الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ماذا يُراد.. أهي ديمقراطيات تحت «وصاية الجيوش»؟

ماذا يُراد.. أهي ديمقراطيات تحت «وصاية الجيوش»؟

شهد القرن العشرون ظواهر سياسية كثيرة.. من بينها «ظاهرة جعل الجيوش هي الأداة الرئيسة للتغيير»، فيما سمي بـ«العالم الثالث»: في أميركا الجنوبية.. وفي آسيا وأفريقيا اللتين تنتظمان الوطن العربي جغرافياً.

نعم.. شهد القرن العشرون «تغييرات» من نوع آخر، مثل: 

1 – الثورة البلشفية (الشيوعية) في روسيا.

2 – الثورة الإسبانية (التي تشبه الثورة البلشفية وفق تعبير جواهر لال نهرو في كتابه «لمحات من تاريخ العالم»).

3 – الثورات في النمسا وألمانيا.. إلخ.. إلخ.

بيد أن الظاهرة الغالبة على التغيير في القرن العشرين هي ظاهرة «الانقلابات العسكرية». فقد حدثت هذه الانقلابات في نحو ثمانين بلدا.

ومعظم هذه الانقلابات وقعت في ظروف معينة.

أ – ظرف ما بعد الاستقلال.

ب – ظرف فشل استيراد الليبرالية الغربية (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) في إدارة شؤون البلاد التي استوردتها، بعد الاستقلال.

ولقد اقترنت «عسكرة الحكم» بظاهرة أخرى هي «إيجاد ديمقراطية تحت وصاية الجيوش».

فالعسكر الذين استولوا على السلطة في بلدان كثيرة لم ينكروا الديمقراطية. وإنما قالوا: إن الديمقراطية (وحدها) قد تعرض البلاد لكوارث ماحقة. ومن هنا (كما قالوا) لا بد من أن يكون الجيش حاضرا – على مستوى القمة السياسية – في إدارة شؤون البلاد، لئلا تنزلق إلى ما يهدد الأوطان: 

1 – وأبرز النماذج أو أولها في وجود ديمقراطية تحت وصاية الجيش هي تجربة كمال أتاتورك في تركيا، وهي وصاية امتدت إلى آخر القرن العشرين تقريبا، ولا تزال تنازع الأمر أهله.. في هذه الصورة أو تلك.

ومما مكن الجيش التركي من هذا الدور أنه تسلم الحكم بقيادة أتاتورك بعد نصر حاسم في معركة عسكرية مع أعداء تركيا.. وقد جاء أتاتورك إلى الحكم من خلال انتخابات، ولكن طموحه الشخصي، ومؤسسته العسكرية الموالية له حولاه إلى ديكتاتور مطلق وهو الرئيس (المنتخب)!!

بادئ ذي بدء.. لنستمع إلى شهادة الزعيم الهندي نهرو وهو يقول:

انتخب مصطفى كمال أتاتورك رئيسا للجمهورية، فركز السلطة في يده، وأصبح بالفعل ديكتاتورا يملي إرادته على المجلس الوطني (وهو مجلس منتخب أيضا).

وبعد عقود.. ارتج الوطن العربي بموجة انقلابات عسكرية قالت في بياناتها الأولى إنها جاءت لتصحيح المسارات الديمقراطية المنحرفة.. ومن الوقائع الدالة على ذلك: 

أ – انقلاب عام 1949 في سوريا.

ب – انقلاب عام 1952 في مصر.

ج – انقلابا العراق والسودان عام 1958.

إن ظاهرة «الديمقراطية تحت وصاية الجيوش» لم تكن شيئا عابرا، بل لا تزال تفرض نفسها على الأوضاع السياسية في أعقاب ما تعورف على أنه «ربيع عربي».

وأضخم وأظهر مثال على ذلك: ما يجري في مصر.

لقد وقعت في مصر «ثورة شعبية»، في مطلع عام 2011، ولكنها ثورة كان يقودها «الجيش» من وراء ستار، وذلك لسببين اثنين:

أولا: السبب الأول: أن هذه الثورة لم يكن لها زعيم كبير تلتقي الأمة عليه، وتثق به؛ بعقله وإخلاصه وعبقرية رؤاه.

ثانيا: السبب الثاني: أن الجيش لم يكن ليسمح بذلك قط.

لماذا؟

1 – لأن الجيش المصري قد حكم البلاد ستين عاما متتابعة تقريبا (1952 – 2011) حيث توالى على الحكم في هذه المدة رؤساء عسكريون هم: جمال عبد الناصر.. ومحمد أنور السادات. ومحمد حسني مبارك. ولذا أصبح هناك (شبه عقيدة عسكرية سياسية)، وهي أن القرار الفعلي في إدارة مصر يجب أن يظل في يد الجيش.

