الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الطيف السياسي التونسي لا يزال مضطرباً

الطيف السياسي التونسي لا يزال مضطرباً

تتمتّع تونس، التي تعتبر الأنجح من بين الدول العربية التي تمرّ بمرحلة انتقالية، بتغطيات صحافية وتقارير إيجابية، ونتيجة لذلك كانت بمنأى عن عمليات التدقيق الجدّية. وفي حين لايشكّ أحد في أن العملية الانتقالية في تونس برهنت على أنها أسهل منها في البلدان الأخرى، فهي لاتزال تواجه مشاكل سياسية كأداء، إضافة إلى ماتواجهه من تحدّيات اقتصادية خطيرة جداً.

لا تزال المشكلة السياسية الكبرى تتمثّل في حال عدم التوازن في الطيف السياسي الذي يتنافس فيه حزب النهضة الإسلامي ذو التنظيم الجيّد والمتماسك، مع عدد كبير من الأحزاب العلمانية المفتّتة. هذه الأحزاب تدرك تماماً أن فرصها لتحقيق النجاح في الانتخابات ستكون محدودة مالم تتمكّن من تشكيل تحالفات أكبر، بيد أنها فشلت حتى الآن في تشكيل تجمّعات دائمة، ناهيك عن تشكيل تحالف علماني كبير.

في غضون ذلك، يظهر الائتلاف الحاكم – المؤلَّف من حزب النهضة، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية العلماني (الوسط)، وحزب التكتّل العلماني (يسار الوسط)، أنه لم يكن أبداً أكثر من زواج مصلحة بين جماعات غير واثقة من بعضها بعضاً – علامات على وجود توتّر. في حين أن هذا لايعني أن حدوث أزمة بات وشيكاً، فإنه يمثّل تذكرة بمدى الصعوبات والتعقيدات التي تنطوي عليها حتى عملية انتقال ناجحة.

الائتلاف الحاكم

تسيطر ما تسمى الترويكا على ما مجموعه 138 من أصل 217 مقعداً في الجمعية التأسيسية. لايمكن لحزب النهضة، وهو الأكبر في الجمعية وله 89 مقعداً، أن يحكم من دون دعم من العضوين الآخرين في الائتلاف.

حزب النهضة (89 مقعداّ) بزعامة رئيس الوزراء حمادي الجبالي، نجح حتى الآن في الحفاظ على تماسكه. في حين أن هناك توجّهات أكثر ليبرالية وأكثر محافظة في التنظيم، فقد أُبقيت الاختلافات حتى الآن تحت السيطرة. ومع ذلك، أجّل الحزب مراراً مؤتمره المقبل الذي تقرّر الآن أن يعقد في الفترة 12-14 تموز/يوليو. هذا التأخير يشير إلى أن القيادة تخشى من إمكانية أن يزيد المؤتمر، الذي سيتم خلاله مناقشة شؤون الحزب الداخلية، من حدّة التوتّر. وما من شكّ في أن الإعلان الذي صدر مؤخّراً عن رئيس الحزب، راشد الغنوشي، الذي قال فيه إنه لن يسعى إلى إعادة انتخابه للمنصب، سيؤدّي إلى حدوث صراع على السلطة.

 يظهر حزب المؤتمر من أجل الجمهورية (29 مقعداً) بزعامة منصف المرزوقي، مؤشّرات كبيرة على وجود توتّر في صفوفه. فقد اتهم بعض الأعضاء المرزوقي، الذي أصبح رئيساً لتونس في كانون الأول/ديسمبر 2011، بتقديم طموحه الشخصي على مصالح الحزب. ومن المحتّم، الآن وقد أصبح رئيس الجمهورية، أنه سيكون أقلّ انخراطاً في الشؤون الداخلية للحزب، ونتيجة لذلك لم يكن بوسعه منع اثني عشر من ممثلي حزبه في الجمعية التأسيسية من الانفصال وتشكيل حزب جديد. (انظر المؤتمر الديمقراطي المستقل أدناه).

