم ينصبون أنفسهم قضاة على الناس، ويجعلون من طائفتهم جماعة المسلمين التي من حاربها فقد حارب الإسلام ومن كان معها فهو مع الإسلام، ثم يصدرون الأحكام ويهدرون الدماء ثم ينفذون أحكامهم على من قدروا عليه.

وهذا غاية في الانحراف والفساد، فلو أن كل من عنت له نفسه أصدر أحكامه على الناس وقضى فيهم بما تمليه عليه آراؤه لما استقرت الحياة لماج الناس ووقع الهرج واختلط الحابل بالنابل.

ثم إن قاعدة تكفير المعين لابد فيها أولاً من ثبوت الحكم على المعين وثبوت صدور القول المكفر أو الفعل المكفر، وهذا لا يتأتى إلا بالقضاء.

ولابد في تكفير المعين ثانياً من وجود شروط التكفير في المعين انتفاء الموانع من الجهل والخطأ والتأويل ونحو ذلك، وكل ذلك لا يتأتى إلا بالقضاء الشرعي لإقامة الحجة، فإن الإسلام إنما جاء لهداية البشر لا لإبادة البشر.

لكن الشيطان أوحى إلى هؤلاء الغلاة بما يتجاوزون به ذلك كله، وبعدم استعمال قاعدة التكفير من ثبوت الشروط وانتفاء الموانع، حتى جعل قلوبهم بما أوحاه إليهم من نفثاته! مطمئنة لما تعتقده من تكفير وقتل دون استعمال لقاعدة التكفير، ذلك أن الشيطان أوحى إليهم أن هؤلاء الناس من الحكام وجيوشهم وأمنهم، إنما هم من الطوائف الممتنعة والطائفة الممتنعة لا يجب النظر في أفرادها للحكم عليهم بالكفر والقتل، بل يحكم عليهم في الجملة دون نظر إلى ثبوت شروط وانتفاء موانع، وعلى هذا الأساس فهم كفار مرتدون جملة وعلى الغيب! الحاكم أصالة، ومن شد! حكمه تبعاً.

والحقيقة أن هذه بدعة منكرة وسابقة خطيرة، فكلام الأئمة في التفريق بين علية المقدور عليه وغير المقدور عليه إنما هو في العقوبة والضمان لا في إقامة الحجة، فإذا أقامت الحجة فرقوا بين المقدور عليه وغير المقدور عليه، فالخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا شك أنهم طائفة ممتنعة، وإنما لم يكفروا لتأويلهم ومع ذلك فقد أقام عليهم الصحابة الحجة وأرسل إليهم علي رضي الله عنه ابن عباس رضي الله عنهما فناظرهم ورجع منهم من رجع ثم بعد ذلك قاتلهم الصحابة رضي الله عنهم، فلابد إذاً من إقامة الحجة على الطائفة الممتنعة؟

ثم إن الناس في المجتمعات الإسلامية اليوم ليسو بطائفة ممتنعة، حتى الجيوش وإن كانوا أصحاب منعة فليسوا بطائفة ممتنعة بالمصطلح الفقهي.

فالامتناع لابد أن يكون عن شريعة من الشرائع مع وجود المنعة وعدم القدرة على الوصول إلى الأفراد، وأفراد الجيش والأمن اليوم يعيشون بين الناس، والوصول إليهم سهل ميسور، فهم متواجدون في مجتمعات الناس وفي أسواقهم وفي مساجدهم، بل وليس امتناع الحاكم عن تطبيق بعض الأحكام هو مقصود الفقهاء بالامتناع عن الشريعة، وإنما الامتناع برفض الإقرار ورفض القبول والالتزام بالواجب لا بمجرد ترك العمل والتطبيق، ثم هذه القوات والجنود لا يشعرون بامتناع عن شريعة وقتال دون ذلك الامتناع، فهم حين يدفعون عن الحاكم لا يدور بخلدهم امتناع عن شريعة ولا دفاع عن ممتنع عن شريعة كما هو حال مانعي الزكاة مثلاً، وإنما يدفعون عن الحاكم لأنه رأس الدولة والممثل الأول للنظام بصرف النظر عن مخالفات هذا الحاكم أو ذاك، فكيف يكون هؤلاء طائفة ممتنعة عن شريعة متواترة.

