الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » من سيكون الرئيس المقبل للجزائر؟

من سيكون الرئيس المقبل للجزائر؟

بوتفليقة لن يطلب عهدة أخرى وقد لا ينهي عهدته الحالية، وسيفتح الباب على مصراعيه أمام كل الاحتمالات، خصوصاً أن دفتر الشروط الجديد لقيادة الدول في حقبة الربيع العربي يستلزم ألا تزيد المدة الرئاسية لأي حاكم على فترتين.

ما زال يشكل الخطاب الشهير لرئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة بمدينة سطيف بمناسبة إحياء ذكرى مجازر 08 مايو/أيار 1945 وعشية الانتخابات التشريعية، الحدث الأبرز والمنعرج السياسي الهام والخطبة التي جمعت في طياتها ومضمونها صفات خطبة وداع، وإيذاناً بانطلاق مرحلة جديدة من تاريخ الجزائر وإعلاناً لبداية الحملة الانتخابية الرئاسية المقبلة قبل الأوان.

وعلى شاكلة “زنقة زنقة” للراحل معمر القذافي، ستشكل “طاب جنانا” الكلمة الأكثر تداولاً سواء في الأحاديث الشعبية أو التعليقات الصحفية أو التحليلات السياسية أو الرسوم الكاريكاتورية، كلمة من المجاز تعني أنه قد آن الأوان لجيله أن يسلم المشعل لجيل آخر ليقود قاطرة البلد.

المستمع لذلك الخطاب يخرج متيقناً أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لن يطلب عهدة أخرى وقد لا ينهي عهدته الحالية، فاتحاً الباب على مصراعيه أمام كل التأويلات والتحليلات والسيناريوهات، ويزيد من هذا الاحتمال الذي قد يرقى إلى درجة اليقين أن دفتر الشروط الجديد لقيادة الدول يستلزم أن لا تزيد المدة الرئاسية لأي حاكم على عهدتين، وقد ترسخ هذا المعنى أكثر في أجواء الربيع العربي. والسؤال الذي يطرح تكراراً في الأوساط السياسية وحتى الشعبية هو من سيكون الرئيس المقبل للجزائر؟ وبالتالي كيف ستكون صورة الجزائر المستقبلية؟ لغز، يجهد الكثير من المحللين والدوائر الدولية والجهوية والمحلية إيجاد مفاتيحه وفك طلاسمه بكد واجتهاد، علماً أن الجزائر ما تزال تشكل الشفرة المستعصية على الكثير من أصحاب الشأن، والرقم الصعب في المعادلة السياسية في منطقة الساحل وشمال إفريقيا.

على مدى 50 سنة من حياة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية تعاقب على رئاستها 6 رؤساء وهيئة جماعية متمثلة في المجلس الأعلى للدولة من 1992 إلى 1994 بعد أزمة توقيف المسار الانتخابي جراء اكتساح الجبهة الإسلامية للإنقاذ للانتخابات التشريعية آنذاك وكان أولهم الراحل أحمد بن بلة في 1962، ثم خلفه الراحل هواري بومدين إثر انقلاب عسكري في 1965، وفي بداية 1979 فرض الشاذلي بن جديد رئيسا لأنه كان يشكل الرجل الوسط والحل الأنجع في الصراع السياسي بين أجنحة النظام. ولم تدم عهدة الراحل بوضياف سوى 6 أشهر بعد اغتياله في 29 يونيو/حزيران 1992. وفي أوج الإرهاب وقوة الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA)، انتخب الجنرال المتقاعد ليامين زروال في نوفمبر 1995، وكان صاحب شخصية لا تقبل المساومات وسرعان ما أحس بالضغوط والألاعيب، فاستقال في عام 1999، فاتحاً الأبواب أمام سادس الرؤساء وأحدثهم، السيد بوتفليقة في انتخابات شهدت انسحاب غالب المتنافسين أياما قبل الانتخابات.

وفي هذه الأيام المصيرية الصعبة من أيام الجزائر، جملة من الأسماء تفرض نفسها في هذه المسابقة العالية المستوى، الحامية الوطيس، لكل منها حظوظها وعوامل نجاحها أو أسباب خسارتها، سنحاول المقاربة وإزالة الضباب قدر الاستطاعة لتتضح الرؤيا والصورة، ولكن قبل هذا لا بد أن نسجل أن شعبية الرئيس بوتفليقة لم تمس إثر الاحتجاجات التي شهدتها الجزائر في بداية 2011 ولم تنل من سمعته ومكانته في أوساط الشعب الجزائري، فهو يعتبر رجل عودة الأمن والاستقرار، ولقد شهدت في عهداته إنجاز الكثير من المشاريع الكبرى وإعادة تلميع صورة البلد أمام الأمم، لذلك لن يكون من السهل أمام الذي سيخلفه أن يجمع هذه الصفات وينال هذا التعاطف.