 كان حزب التكتّل (20 مقعداً) بزعامة مصطفى بن جعفر، حليفاً متردّداً للنهضة. فقد كان العديد من مسؤولي التكتّل صريحين على نحو مدهش بشأن حقيقة أن قرار الانضمام إلى النهضة في الحكومة استند إلى المصالح السياسية وليس إلى أيّ تقارب إيديولوجي أو برنامجي. وأدّى الاستياء في صفوف الحزب تجاه التحالف إلى حدوث بعض الانشقاقات، وقبل كل شيء، الكثير من التذمّر.

تحالفات أحزاب المعارضة 

المعلومات المقدّمة هنا ليست نهائية، لأن التحالفات متقلّبة تماماً وعرضة إلى التغيير. طبعاً، إن الإعلان، في 16 حزيران/يونيو، عن تشكيل حزب سياسي جديد باسم “حزب نداء تونس” (أنظر أدناه)، يثير التساؤلات حول ما إذا كانت هذه التحالفات ستدوم ، ولاسيما حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي.

لقد تبيّن أن بياناً سابقاً أصدرته بعض الأحزاب العلمانية والذي أشار إلى أنها ستشكّل تحالفاً كبيراً للتغلّب على حزب النهضة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، والتي من المقرر الآن مبدئيّاً أن تُجرى في 20 آذار/مارس 2013، مفرط في التفاؤل. وبعيداً عن تشكيل تحالف شامل، تكافح تلك الأحزاب حتى لبناء ائتلافات صغيرة. وإلى الآن، لم يتم سوى تشكيل ائتلافين صغيرين إلى حدّ ما، كما أن قدرتهما على البقاء غير مؤكّدة:

ائتلاف حزبي بلا مسمّى إلى الآن

يعتبر الائتلاف نفسه من يسار الوسط، لكن تكوينه يشير إلى أنه ربما يكون أقرب إلى الوسط منه إلى اليسار. وهو يضم:

الحزب الديمقراطي التقدّمي (ستة عشر مقعداً) بزعامة أحمد نجيب الشابي، وهو حزب علماني وسط أو من يسار الوسط. توقّع الحزب أن يبلي بلاءً حسناً جدّاً في انتخابات العام 2011 للجمعية التأسيسية، وهو يسعى إلى إيجاد وسيلة لإعادة تأكيد نفسه كلاعب رئيس في الحياة السياسية التونسية. ومن الواضح أنه يهيمن على التنظيمات الأصغر حجماً في الحزب الجديد.

 حزب آفاق تونس (أربعة مقاعد)، بزعامة مصطفى المزغني، وهو حزب علماني وليبرالي من الناحية الاقتصادية، ينظر إليه على أنه يمثّل مجتمع الأعمال.

 الحزب الجمهوري التونسي الذي يتزعّمه عبدالعزيز بلخوجة، هو أيضاً حزب علماني وليبرالي اقتصادياً. ليس من الواضح كم عدد المقاعد التي يمكن أن يضيفها للتحالف، لأنه خاض انتخابات الجمعية التأسيسية العام 2011، مع أحزاب أخرى عديدة كجزء من حزب القطب الديمقراطي الحداثي، الذي حصل على ما مجموعه خمسة مقاعد.

حقيقة أن أنصار هذا الحزب لم يتمكّنوا من الاتفاق على اسم، لاتوحي بالثقة في قدرة هذا التنظيم على البقاء.

حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي بزعامة أحمد إبراهيم وسمير باطيّب، وعبدالجليل بدوي في منصب نائب الرئيس

ائتلاف يسار وسط، يسيطر حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي على بعض المقاعد البرلمانية. أعضاؤه هم:

حزب القطب الديمقراطي الحداثي (خمسة مقاعد) بزعامة رياض بن فضل ومصطفى بن أحمد.

 حزب التجديد بزعامة أحمد إبراهيم، وهو حزب يساري خاض الانتخابات في العام 2011 كجزء من حزب القطب الديمقراطي الحداثي، ولذلك فإن اندماج القطب الديمقراطي الحداثي والتجديد لن يمثّل تغييراً حقيقياً.

 حزب العمل التونسي بزعامة عبدالجليل بدوي، ليس لديه مقاعد في البرلمان.

