السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الرد على هجوم مجلة "ماروك أكتييل على الشيخ المغراوي"

الرد على هجوم مجلة "ماروك أكتييل على الشيخ المغراوي"

حماد القباجالجولة الأولى.. مهلا يا (دكتور الاثنلوجيا)

بعد أن ضاقت شماعة “فتوى زواج الصغيرة” عن حمل المزيد من التهم البالية التي يحاول البعض إلباسها للشيخ المغراوي؛ ارتأى مهاجموه من العلمانيين وغلاة المتصوفة أصحاب الفكر الاستئصالي تغيير (تكتيك) الهجوم، واستدعاء التهمة الأم: “الوهابية” وما تدعو إليه من “طائفية” و”تزمت” و”رجعية” تهدد الإسلام “المغربي الروحاني السمح”!

ونحن لا نعتبر الهجمة على الشيخ المغراوي استهدافا لشخصه؛ بل هي استهداف لتوجه دعوي إصلاحي له جذوره التاريخية وأسسه الشرعية البعيدة كل البعد عن الأكاذيب والافتراءات التي لم يتورع عنها مُدّعو “الروحانية التي قوامها التسامح الفطري”، والذين يقدمون خدمة مجانية لأعداء الإسلام في ذهول كامل عن مقولة الثور المغفل: “ألا إني أكلت يوم أكل الثور الأبيض” ..

دكتور الأنتربلوجيا والإثنلوجيا وعلوم الأديان بين الكذب والمغالطة:

في الحوار الذي أجرته معه مجلة “ماروك أكتييل”، أقدم فوزي الصقلي، -دكتور في الانتربلوجيا والاثنلوجيا وعلوم الأديان-، والمدير المؤسس لمهرجان فاس العالمي للموسيقى الروحية-؛ على ما سمته المجلة: (تشريحا لظاهرة اجتياح التيار الوهابي للمجتمع المغربي) !

وقد أجرى تشريحه هذا؛ بأدوات بالية أوقعته في أخطاء وصلت إلى درجة الكذب الصريح وتزوير التاريخ:

الكذبة الأولى:

قال دكتور الاثنلوجيا: “عاش المغرب تاريخيّاً، قصته مع الوهابية بشكل سريع، ويتعلق الأمر بمولاي سليمان الذي كان قد استقبل وفداً من آل سعود قدم إلى المغرب قصد مد جسور تقارب مع عشيرة عبد الوهاب، وقد تعامل السلطان آنذاك بصرامة مع الوافدين الجدد في محاولة للتأكيد على ثوابت بلده، كما أن وافدي آل سعود جوبهوا بعنف من قبل الشعب المرتبط عميق الارتباط بالتصوف، وبإسلام مقترن بالأولياء، قبل أن تسهم تلك العوامل مجتمعة في دحرهم”اهـ بحروفه.

إن الحقيقة التاريخية تحدثنا بأن السلطان مولاي سليمان لم يستقبل وفداً من آل سعود بل هو الذي أرسل وفدا برئاسة ابنه المولى إبراهيم. وأنه لم يتعامل مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بصرامة ولم يدحرها، بل رحب بها وتبناها لانسجامها مع الدعوة السلفية التي يؤمن بها سلفا.

وسأثبت هذه الحقيقة بنص تاريخي عن مؤرخ مغربي عاصر المولى سليمان:

قال محمد بن أحمد الكنسوسي (ت. 1294هـ/1877م) رحمه الله؛ في كتابه (الجيش العرمرم الخماسي في دولة أولاد مولانا علي السجلماسي) (الجزء 1/ ص 290-292):

“حدثنا جماعة وافرة ممن حج مع المولى إبراهيم في تلك الحجة؛ مثل الفقيه العلامة القاضي السيد محمد بن إبراهيم الزداغي المراكشي، والفقيه العلامة القاضي السيد العباس بن كيران الفاسي (ت. 1271هـ/1854م)، والفقيه الشريف البركة سيدي الأمين بن جعفر الحسني الرتبي (ت. 1259هـ/1843م)، والفقيه الموقت الصادق الأمين السيد عبد الخالق الوديي.

حدث كل واحد منهم؛ أنهم ما رأوا من ذلك السلطان –يعني: سعود- ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة، وإنما شاهدوا منه ومن أتباعه غاية الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام، من صلاة وطهارة وصيام، ونهي عن المناكر المحرمة، وتنقية الحرمين الشريفين من القذرات والآثام التي كانت تفعل بها جهارا بلا إنكار، وذكروا أن حاله كحال أحد من الناس؛ لا تميزه من غيره بزي ولا لباس ولا مركوب، وأنه لما اجتمع بالشريف الخليفة مولانا إبراهيم أظهر له التعظيم الواجب لأهل البيت الشريف، وجلس معه كجلوس هؤلاء المذكورين وغيرهم من خاصة مولانا إبراهيم، وكان الذي تولى الكلام معه هو القاضي ابن إبراهيم الزداغي.