كانت، وما زالت، وستبقى لمدة، جبهة التحرير الوطني المركز الرئيسي لصناعة القرار السياسي، وإنجاب الرؤساء، وتحديد مستقبل الحكم في البلاد، فلا يتصور أن يحسم مرشح للموقع الأعلى في الدولة أمره دون أن يحسم معركة الحزب والاستيلاء على قواعده ووسائله الكبيرة وثقله الهائل. وما يقع داخل أروقته من تجاذبات وحرب مواقع تنبئ عن شراسة العراك السياسي الحاصل، فموعد 15 يونيو/حزيران، موعد الاجتماع العادي للجنة المركزية، سيشكل الفيصل لمعرفة ميزان القوة داخل أروقة الحكم، والبوصلة الجديدة لمعرفة الاتجاه السياسي الجديد ورسم صورة تقريبية لخليفة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

موعد 15 يونيو/حزيران:

يبدو أن اجتماع اللجنة المركزية المكونة من 351 عضواً سيجلب الأنظار ويستوقف الملاحظين ويسيل من الحبر أكثر مما كان الأمر في انتخاب 463 عضو للبرلمان الجزائري، فالأمر يتعلق برئاسيات 2014 أو قبل 2014، أين كل شيء يبدو مباحاً من خيانة الصديق، وجحود النعمة، وتبديل المواقع، وتغيير الاصطفاف.

قلما نجد حزباً يكتسح انتخابات ويخرج فائزاً بالضربة القاضية، تشهد قيادته عصياناً وسحب ثقة وغضباً مثل ما شهدته جبهة التحرير الوطني. فإن الأمين العام عبد العزيز بلخادم يواجه رياحا من الهجمات لتنحيته والوقوف أمام تطلعاته الرئاسية، ويقود هذا العصيان فسيفساء من قيادات الحزب الذين رغم اختلاف نياتهم تجمعهم كلهم رغبة في تنحية بلخادم، ويقود حركة الأصالة والتقويم الوزير السابق والذراع الأيمن للمرشح السابق لرئاسيات 2004 علي بن فليس، عبد الكريم عبادة مع الوزير السابق محمد صغير قارة بعد أن أطاحوا بالقيادي صالح غوجيل إثر انقلاب في 15 أبريل، وقد صرح عبد الكريم عبادة بمدينة ميلة أن 15 يونيو/حزيران ستشهد نهاية بلخادم السياسية. وهناك جناح التقويميين بقيادة وزير البريد والاتصالات السابق، ابن قسنطينة، بوجمعة هيشور، الذي طالب الأمين العام بالاستقالة أو إقالته. وهناك مجموعة الأربعة (عضو مجلس الأمة في الثلث الرئاسي، عبد الرزاق بوحارة، محمد بوخالفة، وعفان قزان، أحمد سبع) التي حاولت إيجاد مخرج مشرف لبلخادم في لقائهم الأخير دون جدوى، وخروج بوحارة عن الأمين العام يشكل عند ملاحظين كثر تخلي الرئيس بوتفليقة عن تأييده في مسعاه الرئاسي.

لكن يبدو أن عبد العزيز بلخادم في جعبته أكثر من أمر لترجيح الكفة لصالحه، فهو في موضع يبدو مريحاً بعد الفوز الذي حققه في الانتخابات التشريعية، وقد استغل الأمر لقلب بعض الموازين وإقناع البعض على التراجع عن معارضته، كنجاحه في استرداد سي عفيف، العضو القوي الصاخب، ابن مدينة مستغانم، لذلك اتهمه خصومه بمحاولة إرشاء عدد من أعضاء اللجنة المركزية بمناصب عليا ومراكز سامية. وهو مع ذلك لن يغامر أن يحتكم للصندوق حسب آخر الأخبار، وهو غير متأكد من الفوز، فقد خلا جدول أعمال الاجتماع من بند طرح الثقة تماماً.

وبين ادعاء كل من لائحة مساندة بلخادم ولائحة سحب الثقة عنه الوصول إلى العدد الذي يخول لأي طرف الوصول إلى مبتغاه، لا أعتقد أن أحداً يعرف بدقة مآل الأمور يوم 15 يونيو/حزيران لهذا أو أولئك.

عبد العزيز بلخادم فيحظى بتعاطف من قبل المناضلين والكثير من طبقات الشعب البسطاء، فهو كان دوما يعبر عن وجدان الشعب حول المواقف الدولية دون تردد، وبساطته في لبسه وعيشه وتنقلاته جعلت منه ذلك المعلم الذي لم ينسى أصله الصحراوي، ولم يؤثر فيه سلباً مكوثه الطويل في أروقة الحكم الراقية. وفي نفس الوقت لا بد من القول أن “إسلاميته” لا تعجب لا كبار المؤسسة العسكرية ولا عواصم الغرب وعلى رأسها باريس التي ترى أن بلخادم يمثل أولئك الذين يشكلون السلبية في التعاطي مع قضايا الذاكرة.