لازال الحزب، الذي لم يُكشَف عن اسمه حتى الآن، وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي يناقشان إمكانيّة الاندماج في تنظيم واحد أو على الأقلّ تشكيل ائتلاف. وحتى لو تم الاندماج، فسيكون هناك 25 مقعداً فقط للكيان الجديد، وبالتالي سيكون خلف المؤتمر من أجل الجمهورية والعريضة الشعبية (تتم مناقشتها أدناه) من حيث الحجم.

يتم وصف هذا التحالف السداسي الجديد المحتمل في معظم المناقشات على أنه ديمقراطي اجتماعي، أو يسار وسط. لكنه في الواقع، سيكون هجيناً إيديولوجياً، يضم حزب التجديد وحزب العمل التونسي (الشيوعي سابقاً)، والحزب الديمقراطي التقدمي وسط، والأحزاب الليبرالية الاقتصادية من يمين الوسط مثل آفاق تونس والحزب الجمهوري.

أحزاب المعارضة العلمانية المفتّتة

حتى لو كتب للائتلافين البقاء على قيد الحياة أو اندمجا، فسيظلّ الطيف السياسي العلماني مفتّتاً إلى حدّ كبير.

 بالإضافة إلى الأحزاب التي تمت مناقشتها هنا، والتي حصلت على  مقاعد في الجمعية التأسيسية، سجّلت عشرات الأحزاب الأخرى نفسها، وهي موجودة على الأقل اسمياً. الأحزاب خارج الائتلافين تشمل كلاً من:

حزب العريضة الشعبية (26 مقعداً) بزعامة محمد الحامدي، هو الأبرز من بين الأحزاب التي تبقى مستقلّة. لم يكن نجاحه الانتخابي متوقّعاً أبداً، وقد حقّقه من خلال مزيج من الرسالة الشعبوية شبه الإسلامية، وجاذبيّته لسكان المناطق الداخلية التي تعاني من الركود الاقتصادي والتي يتحدّر منها مؤسّسه، الحامدي.

في حين أن حزب العريضة الشعبية فريد من نوعه، ويصعب تصنيفه إيديولوجياً، فإن أكثر الأحزاب التي لاتزال خارج التحالفات لديها عدد قليل من المقاعد في الجمعية التأسيسية، ولها ملامح وسط أو يسار الوسط مماثلة لتلك التي تملكها الأحزاب  التي تسعى إلى الاندماج. وبالتالي يبدو أن العقبات التي تَحُولُ دون انضمامها إلى تحالفات أكبر هي الشخصيات والطموحات لا الحسابات الإيديولوجية أو السياسية التي لا تحتاج إلى حلفاء. وتشمل هذه الأحزاب:

الاتحاد الوطني الحرّ (ستة مقاعد)، بزعامة سليم الرياحي، وهو حزب علماني ليبرالي من الناحية الاقتصادية.

 حركة الشعب (مقعدان)، برئاسة محمد براهيمي، ويعرّف نفسه بأنه حزب قومي عربي واشتراكي.

 حركة الديمقراطيين الاشتراكيين (مقعدان) بزعامة محمد المواعدة.

 الحزب الليبرالي المغاربي (مقعد واحد)، بزعامة محمد بوعبدلي، وهو حزب علماني، وليبرالي من الناحية الاقتصادية.

ومع ذلك، ثمّة عدد قليل من الأحزاب الأخرى، لديها مشكلة تجاه الانتماء إلى التحالفات الناشئة، وتضم:

• حزب المبادرة (خمسة مقاعد)، كمال مرجان، يتم تنظيمه ودعمه من عناصر من التجمع الدستوري الديمقراطي، وهو الحزب المنحلّ للرئيس السابق زين العابدين بن علي.

• حزب العمال الشيوعي التونسي (ثلاثة مقاعد)، بزعامة حمام حمامي، ينظر إليه عموماً بوصفه حزباً شيوعياً متشدّداً من الطراز القديم.

الأحزاب الجديدة

في حين تبدو الجهود المبذولة لبناء تحالفات بطيئة، فإن تنظيمات جديدة آخذة في الظهور، ما يزيد في عملية التفتيت. في ما يلي تم التطرّق فقط إلى الأحزاب التي يرجّح لها أن تفوز بمقاعد في الانتخابات البرلمانية المقبلة:

حزب المؤتمر الديمقراطي المستقل يرأسه السكرتير العام السابق لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية عبد الرؤوف العيادي، ويشغل الصحافي سليم بوخضير منصب المتحدث باسمه. ولأنه تأسّس بواسطة منشقّين عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، فإن لديه بالفعل اثنا عشر عضواً في الجمعية التأسيسية.