وكان من جملة ما قال لهم: إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية، فأي شيء رأيتمونا خالفنا فيه السنة؟ وأي شيء سمعتموه عنا قبل رؤيتكم لنا؟ فقال له القاضي المذكور: بلغنا أنكم تقولون بالاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوي!

فقال لهم: معاذ الله؛ إنما نقول كما قال مالك: “الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة” انتهى، فهل في هذا مخالفة؟

فقالوا له: لا، وبمثل هذا نقول نحن أيضا.

ثم قال له القاضي: وبلغنا عنكم أنكم تقولون بعدم حياة النبي وإخوانه من الأنبياء عليهم السلام في قبورهم؟!

فلما سمع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ارتعد، ورفع صوته بالصلاة والتسليم عليه، وقال: معاذ الله تعالى؛ بل نقول: إنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره، وكذلك غيره من الأنبياء، حياة فوق حياة الشهداء.

ثم قال له القاضي: وبلغنا أنكم تمنعون من زيارته صلى الله عليه وسلم وزيارة الأموات قاطبة مع ثبوتها في الصحاح التي لا يمكن إنكارها؟!

فقال له: معاذ الله أن ننكر ما ثبت في شرعنا، وهل منعناكم أنتم منها لما عرفنا أنكم تعرفون كيفيتها وآدابها؟ وإنما نمنع منها العامة الذين يشركون العبودية بالألوهية، ويطلبون من الأموات أن تقضي لهم أغراضهم التي لا يقضيها إلا الربوبية.

وإنما سبيل الزيارة؛ الاعتبار بحال الموتى، وتذكار مصير الزائر إلى مثل ما صار إليه المزور، ثم يدعو له بالمغفرة.

هذا قول إمامنا أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ولما كان العوام في غاية البعد عن إدراك هذا المعنى منعناهم سدا للذريعة، فأي مخالفة للسنة في هذا القدر؟ انتهى.

قال الكنسوسي: “هذا ما حدث به أولئك المذكورون، سمعنا ذلك من بعضهم جماعة، ثم سألنا الباقي أفرادا فاتفق خبرهم على ذلك”اهـ

وفي إثبات مدح السلطان مولاي سليمان للشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ أُوردُ مطلع القصيدة التي قالها على لسان شيخه حمدون بن الحاج؛ جاء فيه:

سَعُودُ بَعْدَ سَلاَمِ اللهِ شَاعَكَ مِنْ     غَرْبٍ يَسِيرُ لِشَرْقٍ ضَائِعِ النَّسَمِ

هَذَا كِتَابٌ إِلَيْكَ مِنْ مُحِبٍّ أَتَى   إِذْ مَا تَأَتَّى لَهُ الإِتْيَانُ بِالقَدَمِ

مُخَاطِبًا لَكَ بِاللِّسَانِ مِنْ قَلَمٍ   إِذْ مَا تَسَنَّى لَهُ تَخَاطُبٌ بِفَمِ

وإِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ   لاَ زِلْتَ بِاسْمِ اللهِ أَيَّ سم سَمِ

إِعْلَمْ وُقِيتَ الرَّدَى بُقِيتَ بَدْرَ هُدَى  لَبُوسًا أَيَّ رِدًا مِنَ السَّنَا العَمَمِ

أَنْ قُمْتَ فِينَا بِأَمْرٍ لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ  بِهِ فَجُوزِيتَ مَا يَجْزَاهُ ذُو نِعَمِ نِعَمِ

وهذه القصيدة معلمة أدبية رائعة من (199) بيتا، وهي من قصائد ديوان حمدون بن الحاج؛ المسمى: “النوافح الغالية..” (ص. 387-410)، طبع وزارة الأوقاف المغربية.

وهنا نتساءل: لصالح من يكذب دكتور الاثنلوجيا ويزور التاريخ؟؟

الكذبة الثانية:

وهي نتيجة للمقدمة الكاذبة التي قال فيها الدكتور: “عاش المغرب تاريخيّاً، قصته مع الوهابية بشكل سريع”.

