الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العنف الأسري والبعد المجتمعي

العنف الأسري والبعد المجتمعي

تفشت في مجتمعنا في الآونة الأخيرة ظاهرة العنف الأسري ضد الزوجات أو الأطفال، الأطراف الأضعف في المنزل، يمارسه في حقهم في الغالب الرجل، الطرف الأقوى والمسيطر سواء كان أباً، أوعماً، أو وصياً. وقد توسع مفهوم العنف الأسري في المجتمعات المتقدمة ولم يعد يقتصر على…..

…..استخدام القوة الجسدية أو الضرب، أو التهديد، كما هو معتقد، إنما امتد لكل ما ينتقص حقوق الطرف الآخر الجسدية، والمادية، والمعنوية، وكل ما يحد من تمتعه بحياة حرة كريمة ليشمل العنف اللفظي من قبيل، التقريع، والشتم، والتحقير؛ والعنف العاطفي الذي يدفع الضحية للشعور بالذنب، أو النقص، أو التقصير، أو التهميش؛ و العنف الاقتصادي الذي يعني استغلاله ماديًا، أو التسلط على شئونه الخاصة، أو ماله الخاص، أو أي خصوصياته؛ ويدخل ضمن العنف الأسري العنف الجنسي الذي يتعلق أما بمعاشرة الطرف الآخر رغم عنه، أو بطرق عنيفة أو غير مألوفة، أو غير محببة. 

و يدخل في ذلك أيضا منع الطرف الآخر من العمل، أو الخروج، أو الاجتماع بمن يحب، ومنه أيضاً، في حالتنا نحن التهديد بالترك أو بالطلاق أو الزواج من أخرى. أو إرهاق الزوجة بالمتطلبات والولائم وغير ذلك.

ويدمر العنف المستمر احترام الضحية لنفسها وشخصيتها، ويسبب بانعدام الثقة لديها، والاكتئاب المزمن، والإحساس المفرط بضيق الحال. وفي حالات معينة يتضاعف لدى الضحية إحساس مفرط بأنها حبيسة المنزل، أو حتى بأنها فعلا تستحق العنف الذي تتلقاه، وعلى وجه الخصوص لدى السيدات اللائي يعتمدن على أزواجهن في النواحي المالية ولديهن أطفال خوفًا من عدم القدرة على الصرف عليهم، أو انفصالهن عنهم في حال انفصلن عن أزوجهن. 

وفي الحالات المفرطة من العنف الأسري، تصاب الضحية بالذهان، والاضطرابات العصبية المفاجئة، والكوابيس الليلية. وتزداد حالة العنف وشدته عند إحساس المعنف (الرجل) أن الضحية تتمرد عليه وتتحداه، أو سوف تتركه ولذلك يلجأ إلى إيذاء ضحيته أو حتى محاولة قتلها في ظروف معينة.

وقد وافتنا الصحف وشاشات التلفزيون بحوادث عنف حدثت في مجتمعنا محزنة فعلا، من حرق، أو محاولات دهس، وتعذيب وقفنا جميعا أمامها مندهشين من قسوتها وبشاعتها لأنها بدت غريبة على مجتمعنا ولأن ضحاياها من النساء والأطفال الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة. 

ويرى المختصون في القضاء الجنائي، وفي علوم الإجرام أن ما يخفى عن وسائل الإعلام من مثل هذه الجرائم أكثر بكثير مما ينشر فيها، لعدم التبليغ عنها، حيث تقدر نسبة الجرائم التي يتم الإبلاغ عنها في حالات العنف الأسري بربع عدد الجرائم فقط. ولذلك فهناك خشية أن تكون حوادث العنف الأسري لدينا أكثر بكثير مما ينشر في الإعلام، وهو أمر مخيف، ويدعو للقلق، وينذر بما هو أسوأ مستقبلا لأنه ثبت علميا أن التعرض للعنف الأسري في الصغر، أو مشاهدة العنف الأسري من قبل الأطفال، من أهم العوامل زيادة احتمالية تحول الشخص مستقبلا إلى ممارسة العنف الأسري على أسرته ومن يعول سواء كان رجل أو امرأة.

ولذلك فالعنف الأسري مرشح للانتقال من جيل لآخر. 

وقد يساعد على تفشي العنف الأسري وجود بعض العادات والتقاليد الموروثة التي تجد بعض أوجه التعنيف مقبولة، أو عندما تساق بعض التبريرات والمعتقدات التي تسوغه وتجعله مقبولًا أو محببا. كما أن بعض الظروف المجتمعية والاقتصادية قد تزيد من انتشار العنف الأسري لأنه ثبت أنه مرتبط كثيرا بنمط حياة الأسرة والضغوط التي تعانيها، فقد يزيد العنف بازدياد ضغوط الحياة، وقلة الترفيه، وتغير أحوال المجتمع الاقتصادية بشكل مفاجئ. وقد ثبتت زيادة انتشار العنف الأسري بعد الحروب، وبعد الأزمات الاقتصادية.