 حزب الإصلاح برئاسة الدكتور محمد خوجة تم تسجيله في 11 أيار/مايو عام 2012. يطالب هذا الحزب السلفي بأن ينصّ الدستور على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع. وعلى الرغم من أنه يصرّ أيضاً على أن الإسلام يتقبّل مفهومي الديمقراطية والحرية، يؤكّد الحزب أن الحرية لا تجوز إلا في حدود الشريعة الإسلامية، لأن الحاكم ملزَم بالشريعة، ويجب أن يطبّقها في مجملها على جميع شؤون الحياة اليومية. ومع ذلك، وفي إشارة إلى واقع الحياة التونسية، يدّعي حزب الاصلاح أنه لن يجبر النساء على ارتداء الحجاب أو النقاب ولن يحظر السياحة.

ثمّة جهود تجري أيضاًً، منذ أشهر عدة، لتأسيس أحزاب جديدة على غرار حزب الدستور الجديد العلماني المتشدّد الذي تم حلّه الآن، (الحزب الحر الدستوري الجديد) وهو حزب الحبيب بورقيبة، أول رئيس تونسي. لم يتم تأسيس مثل هذه الأحزاب بعد، باستثناء حزب صغير جداً يسمى الدستور.

اجتمع مؤيدو فكرة إحياء حزب دستوري جديد في 25 آذار/مارس 2012، مع الباجي قائد السبسي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء في الفترة الانتقالية بين الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي وانتخابات كانون الأول/ديسمبر 2011. تم في الاجتماع، الذي دعي إليه ممثلون عن أحزاب التجديد وآفاق تونس والمبادرة، مناقشة إمكانية إنشاء جبهة مشتركة من الأحزاب العلمانية تحت الراية الدستورية.

مع ذلك، أعلن السبسي عن تشكيل حزب نداء تونس في 16 حزيران/يونيو، مؤكّداً أن الحركة الجديدة ترمي إلى تحقيق الإجماع الوطني وتوحيد أحزاب تونس “المبعثرة”. وأعلن أحمد إبراهيم، الأمين الأول لحركة التجديد، عن دعم حزبه للمبادرة الجديدة، والتزامه العمل مع نداء تونس في المستقبل. كذلك، صرّحت سلمى بكار، العضو في الجمعية التأسيسية، التي تنتمي إلى القطب الديمقراطي الحداثي، بأنها مستعدة للعمل مع الحركة الجديدة. ويبقى أن ننتظر لنرى ما إذا كان هذا الحزب سيساهم في توحيد المعارضة أو شرذمتها أكثر.

ندّدت الترويكا الحاكمة على الفور بالاجتماع ووصفته بأنه من “آثار النظام السابق”، حيث قال أحد ممثّلي حزب المؤتمر من أجل الجمهورية: “هؤلاء الأشخاص يريدون سرقة الثورة التونسية”. الحزب الدستوري لم يتأسّس رسمياً في الوقت الحالي، ولكن في 5 حزيران/يونيو، أعلن السبسي عزمه على إطلاقه، وقال إنه لن يكون موجّهاً ضد حزب النهضة أو يمثّل شريحة من السكان أو نزعة إيديولوجية واحدة، لكنه سيكون مفتوحاً للجميع. ومثل غيرها من الكتل السياسية التونسية المتقلّبة، من غير الواضح في هذه المرحلة ما إذا كانت القوى البورقيبيّة ستتمكّن من الاندماج في حزب واحد قبل الانتخابات المقبلة.

من المحتمل أن يتم تشكيل المزيد من الأحزاب قبل الانتخابات المقبلة، بل هناك في الواقع عشرات الأحزاب التي لا تزال موجودة ومسجلّة اسمياً لكنها خامدة. والطيف السياسي التونسي حتى الآن يكاد لا يظهر علامات تذكر على أنه أصبح أقلّ تفتّتاً.

————–

باحثة أولى

-- مارينا أوتاوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*