الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العنف في الثقافة الصومالية

العنف في الثقافة الصومالية

أعتقد أنني قد لا أحيط بمشكلة العنف في مقال واحد تشخيصا وتحليلا ومعالجة إلا أنني أريد فقط من خلال هذا الطرح تسليط الضوء على العنف وأشكاله وألوانه لاسيما في الصومال حيث أني أعتقد أن العنف لعب دورا كبيرا في تخريب البلاد وتدهور الحال.

العنف عندنا رديف الإنسان من فترة ما قبل الولادة، فالرجل يعاشر زوجه بفظاظة ويأتي الولد في ظل تلك الظروف العنيفة ويتربى بالعنف ويذهب إلى الـ “دوكسي”* فيرى ما يفوق العنف الأسري ويخرج إلى المجتمع فيجدهم تمثالا للعنف فعلام نلوم هذا الجيل المتوحش ؟! ؟!

لو عدت بذاكرتي فإنني لا أنتهي من سرد مشاهد عاصرتها تنبئ عن مدى انتشار العنف في الأوساط الصومالية مع أني أعتبر نفسي الأقل خبرة من بين الصوماليين في هذه القضية وأنسى تلك المشاهد المريرة عندما أسمع إلى الآخرين فواحدهم يقول:

أنه عاصر موت طفل على يد معلم القرآن بعد ضرب مبرح، وآخر يقول أن شقيقه مصاب إلى يومه هذا بألم في رأسه لا ينفك منه بسبب معلمه القرآن الذي عاقبه ذات يوم ثلاث ساعات متتاليات ذهبت بصحة عمره.

ومن المشاهد ما انتشر قبل أيام على مواقع الأخبار أن طفلا مات بيد زوج أمه بعد أن أوسعه ضربا علما بأن هذا الطفل ليس إلا ابن عم لي، تابعت قضيته عن كثب هذا لتعلموا مدى صحة الخبر وأنه ليس من القيل والقال.

وإن أنسى لا أنسى أبدا ما عانيته من قبل بعض المعلمين في صغري وإنني أجزم في يومي هذا أن ضرب بعض المعلمين لي أو معاقبتهم لم تكن تهدف إلى التأديب أبدا، فكنا نُضرب ضربا مبرحا لأننا لا نقرأ القرآن بذلك الصوت الذي يسمعه جاري العاشر، أو لأني التفتُ أثناء قراءتي، وكنا نجلس الساعات لقراءة القرآن بصوت تبح من إثرها الحناجر، ونحن متربعون ووجوهنا نحو الجــدران، والشيخ من ورائنا يحمل أنبوبا، أو سلكا سميكا، أو ربما هراوة غليظة، فإن تنحنحتَ أو سعلتَ أو التفتَ إلى ورائك فهذا يعني أنك سوف لن تنام الليلة على ظهرك “لا جزاهم الله عنا خيرا ولا كثر الله أمثالهم “، فبأي ذنب نُضرب إلى هذا الحد ؟!

ثم إني دون أي مزايدة أو مبالغة أقول بأني شهدت إغماء ابن خالتي بعد ضرب دام لساعات من قبل معلم متوحش، لأنه لم يستطيع أن يقرأ سورة الفجر بالتجويد، وهذا لثقل لسانه علما بأنه كان قد تربى بداية طفولته في الغرب، ولم يدرس الدراسة الأساسية كما يفعل أطفال الصومال، وعندما أقول: “أغمي عليه ” فإنني والله أعني بذلك الإغماء الحقيقي الذي يُفقد الشخص الوعي تماما والغريب في هذه القضية أن أحد أقاربنا “وهو من كبار السن “شارك في ضرب الولد لأنه حاول أن يقاوم الأستاذ، فكان يساند ذلك المعلم المشئوم، وصار الناس يلومون الولد ويعاتبونه بأنه قاوم معلمه، وهذه يعتبر من الجرائم الغير مغتفرة في ثقافة شعبنا المبارك.