ويختلف العنف الأسري في درجاته ومدى قسوته من مجتمع لآخر، ولا يقتصر على طبقة اجتماعية أو ثقافية دون أخرى، إلا أن الملاحظ تفشيه بشكل أكبر في الطبقات الأدنى للمجتمع نتيجة لتدني المستوى الثقافي، و نتيجة للضغط النفسي الذي تولده الظروف الاقتصادية والاجتماعية نتيجة للارتباط الكبير بين الفقر والعجز المادي عن إعالة الأسرة وتحقيق رغباتها والعنف الأسري، حيث يتعرض الزوج نتيجة لذلك بشعور قوي بالنقص، والإحباط، والاستياء، والنقمة ليتحول كل ذلك إلى عنف تجاه أسرته، وتجاه المجتمع. وقد تتفاقم الحالة في حالة لجوء الزوج إلى المخدرات أو الخمر للهروب من واقعه.

ولا يستبعد الكاتب مطلقاً أنه ربما يكون لظروف معينة طرأت على مجتمعنا في الآونة الأخيرة سبب في تزايد حالات العنف الملحوظة، وربما يكون للانتكاسات التي حدثت في سوق الأسهم، وانقلاب الحالة المعيشية لكثير من الأسر في مجتمعنا بشكل مفاجئ علاقة بتصاعد حالات العنف الأسري. فقد تحولت هذه الخسائر إلى نقمة كبيرة لدى البعض على من حوله بما فيهم أسرته، وتحول البعض للاتجار بالمحرمات، وارتكاب المخالفات لتعويض خسائره ففي السوق بأي شكل. 

وقد يضاف لذلك أيضا الارتفاع المفاجئ لأسعار السلع والعقارات بشكل لم يواكبه ارتفاع مماثل في نسبة دخل المواطن، وربما يكون ذلك سبب تزايد المشاكل الاجتماعية الأخرى كالرشوة، والتستر، والسرقة، والغش. وهذه ظاهرة ليست مقصورة على بلادنا بل ومنتشرة في معظم البلدان الأخرى، وعلى وجه الخصوص في المدن الكبيرة، حيث تزداد الفوارق الطبقية وتتضاءل الفرص الاقتصادية.

واليوم يضاف لذلك وضع العمالة المنزلية التي اعتاد عليها المجتمع لوقت طويل بما في ذلك العوائل المتدنية الدخل، والتي ازدادت أحوالها المادية سوءاً، ووجدت نفسها في وضح محرج اليوم سواء فيما يتعلق بتوفيرها أو الاحتفاظ بها. فالعمالة تجاوزت كونها ترفاً إلى كونها حاجة ملحة لتعود الأسر السعودية عليها لأجيال متعاقبة، ولانعدام المواصلات العامة، وعدم السماح للمرأة بالقيادة، والكبر النسبي للمنازل السعودية وتعدد أفراد أسرها. 

فالموظف البسيط الذي لا يستطيع توفير عاملة منزلية أو سائق لأسرته مقارنة بمن هم حوله أو مثله سيصاب حتماً بالإحباط، وعندما يوفر خادمة أو سائق ثم تهرب فإنه سيزداد غضباً ونقمة فيما لو أصرت أسرته على توفير بديل عن العمالة الهاربة. والحقيقة أن مماطلة وزارة العمل في حل قضية العمالة، وإصرارها على حل هذه القضية بطريقة تشبع أيضا جشع مكاتب العمل لم تكن عاملاً مساعدا على تخفيف الاحتقان الأسري، فهي تركت الناس بشكل غير مسئول تصارع بعضها أو تصارع لصوص العمالة لأكثر من عام ونصف جفف فيها السوق بشكل أثار المتاعب للمواطن، بينما كانت فئات معينة مستثناة من هذه الإجراءات وتقدم لها خدمات الاستقدام بكل سهولة ويسر.

ويضاف لذلك ضغط العمل في حال اضطر الموظف الصغير للتأخر عن عمله أو التغيب عنه لتوصيل أبنائه أو أسرته للمدارس أو مواعيد المستشفيات مثلاً، ولتكبد ضغوط الطريق والزحمة إضافة لضغوط عمله، وزاد الطين بله ظهور نظام مخالفات مثل ساهر لم يراع المستوى الاقتصادي لغالبية المجتمع وفرض رسوم مخالفات مجحفة لتجاوز السرعة في حدود متدنية جدا دونما اعتبار لانعكاسات ذلك على المواطن أو أسرته. 

فضغوط العمل، يضاف لها المصاعب الاقتصادية وقلة أماكن الترفيه عوامل أساسية في تغذية الضغط الذي يترجم لعنف ضد الأسرة. ولذلك فالدول الأخرى لا تنظر للترفيه على أنه عامل مكمل في الحياة، أو أنه من قبيل اللهو المفسد والمضيع للوقت بل تنظر له على أنه حق للمواطن وعامل أساس في الصحة النفسية والاجتماعية. ولذلك فيجدر بنا أن نعالج هذه الجوانب الاجتماعية والاقتصادية وألا نكتفي بالجوانب العلاجية و القانونية فقط.

 

latifmohammed@hotmail.com 

Twitter @drmalabdullatif 

————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. محمد بن عبدالله آل عبد اللطيف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*