وهو بهذا يوهم بأن السلفية في المغرب لا تعدو كونها ومضة عابرة تمثلت في دعوة وهابية رفضها المغاربة في وقت وجيز، وبناء عليه قال: “لاحظنا منذ الستينيات حضوراً متزايداً للوهابية بالمغرب”اهـ

وهنا نذكر أولا بأن الوهابية تهمة مفتراة وليست حقيقة؛ وقد برهنت على ذلك في مقالة متقدمة تحت عنوان: “دور القرآن والشيخ المغراوي .. وحقيقة المذهب الوهابي”.

أقتطف منها هنا قول العلامة عبد الله كنون في كتابه النبوغ المغربي (ص. 125): “يقال اليوم في كل من كان سلفي العقيدة: إنه وهابي تنكيتا عليه وتنفيرا من مذهبه”.

وثانيا: أؤكد على أن الدعوة السلفية (التي يسميها المفترون وهابية)، لم تزل حاضرة في المغرب من الفتح إلى يومنا هذا.

قال العلامة محمد بن عثمان المراكشي رئيس الجامعة اليوسفية (ت 1365 هـ):

“اتصلت العلوم الدينية بالمغرب الأقصى منذ الفتح الإسلامي الذي امتد سلطانه إلى مدينة نفيس الأثرية على ضفة تانسيفت قرب مراكش الحمراء ..

غير أن الحوادث قد طغت عليه، ولم تلبث أن قضت عليه في مهده، ووأدته قبل فطامه، فأظلمت منه مرابع المغرب إلا بصيص بقيت منه بقايا في قواعد المغرب الشهيرة كفاس وسبتة وأصيلا وسجلماسة وأغمات، إلى أن نجمت بأفق المغرب دولة المرابطين فأحيت معالم الإسلام وناصرت العلم والدين والأدب”( ).

“وذكر القلقشندي في كتابه صبح الأعشى أن الدولة المرابطية كانت سلفية محضة.

وقد أدى ظهور الدولة المرابطية، إلى طي تلك الصحف القاتمة من تحت سماء المغرب وأحيت بقوته المعنوية صولة الاعتقاد على مذهب السلف.

قال ابن عثمان: “وهذا الذي حررناه من إحياء العقائد السلفية على يد الملثمين بناء على صحة ما حكاه التاريخ، من أنها دخلت للمغرب، مع الفاتحين ثم ضايقها سيل المعتقدات الزائفة التي تسربت للمغرب، أو نشأت فيه فقضت على ظهور العقيدة السلفية بمظهر الكمال، حتى انتشلتها من وحدة الانحلال دولة الملثمين الفتية، مما يعد معه بعث السلفية على شكلها إحياء وتجديد”اهـ.

وفي المغرب الحديث جدد الدعوة إلى السلفية أعلام قبل الستينيات:

منهم: العلامة المصلح: عبد الله السنوسي (ت. 1350 هـ/ 1930م)

قال عنه تلميذه عبد الحفيظ الفاسي: “كان رحمه الله عالما مشاركا، محدثا ملازما لتلاوة القرآن الكريم، حسن النطق به، دؤوبا على نشر الحديث وتدريسه، سلفي العقيدة، أثري المذهب، عاملا بظاهر الكتاب والسنة، نابذا لما سواهما من الآراء والفروع المستنبطة، منفرا من التقليد، متظاهرا بمذهبه، قائما بنصرته، داعيا إليه، مجاهرا بذلك على الرؤوس، لا يهاب فيه ذا سلطة، شديدا على خصمائه من العلماء الجامدين وعلى المبتدعة والمتصوفة الكاذبين، مقرعا لهم، مسفها أحلامهم، مبطلا آراءهم، مبالغا في تقريعهم، لم يرجع عن ذلك منذ اعتقده ولا فل من عزمه كثرة معاداتهم له”اهـ .

ومنهم: شيخ الإسلام الحافظ الكبير العلامة السلفي أبو شعيب الدكالي (ت. 1356 هـ/ 1936م).

وأبرز تلاميذه: الإمام المجاهد شيخ الإسلام محمد ابن العربي (ت. 1384 هـ/1964م).

قال عنه تلميذه عبد القادر الصحراوي: “لقد حمل محمد بن العربي العلوي راية السلفية بالمغرب عاليا، وجعلها محور دروسه كلها، ولقي الأمَرّين في التبشير بها والدعوة إليها، سواء من الاستعمار الذي أحس بخطورة عمله منذ البداية، أو من العلماء الجامدين، أو من الرجعيين وعملاء الاستعمار الدجالين والمتاجرين باسم الدين.