أما السؤال المطروح، من وراء هؤلاء التقويميين؟ ولصالح من يعملون؟ هل للرئيس بوتفليقة أم لأخيه الصغير سعيد؟ التي تقول بعض المؤشرات إن ليس لهما نفس الرؤى المستقبلية، أو هم يتحركون لطرف ثالث، طرف إن لم يكن هو، يكون قريباً من المؤسسة العسكرية.

على كل حال يبدو أن اسم مولود حمروش الذي كان رئيس حكومة الرئيس السابق الشاذلي بن جديد، رجع للتداول بقوة هذه الأيام، فالصمت غير العادي لجبهة القوى الاشتراكية لأيت أحمد من نتائج الانتخابات، ثم انتخاب بنت أخي حمروش بدون حتى نقض أمام المجلس الدستوري عن ولاية قسنطينة، دون أن تكون لجبهة القوى الاشتراكية من قاعدة معروفة، تؤكد أن ثمة أمراً اتفق عليه بين الدا الحسين والسيد الرئيس بوتفليقة، وقد يكون تزكية لحمروش الابن السابق للمؤسسة العسكرية وجبهة التحرير الوطني لأن يكون سابع رئيس للجزائر والخليفة لبوتفليقة.

ويذكر اسم أحمد أويحيى منذ مدة طويلة، وهو يمثل خيار غالبية المؤسسة العسكرية، وينال رضى عواصم عدة عالمية، فهو يمثل الصرامة ورجل القطيعة مع المشروع الإسلامي، إلا أنه في ذات الوقت فهو لا يحوز على تلك الشعبية الضرورية للتربع على كرسي الرئاسة، فهو ما زال يجر سمعة رجل المهمات القذرة، والأمر يتعلق بسنوات التسعينات أين كان أويحيى يطبق توصيات صندوق النقد الدولي بلا هوادة، ثم إن السنوات الطويلة في الحكم لن تشفع له أمام الرأي العام الوطني.

ثم يأتي اسم علي بن فليس، ابن باتنة، معقل الثورة الجزائرية، الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني، ورئيس الحكومة السابق، والمرشح الخاسر في انتخابات 2004، ويعتبر صاحب تيار الأصالة والتقويم، عبد الكريم عبادة، من أقرب المقربين إليه، إلا أن قطيعته السياسية قد تسبب له خسارته لكثير من المواقع، والتحالفات.

وأما السعيد بوتفليقة، فيبدو واضحاً أن رياح الربيع العربي، التي ترفع عالياً شعار “لا للتوريث”، أتت بما لا تشتهيه سفينته، فهو من قبل كان من أنشط الساعين لخلافة الرئيس، أو وراثته، عن طريق تنسيقيات المساندة ومشاريع أحزاب ومؤسسات إعلامية. ومع ذلك، فهو يمثل ثقلاً سياسياً، له حصانه في السباق الرئاسي، قد يكون علي بن فليس أو غيره.

وفي جزائرنا الحبيبة ما زال في قاموسنا السياسي يستعمل لفظ “رجل الظل” أو “رجل الدولاب”، وهو ذلك الرجل الذي لا يذكر اسمه كثيراً، لا في الاجتماعات ولا في الإعلام ولا في الدوائر العامة، ثم يخرج إلى العلن في اليوم المدروس، وينعت بالمنقذ وورجل الخلاص الوطني، وهو يشكل وسطية بين تيارات شتى وأطراف عدة، كما فعل بالشاذلي عام 1979، أو بوضياف في عام 1992.

هذا ما يدور في الكواليس، ويقال في صالونات أصحاب الحل والعقد، وقد تحدث أحداث طبيعية أو مفتعلة، تغير المشهد وتقلب الموازين، رأسا على عقب، وأما ما يقال في الأوساط الشعبية، فهي مجموعة من التمنيات أن يكون لنا رئيسا شهماً غيوراً على مصالح بلده، صادقا مع وطنه، حنوناً على شعبه، مخلصاً لربه، موحداً لأبناء الوطن، وقائداً إلى شاطئ الأمان والرقي والهناء.

وإلى ذلك الحين، أيام الجزائر حبلى، نتمنى أن يكون المولود بركة وخيراً وفألا حسنا، وهذا أضعف الإيمان نتحلى به، وأكبر هدية نقدمها للشهداء الذين سقوا أرض الجزائر الطاهرة بدمائهم الزكية، من أجل استقلال بلدنا وحرية شعبنا وكرامته قبل خمسين سنة، وللأجيال القادمة، التي كتب لها أن تعيش في هذا الزمن الصعب والعالم المضطرب.

Amidz29@yahoo.fr

 

-- بقلم: عبدالكريم بن يخلف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*