بل الحقيقة أن هؤلاء الغلاة أصّلوا لأنفسهم أصولاً جعلتهم يلتقون مع الخوارج شاءوا أم أبوا.

ولعل من أخطر الأصول الفكرية التي تَؤُز الغُلاة أزّاً إلى التكفير ثم القتل والتفجير هو زعمهم أن تكفير المرتدين من الكفر بالطاغوت والبراءة من الكفر، وذلك من أركان (لا إله إلا الله)، وهو ملة إبراهيم التي أمرنا باتباعها، وألف في ذلك بعض منظريهم رسالة “ملة إبراهيم” والحقيقة أن التكفير الذي هو من صميم التوحيد والبراءة التي هي ملة إبراهيم هي البراءة من الكفر من حيث هو كفر والتكفير للكفار الأصليين من الوثنيين، وأهل الكتاب ومن كفره معلوم من الدين بالضرورة، وأما المسلم الذي أصله الإسلام وقال أو فعل ما هو كفر فالحكم عليه مسألة فقهية تختلف فيها أنظار القضاة والمفتين، فالحكم عليه بالردة من تنزيل الحكم الشرعي على الواقعة فقد يرى أحد المفتين أو القضاة صراحة ما قال أو فعل هذا المعين.

وقد يرى بعضهم أن لهذا القائل أو الفاعل تأويلاً أو عذراً يدفع عنه حكم والتكفير.

فكيف يكون الحال حين يختلفون أيكون تكفيره من التوحيد عند هؤلاء وليس من التوحيد عند هؤلاء؟

ثم كيف يحكم من رآه كافراً، وتكفيره عزه من أصل التوحيد، على من لم يكفره؟ أليس ينظر إليه على أنه مجتهد مخطئ؟ فإذا كان الفريق المخطئ من القضاة والمفتين معذوراً فكيف بعوام الناس وآحادهم؟

إن قول العلماء: “ومن لم يكفر الكافر فهو كافر”، إنما يعنون به الكافر الأصلي، والكافر بالوصف وأما المرتد فمن لم يكفره له وجهة نظره وحسبه أنه متمسك بالأصل وهو الإسلام وهو اليقين محقق وحسبه أنه ولد من أبوين مسلمين فيقين إسلامه ليس فيه أدنى ذرة شك ولا ما هو دون ذلك.

ومن الأصول الفكرية للغلو في التكفير القول بأن مسائل الحاكمية والموالاة لا عذر بالجهل فيها لأنها معلومة من الدين بالضرورة؟

كيف وقد خالف الغلاة فيها كبار أئمة السلفية في هذا الزمان وخلفهم ألوف من العلماء والدعاة وطلبة العلم.

فإما أن يكون الحق مع هؤلاء – وهذه هي الحقيقة – أو أن تكون المسألة من الخفاء والصعوبة بحيث جهلها هؤلاء، فكيف تكون معلومة من الدين بالضرورة؟

آن الأوان أن يراجع هؤلاء أنفسهم وأن يراجعوا أصولهم، وأن يلتفت العلماء والدعاة والمصلحون لنقض فكرهم؛ فإن الفكر المنحرف هو الخطر الحقيقي على الأمة بما يجنيه من ويلات، ولكن الفكر المنحرف ليس فكر الغلاة وحدهم، بل فكر الجُفاة كذلك، فإن فكر الجفاة هو الذي ولد فكر الغلاة.

المصدر : منبر علماء اليمن

-- الشيخ/ صالح بن محمد باكرمان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*