الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العمل الجماعي بين الإفراط والتفريط

العمل الجماعي بين الإفراط والتفريط

ما كنت أتصور أنه يأتي اليوم الذي يختلف فيه بعض طلبة العلم، بل وبعض العلماء فيما بينهم حول مشروعية اجتماع كلمة الأمة الإسلامية مقتنعين بهذا الوضع المزري من الحدود بين الدويلات، والحدود بين المحافظات والإمارات والنواحي والعزل والقرى، تلك الحدود التي وضعها أعداء الإسلام من الصليبيين واليهود والملحدين، أو التي وضعها الشيطان داخل البلاد عن طريق القوميات التي فرقت بين المسلمين بسبب اللون أو اللغة، أو عن طريق الأحزاب والفئات والقبائل.

ما كنت أتصور أن يرضى بذلك من يقرأ قول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103]، وقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة:2]، وقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصَّف:4].

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداع له سائر الجسد بالحمى والسهر»(1)، وقوله: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه»(2).

والأدلة كثيرة في هذا الباب ولو لم يكن منها إلا صيغ الأوامر التي جاءت تخاطب الأمة من مثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ..} [البقرة:43]، وقوله تعالى: {..كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ..} [البقرة:183]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:45-46].

إنها أدلة تشعرك أنك أمام أمة لا أمام فرد، وهي لغة يفقهها المتعمقون ولا يلقي لها بالاً من قلّ فقهه بمقاصد الشرع.

والواقع العلميّ عند المسلمين منذ بداية الإسلام واضح جلي في اعتماد الجماعة في الصلوات الخمس، وفي يوم الجمعة، وفي العيدين، وفي الحج وهي كما تشاهدها تجمّعات ترتقي من اجتماع الأسرة في المنزل إلى اجتماع أوسع في مسجد القرية أو الحي، إلى أوسع في اجتماع المسلمين يوم الجمعة، وأكثر من اجتماع الأسبوع اجتماع العيدين، وأكبر اجتماع هو اجتماع المسلمين في العام مرة واحدة في عرفات ومزدلفة ومنى وغيرها من المشاعر التي شُرع الاجتماع فيها لأداء مناسك الحج والعمرة.

حقاً إنه غريب وسر عجيب أن يوجد من يعيب اجتماع كلمة المسلمين، ويعتبر ذلك ضرباً من الخروج عن الحق، ودليله فيما ذهب إليه الواقع المعايش من الفرقة بين الحكومات والأحزاب والجماعات.

وبدلاً من العمل المرحلي الدقيق للقضاء على التفرق والسعي لتوحيد الأمة وجد من يصرّ على الإبقاء على الواقع بلسان حاله ومقاله من خلال محاربته لكل عمل يقوم به من يدعو إلى الله على بصيرة بالحكمة والموعظة الحسنة إذا اشتمل على عمل تقوم به مجموعة متعاونة مدلِلاً على مشروعية ذلك ببعض الأدلة التي تتهافت وتتكسر عند النقاش الهادئ.

هل العمل الجماعي يوحد كلمة المسلمين؟

قد يرد البعض معترضاً على العمل الجماعي بأنه مفرق وليس مجمعاً كما هو حال الجماعات الإسلامية الآن في كثرة عددها وخلافاتها.

والجواب على هذا أن يقال: إن دخول الناس في هذه الجماعات أولى من أن يعيشوا خارجها، فنحن نرى هذه الجماعات هي القائمة مع أفرادها بالدعوة والتربية والسعي إلى توحيد كلمة الأمة مرحلياً، وقد يكون من السهل توحيد الجماعات إذا اتفقت قياداتها طالما أنها جماعات منضبط أفرادها، متعاون أعضاؤها: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر:17].

أما العمل الفردي: فأنت ترى أصحابه جماعات متعددة بعدد الأفراد، وقد يجتمع هؤلاء أحياناً لإثارة الشغب ضد إخوانهم في الله متناسين غيرهم، وحالهم وهم يذمون الجماعات يصورهم بأنهم: (حزب مكافحة الجماعات الإسلامية) كما قال بعض الدعاة، ولكنهم لو أردنا أن نجمعهم للعمل الإسلامي مع إخوانهم لاعتبروا ذلك من قبيل التحزب المذموم فإلى الله المشتكى, ولا شك أن جمعهم طالما أنهم جماعات بعدد الأفراد من الصعوبة بمكان، إذ أن الفردية وإعجاب كل ذي رأي برأيه من سمات هؤلاء الإخوة غفر الله لهم.