ولو قلت في هذا الصدد بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنف طفلا في حياته أبدا وهو قدوة المسلمين وأسوة الصالحين حينها أكون قد شبهت التبر بالتبن، وفي المقابل أطفالنا ليسوا كأنس بن مالك رضي الله عنه حتى لا يعنفوا، ولست أدافع عن الأطفال، ولا أبرر أخطائهم ولا أزعم أنهم لا يخطئون “حاشا ” بل خطأ الأطفال وارد، ولا شك والخطأ في تصرفاتهم هو الأصل، لأنهم في فترة التعلم، ولكن ما أفعله هو فقط مقارنة بين الذنب الذي اقترفه الطفل، والعقاب الذي سيعاني منه وعلى هذا الأساس أبني انتقاداتي.

وقد يقول قائل أنه يجب استعمال الترغيب والترهيب معا في ما يتعلق بتعليم الأطفال، وأنا أتفق معه في هذا، لكن هل فعلا ما يحدث هو مجرد ترهيب؟! ثم أين الترغيب في أسلوب المعلمين عندنا إذ أنني لم أصادف معلما قط في حياة الطفولة رغبني أو جازاني بعد إنجاز سواء قولا أو فعلا غير معلم واحد أعطاني 500 شلن صومالي من مصروفه”ويعلم الله مدى فرحتي بهذا ” علما بأني تتلمذت على يد ما يجاوز العشرين من المعلمين خلال تنقلاتي بين المدن أو الأحياء في تجربتي مع الـ “دوجسي “، ولا يمكن أني لم أنجز إلا ذلك اليوم فقط خلال ما يقارب 10 سنوات.

ولا أنكر أن فيهم أفاضل، ومن لا أزال أحمل لهم بالغ الاحترام، وأعرف أن لهم باع في علوم القرآن، لكني لو قلت بأن ثقافة الترغيب في بلادنا منعدمة، فأظنني قد أصبت الصواب، ولم أبالغ بخلاف الترهيب الذي تفننوا فيه وأبدعوا، وأذكر أن أحد معلمينا كان له حفرة بجانب الـ “دوجسي ” يرمي فيها من أخطأ أو ساء تصرفه من الطلاب، بغض النظر عن ذلك الخطأ، ثم يغطيه بصفيح من حديد ليبقى مدة بهذه الحالة، ولا يمكن أن طفلا لم يبلغ الحلم يجرم جرما يستحق به الدفن ولو بهذا الشكل.

وعندما أتكلم عن العنف الجسدي فهذا بطبيعة الحال يعني أن العنف النفسي ليس من الممكن حصره في نماذج لكثرة انتشاره ولضيق المجال، والغريب أنه مع هذا فإن المجتمع لا يبدي أي اعتراض أو ضجر من تلك المشاهد التي يعايشها كل صباح وكل مساء، بل إنه أول ما يقوله الأب للمعلم عندما يأتي بولده للمدرسة أو الـ “الدوجسي ” قولهم الشائع : “لك اللحم تفعل به ما تشاء ولنا العظم بعدك ” مما يعني : بإمكانك ضرب الطفل ولو أدى هذا إلى انعدام جلده حتى ولو جردته عن لحمه وإن لم يتأدب بعد ذلك فسوف أكسر عظامه، وكان هذا هو القانون المطبق في هذا المجال.

ونهج المعلمين في الألقاب كنهج العرب الأعراب أيام الجاهلية في التسمي بالأسماء المخيفة، ومن النماذج في هذا أنني أتيت مدرسة فتحت في حينها كنا أول من ينتسبون إليه فقال جارنا والذي كان يشرف على هذا الدوكسي : هل تعلمون اسم معلمكم قلنا : لا فقال : اسمه “macalin basbaas ” – وهو يعني “المعلم شطة” وهذه هي بداية العنف.

على كل فكما أخبرتكم أنني لا أستطيع أن أحصر مجال الحديث عن العنف في الصومال سواء كان ذلك العنف جسديا أو نفسيا أو غير ذلك من ألوان العنف ولكن أطرح عليكم المشكلة لعلنا نجد منكم العلاج المناسب ولعلي أطيل النفس في هذه القضية في أطروحات أخرى.

*هي كلمة صومالية تعني الكتاتيب وهي أماكن خصصت فقط لحفظ القرآن وهذا منتشر في الصومال وما من صومالي إلا وقد درس فيها

المصدر: الصومال اليوم

-- عبد الوهاب محمد عثمان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*