الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الأكراد السوريون والثورة

الأكراد السوريون والثورة

يصح القول إن البرنامج السياسي المرحلي الذي أقره المجلس الوطني الكردي قطع مسافة مهمة نحو إعادة بناء الثقة بين، ما يمكن تسميته مجازا، الحراك الكردي والحراك العربي في الثورة السورية، واقترب إلى حد كبير من جوهر ما عرضته مختلف وثائق المعارضة التي تناولت مستقبل التغيير والقضية الكردية في وطن تعددي، عند تأكيده على أن «سوريا دولة ديمقراطية متعددة القوميات والأديان والطوائف بنظام برلماني، تلتزم المواثيق الدولية ومبادئ حقوق الإنسان وتعتمد مبدأ المواطنة وسيادة القانون»، وفي التبني الصريح ودون أدنى مواربة لأهداف الثورة في «إنهاء النظام الاستبدادي».

ثمة عوامل عديدة لعبت دورا في هز الثقة المطلوبة بين الأكراد والعرب في ثورتهم لنيل الحرية، منها ما هو حديث يعود إلى تصاعد الدعوات إلى حق تقرير المصير أو الفيدرالية أو اللامركزية السياسية، ووضع اشتراطات مسبقة لأحزاب كردية قبل التعاون والتعاضد تتوجت بعقدها مجلسا وطنيا كرديا وإعلان انسحابها من كل تشكيلات المعارضة السورية وائتلافاتها، لتبدو حينها الحركة الكردية، وللأسف، كأنها تتوسل اللحظات العصيبة التي تمر بها البلاد في ثورتها من أجل انتزاع أكبر المكاسب القومية، ولتغذي شعورا قديما لدى العرب بأن الكرد يخفون حسابات قومية خاصة ويترقبون الفرصة المناسبة لتحقيقها دون اعتبار للمصلحة الوطنية العامة، بل ويذهب آخرون إلى اتهامهم في وطنيتهم، وأنهم يندفعون غالبا نحو مصالحهم القومية على حساب خصوصية الوضع السوري ومعانيه المميزة، مذكرين بالمناخات التي سادت في البلاد مع حركة التطوع الواسعة لأكراد سوريا من أجل دعم البيشمركة في شمال العراق قبل توقيع اتفاقية مارس (آذار) 1975، ثم بدور حزب العمال الكردستاني في إذكاء الروح القومية وتجنيد الشباب الكرد السوريين للقتال في جبال كردستان، وأيضا بالطموحات التي باتت تدغدغ اليوم بعض أكراد سوريا وهم يتأملون الأحوال التي آل إليها الإقليم الكردي في العراق. وما زاد الطين بلة اسم «البرنامج السياسي المرحلي» الذي يثير بدوره الريبة عند الاستنتاج أن هناك برنامجا آخر بعيد المدى، هو البرنامج الحقيقي الذي يخفي، كما يعتقد أصحاب النيات السيئة، هدف الأكراد في الانفصال عن الوطن وإقامة دولة قومية مستقلة!

صحيح أن الروح القومية لأكراد سوريا قد انتعشت بوصفها رد فعل على سياسات التمييز والإنكار التي مورست ضدهم لعقود من الزمن، وصحيح شكهم وعدم الاطمئنان للوعود التي تقدم لهم بدافع من إحساس عميق بالتهميش تراكم تاريخيا لديهم وبأنهم كانوا دائما وقودا لمختلف القوى السياسية المتصارعة، التي ما إن حققت أهدافها حتى تناست ما رفعته من شعارات لرد المظالم.. لكن الصحيح أيضا أن الهموم القومية للكرد السوريين لم تتطور بوصفها اتجاها عاما، كهموم مستقلة وبالقطع مع الهموم الوطنية، ولنقل بثقة إنها لم تطرح يوما بوصفها سمة غالبة على حساب الولاء للوطن. والحال، إذا استثنينا قلة من الأصوات التي لا تزال تروج لأفكار متطرفة عن الانفصال، أن الحراك الكردي يتفق عموما على شعارات تؤكد الانتماء السوري وتدعو إلى الحريات العامة وإلغاء التمييز وتمتين أواصر الأخوة العربية – الكردية، ولا يغير من هذه الحقيقة حين يؤخذ على الحركة الكردية تأخرها بعض الوقت قبل الالتحاق بركب الحراك الشعبي، أو حين تمزج شعاراتها الخاصة المتعلقة برفع الظلم والاضطهاد القومي مع الشعارات العامة؛ بل على العكس، ما يؤكد هذه التوجه الوطني استمرار مشاركة الكرد في المظاهرات والاحتجاجات المطالبة بالحرية والكرامة، وما قدموه من تضحيات، وأيضا عدم إقامة أي اعتبار لإغراءات النظام حين منح الجنسية لعشرات ألوف الأكراد المجردين منها أو عزمه على اعتبار يوم النوروز عيدا وطنيا.. ويعزز في العمق هذا التوجه، الدروس والعبر المستخلصة من الهزائم والانكسارات التي شهدها النضال الكردي وما كابدته ثوراته المعاصرة، وتحديدا لجهة نقد أولوية الانتصار للهدف القومي وإدراك خطورة تغليب الغاية القومية على المهام الوطنية وعلى مهمة التحول الديمقراطي بصفتها الممر الآمن الذي يعالج تلقائيا وسلميا كل الإشكالات القومية مهما كانت صعبة أو معقدة.

والحال أنه على النخب السورية العربية والكردية أن تدرك هذه الحقيقة وتبادر جميعها لتحرير سياساتها مما يشوبها من حسابات ضيقة وأنانية ومن تعصب قومي وتقديم الأهداف الديمقراطية العامة على ما عداها، ولعل أكثر ما يزيل بقايا الشك ويخلق واقعا من الثقة والاطمئنان بين الأكراد والعرب، هو عندما تتبوأ أكثر فأكثر فعاليات كردية مكانة الصدارة في مسيرة الحرية إلى جانب الفعاليات العربية، وأن تتصدر قائمة المناضلين الديمقراطيين أسماء المثقفين والسياسيين الكرد، وعندما يصدح شعار: «واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد» من القامشلي إلى درعا! والنتيجة، أنه لم تكرس في سوريا معالم مشكلة قومية كردية بمعنى المشكلة، إلا بفعل تعاقب سلطات غير ديمقراطية استمدت مواقفها من آيديولوجية مشبعة بالتعصب القومي، وغاب عن عالمها احترام التنوع والتعددية وحقوق الإنسان. قبل ذلك، كان الأكراد السوريون جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي.. ينتشرون في معظم المدن والمناطق السورية ويشاركون بشكل طبيعي دون أية تفرقة في أنشطة الحياة وبناء الدولة؛ منهم من قاد المعارك ضد الاحتلال الفرنسي مثل إبراهيم هنانو، ومنهم من وصل إلى مناصب سياسية وعسكرية عليا بما في ذلك رئاسة الجمهورية مثل فوزي السلو وحسني الزعيم.

إن المعاناة العربية والكردية واحدة من حيث الجوهر، وتختصر أسبابها عبارة واحدة هي غياب الديمقراطية بوصفها معبرا لا غنى عنه كي نواجه جميعا كل المعضلات القومية والإنسانية.. الديمقراطية التي تعني، في أهم وجوهها، مساواة جميع القوميات والإثنيات والطوائف في نظر المجتمع والقانون، وفي إدارة السلطة والدولة!

المصدر: الشرق الأوسط

-- أكرم البني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*