إن جمع الجماعات أسهل من جمع الأفراد، فالجماعات مقدمة لتوحيد المسلمين -إن شاء الله-.

وأما حجتهم أن الجماعات المنظمة فيها مخالفات.

فأقول راداً على هؤلاء الإخوة:

إذا كانت هذه السلبيات موجودة، هل الواجب علاجها أم إعلان الحرب على إخوانكم وذم الخير الذي جاءوا به؟!!

إن تلكم الأخطاء الموجودة في البعض ليست في الكل فعليكم بالتذكير فعسى الله أن ينفع به إخوانكم، قال تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ} [الذاريات:55]، وقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} [الأعلى:9-10]، وعليكم بنصحهم عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة…»(3).

إننا نرفض كل هذه السلبيات التي أشرنا إليها ولا نقرّها ولا نزال نتمنى للجماعات التي تتصف بها كلها أو ببعضها أن تقلع عنها وتعلم أن بقاءها في أفرادها أو في بعضهم ضرر عليهم وعلى العمل الإسلامي كله.

ولكن مع هذا فهم إخواننا في الإيمان، قال الله تعالى: {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ…} [التوبة:71]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ…} [الحجرات:10]، وقال عليه الصلاة والسلام: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه»(4).

إن التعصب الذي يذمه منكرو العمل الجماعي ويرفضون العمل الجماعي من أجل وجوده في بعض شباب الجماعات الإسلامية هو نفس التعصب الذي جاء عن غيرهم، هذا هو مع وقوعهم في أمر أخطر مما وقع فيه الأولون ألا وهو ذمهم للجماعات مطلقاً مع عدم الاعتراف بما فيها من خير في نصرة الإسلام، فوقعوا في التعصب ورد الحق أو عدم الاعتراف به عند غيرهم.

أين هذا من قول الله تعالى: {…وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا…} [المائدة:8]؟!

أسباب نفور البعض من العمل الجماعي:

وأنا أعلم أن من أسباب نفور بعض هؤلاء من العمل الجماعي أموراً منها:

1- التعصب الموجود عند بعض أفرادٍ وجماعاتٍ في الساحة لأصحابهم.

2- إهمال بعضهم للعقيدة ولو أحياناً.

3- عدم التربية المتكاملة عند البعض.

4- إهمال العلم من قبل بعض الشباب المنتسبين لبعض الجماعات.

5- عدم وضوح الرؤية عند بعض الجماعات في الولاء والبراء.

6- وصول بعض السياسيين مع قلة علمهم بالدين إلى قيادات بعض الجماعات.

7- إن الخلافة الإسلامية لم ترجع رغم مرور فترة ليست بالقصيرة على محاولة بعض الجماعات إعادتها، وغير ذلك من الأسباب.

وهذه الأسباب وغيرها قد تكون هي المانع لبعض هؤلاء من العمل مع إخوانهم، وأقول: البعض من ذوي النوايا الحسنة وإلا فيعلم الله أن بعض هؤلاء يفهمون الحق، ولكن لهم أغراض في النفوس نعوذ بالله من رد الحق بعد ظهوره.

الخلاصة:

1) الإفراط والتفريط موجودان في مسألة العمل الجماعي، والمطلوب هو الوسطية فيهما وفي غيرهما استئناساً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا…»(5) الحديث، وما أحسن قول الشاعر:

خير الأمور الوسط الوسيط *** وشرها الإفراط والتفريط

2) إن العمل الجماعي مشروع، والأمة الإسلامية في كل مظهر من مظاهر عبادتها لله تعيش مجتمعة في أُسرها وصلواتها وجمعها وأعيادها وحجها وجهادها وإقامة حدود الله في الزنا وغير ذلك، فالفردية تتنافى مع ذلك.

3) إن الأخطاء لا شك موجودة عند الجماعات والمعصوم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكن ضرر الفردية وأخطائها أكثر على أية حال.