2 – لأن الجيش المصري ارتاع كثيرا من الأنباء التي تتواتر عن توريث الحكم لجمال حسني مبارك من حيث إنه «رجل مدني» لا عسكري (بالإضافة إلى أسباب أخرى طبعا).

وقد كانت الثورة التي اندلعت في الخامس والعشرين من يناير 2011. كانت (في هدف من أهدافها الرئيسية) لصالح القوات المسلحة المصرية، إذ التقت الإرادة الشعبية مع الإرادة العسكرية في إلغاء فكرة توريث الحكم؛ كل بدوافعه وغاياته وحساباته.

إن للحرص الشديد على «دور مميز للجيش في أي صيغة حكم جديدة».. قرائنه الكثيرة القوية التي ترقى إلى مرتبة الدليل والبرهان، ومنها: 

أ – الرغبة العسكرية في أن يكون هناك نص دستوري أو قانوني يوفر للعسكريين حصانة معينة، ويعفي ميزانيات الجيش مما تخضع له ميزانيات القطاعات الأخرى كافة.

ب – طرح ما عرف بـ«وثيقة السلمي»، وهي وثيقة قوامها التوافق الوطني على «خصوصيات» فريدة للقوات المسلحة.

ج – المساهمة الفاعلة في الإشراف على كتابة الدستور الدائم لمصر.

بناء على ذلك كله: هل ستنشأ في مصر «ديمقراطية تحت وصاية الجيش»، تتقدم القوات المسلحة لتصحيحها كلما رأت أن هناك انحرافا في الممارسة الديمقراطية، أو «ميلا» إلى هذا الانحراف، كما حدث مثل ذلك غير مرة في باكستان وتركيا مثلا؟

والسؤال المركزي المترتب على ذلك كله، أو المنبثق منه هو: هل يريد الغرب الذي ملأ الأرض صياحا بالديمقراطية.. هل يريد هذا الغرب «ديمقراطية حقيقية» للشعوب العربية والإسلامية؟

يقول كاتب غربي، تعليقا على أحداث الربيع العربي: «إننا (أي الغربيين) لا نريد ديمقراطية حقيقية للعالم العربي. فمثل هذه الديمقراطية لها مخاطرها الجسيمة على الاستراتيجيات والمصالح الغربية، ولكننا نريد للعرب ديمقراطية (ملهاة) تنشغل بالقشور والديكورات ولا تنفذ إلى جوهر الأمور والمصالح».

والاعتراف صحيح وأمين. فالغرب (بشقيه الأوروبي والأميركي) قد عمل بهمة ونشاط وحرص على تقويض الديمقراطيات الناشئة – بعد الاستقلال – في الوطن العربي، كما يقول مايلز كوبلاند في «لعبة الأمم»، وكما يقول غيره من كتاب الغرب وسياسييه. وقد سوغوا هذا التقويض بـ«ضرورة» لجم الحركات الإسلامية، والأحزاب الشيوعية التي استثمرت المناخ الديمقراطي في التوسع والانتشار.. ألم تقم الاستخبارات الأميركية بتدبير 60 انقلابا عبر العالم؟ نقرأ في وثائق هذه الاستخبارات: «إنه في الدول التي يصعب فيها التحكم في الشرطة والعسكريين بطريقة مباشرة، يجب قلب نظام الحكم، وأن يصل إلى الحكم فيها نظام أكثر توددا للولايات المتحدة، وأن يوضع على رأس القمة والحكم (جيش دائم الوجود في السلطة) على طريقة الحرس الوطني: أعوان سوموزا الذي ظل طوال سنوات حكمه من المقربين للولايات المتحدة».

لكن ماذا تعني الديمقراطية الحقيقية (بمفهومها الأصلي عند الغربيين أنفسهم) التي لم يرد الغرب أن تسود هذه الديمقراطية في الوطن العربي والعالم الإسلامي؟

إنها تعني: 

1 – حرية إرادة الشعوب في اختيار حكامها.

2 – وتعني استقلال القرار الوطني: السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني.

3 – وتعني التمتع الكامل بالخصوصية الثقافية التي تتسع لها التعددية الثقافية العالمية الكونية.

4 – وتعني أن ذلك كله ينبغي أن ينبثق من «الهوية الوطنية والحضارية» لهذه الأمة أو تلك دون هيمنة فكرية وحضارية لأمة ما على شعوب العالم وأممه.. فهذه الهوية الوطنية الحضارية من صميم حرية الاختيار التي لا ينبغي أن تصادر تحت أي عنوان، وإلا فما معنى الطنين بديمقراطية لا تتضمن هذا الاختيار الأهم والأعظم؟

————-

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- زين العابدين الركابي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*