ولكنه لم يبالي بأولئك ولا بهؤلاء جميعا، ومضى ينشر دعوته بكل الوسائل الممكنة.

وكانت معركة شاقة صمد فيها صمود الأبطال، واستطاع مع مرور الزمن، أن يحقق فيها انتصارات محسوسة، تجلت في تفتح كثير من القلوب لدعوته والاستجابة لها، وفي ظهور نواة للعمل الوطني السياسي من تلامذته والمستجيبين لدعوته، أخذت مع توالي الأيام تكبر وتتوسع وتقوى تحت رعايته هو نفسه، بل وفي صدور بعض التشريعات التي تمنع بعض المظاهر الوحشية المنكرة التي كانت تجري في الشوارع باسم الدين، كافتراس الخرفان الحية وما إلى ذلك، مما كان يفعله في الشوارع جهارا، وفي مواكب ضخمة؛ أتباع الطريقة العيساوية!

ومن عجب أن نعلم؛ أن هذا الداعية السلفي الكبير، بدأ حياته الروحية، طرقيا تيجانيا!

فقد اعتنق في بداية شبابه الطريقة التيجانية، وأخلص في اعتناقها، وظل على ذلك إلى ما بعد انتهائه من دراسته.

وكان يذكر هو نفسه رحمه الله، أن الذي وجه عنايته إلى السلفية توجيها صحيحا، وحوله عن الطريقة التي كان يعتنقها؛ هو اطلاعه في بداية حياته العملية على كتاب “الفرقان” للعالم السلفي المعروف شيخ الإسلام ابن تيمية.

وظهور المطبعة في مصر وفي غيرها من البلاد الإسلامية كان قد ساعد على نشر وتداول كتب أئمة السلفية الكبار كابن تيمية وابن القيم وأضرابهما”اهـ.

قلت: وقد خلف ابن العربي تلاميذ حملوا راية السلفية بعده؛ أبرزهم الدكتور تقي الدين الهلالي (ت 1407) الذي كان هو بدوره تيجانيا فترك التيجانية بعد مناظرة طويلة مع شيخ الإسلام.

وقد أورد المناظرة كاملة في كتابه (الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية).

ثم إن الشيخ المغراوي -هو بدوره- إنما عرف السلفية على يد شيخه تقي الدين الهلالي؛ وكانت له في ذلك قصة ذكرتها عنه في كتابي: (التجديد السلفي في المغرب منذ القرن الثاني عشر).

قال الشيخ المغراوي: “ذهبت برفقة أستاذي في القرآن لمناقشة الدكتور في المسائل التي كانت تشيع عنه، وكانت غريبة في البيئة التي نشأنا فيها.

وأعني بالغربة غربة السنة؛ فقد بدت لنا غريبة بسبب تفشي البدع، حتى قلت للدكتور: ما هذا الدين الجديد الذي جئت به؟

فقال: “الجديد هو ما أنت عليه، أما أنا فعلى الأمر العتيق”.

قال الشيخ المغراوي: “وبحمد الله لم تكن تلك المخالفات والبدع قد رسخت في ذهني، بل كنت في قرارة نفسي لا أطمئن إليها، ولذلك سرعان ما اقتنعت بدعوة الدكتور”اهـ.

مغالطة بعد كذبتين:

وأختم هذه المقالة بالتنبيه على مغالطة أوهمها (دكتور الاثنلوجيا)؛ وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت وراء ترسيخ السلفية في المغرب والحق أن الولايات المتحدة لا تدعم السلفية بل تدعم الصوفية لأسباب ظاهرها خدمة (السلم العالمي) وباطنها تكريس الوجه الجديد للاستعمار وهو العولمة؛ وفي تأكيد هذه الحقيقة يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري: “مما له دلالته أن العالم الغربي يحارب الإسلام ويشجع الحركات الصوفية، ومن أكثر الكتب انتشارا الآن في الغرب مؤلفات محيي الدين ابن عربي وأشعار جلال الدين الرومي.

وقد أوصت لجنة الكونغرس الخاصة بالحريات الدينية؛ بأن تقوم الدول العربية بتشجيع الحركات الصوفية، فالزهد في الدنيا والانصراف عنها وعن عالم السياسة يضعف -ولا شك- صلابة مقاومة الاستعمار الغربي”اهـ.

وفي انتظار جولة ثانية مع الموضوع؛ أذكر (دكتور الاثنلوجيا) بالحكمة التي تقول: (إذا كان بيتك من زجاج فلا ترم الناس بالحجارة) ..

———

نقلاً عن موقع هسبريس

-- محمد الخضراوي*

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*