4) ينبغي السعي لتصفية العمل الجماعي من الأخطاء، ورفض الولاء الحزبي في الجماعة وترك التعصب لها, ويجب الاهتمام بالعقيدة والعلم وترك الطاعة العمياء وتعويد الشباب على معرفة الدليل مع تعلمهم الأدب وترك التقليد الأعمى وعدم الجرأة على الفتوى وعدم الطعن بالعلماء.

الرد على الغلاة في أحزابهم وجماعاتهم:

والواقع الذي لا يسعنا إنكاره ونحن ندعو إلى الاعتدال في مشروعية العمل الجماعي ونناقش الإخوة منكري مشروعيته، إن تلك العيوب والأخطاء المشار إليها سابقاً قد سببت في وجود كثرة التشاحن في أوساط الجماعات، فاللف والدوران عند البعض ذكاء وسياسة في مصلحة الدعوة وعمل الجماعات الإسلامية عند بعض الجماعات من قبيل دعوات الضرار كما صرح بذلك بعض كتّابهم، وتفرق هذه الجماعات وتشتتها خدمة للحركة الإسلامية، وجهاد غيرها للحكام يعتبر فوضى وتطرفاً ومشاكلها هي الجهاد في سبيل الله تجعل من صغارها كباراً بالدعايات والإعلام وتنسى الآخرين إن لم تذمهم.

ربّت أفرادها على تعظيم أفراد الجماعة وتبجيلهم وتعزيزهم وتوقيرهم والتماس الأعذار لأخطائهم، فما جاءوا به فهو الحق وما جاء به غيرهم فينظرون إليه شزراً.

قد فتحوا أبواباً للحوار مع العلمانيين وظلمة الحكام وسائر الأحزاب، وأغلقوا الأبواب وضيقوها مع إخوانهم.

هناك عيوب كثيرة جداً تحتاج إلى مجلدات، والواجب البعد عنها والدعوة إلى الله بصدق وعلى بصيرة قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ} [يوسف:108]، فنحن لا نقرّ هذه الأخطاء ولكن نسعى إلى إزالتها مع اعترافنا بما في هذه الجماعات من جوانب أخرى خيرية نفع الله بها المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فهل نترك التعاون والتناصر مجتمعين على الخير لوجود هذه الأخطاء عند البعض؟ اللهم لا.

ويجب أن تفتح الجماعات الإسلامية أبواب الحوار فيما بين قادتها بدلاً من فتح بعض الباب مع الاشتراكيين وسائر العلمانيين وغلقه مع إخوانهم!

إن الكتاب والسنة وواقع المسلمين من بداية ظهور الإسلام شهود على مشروعية التعاون على الخير، وأنه واجب في حالات ومستحب في أخرى.

وكذلك تحقيق إصلاح مجتمع كامل على مستوى الحاكم والمحكوم يتطلب جهداً كبيراً لا يستطيع أن يقوم به أفراد مبعثرون، بل ولا جماعات متناحرة فوضوية؛ لذلك نحتاج إلى توحيد الأمة أو صالحيها للقيام بالمسئولية الكبرى.

******

المراجع

(1) رواه البخاري بر قم (6011) (في الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم) عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما بلفظ: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداع له سائر جسده بالسهر والحمى» ومسلم برقم (2586) (في البر، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم).

(2) رواه البخاري من حديث أبي موسى رضي الله عنه بلفظ: «إن المؤمن..» برقم (481) (باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره), ومسلم برقم (2585) (في البر، باب: تراحم المسلمين وتعاطفهم..).

(3) رواه مسلم برقم (55) (كتاب الإيمان، باب: بيان أن الدين النصيحة) عن أبي رقية تميم بن أوس الداري.

(4) رواه مسلم برقم (2580) (في البر والصلة, باب: تحريم الظلم)، والبخاري برقم (2442) (في المظالم، باب: لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يسلمه).

(5) رواه البخاري بلفظ: «… فسددوا وقاربوا» (برقم (39) (في الإيمان، باب: الدين يسر), ومسلم برقم (2574) (في البر والصلة, باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن).

المصدر: موقع المهدي

-- محمد بن محمد المهدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*