الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » خطورة ونتائج التكفير

خطورة ونتائج التكفير

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له, وأشهد أن محمد عبده ورسوله, أما بعد:-

فقد منّ الله أمة محمد-صلّـى الله عليه وسلـم- بإكمال دينها وإتمام نعمته عليها ورضاه عنها بإسلام دينا, لا يقبل من أحد سواها (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكَُُمْ دِيْنُكُمْ وَأَتمْمْتُ عَليَْْكُم نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الِإسْلَامَ دِيْناً) المائدة:3

وقال تعالى( وَإِنَّ هَذَا صِرَاطِيْ مُسْتقيْمًا فَاتَبِعُوهُ وَلَا تَتَبِعُوا السُّبُلَ فَتَفرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيْلِهِ) الأنعام :153

وقد أمرنا الله عند التنازع بالرد إليه والرد إليه هو: الرد إلى كتابه, وأمرنا بالرد إلى رسوله حال حياته, وإلى سنته بعد وفاته, قال تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِيْ شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ َذَلكَ خَيْرٌ وَأحْسَنَ تأْوِيلاً ) النساء : 59

فكلمة “شيء” هنا نكرة في سياق الشرط تعم كل اختلاف في الأصول والفروع.

ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه, ولم يكن كافيا لم يأمر بالرد إليه, إذ من الممتنع أن يأمر الله تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع.

وقال تعالى ( إنَّ الذِيْنَ فَرّقُوا دِيْنَهُمْ وَكَانُوْا شِيعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِيْ شَيْءٍ ) الأنعام: 159

وقال تعالى (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُوْلَ مِنْ بَعْدِ مَاْ تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَبِعَ غَيْرَ سَبِيْلَ المُؤْمِنِيْنَ نُوَلِّهْ مَاْ تَوَلَّى وَنُصْلِيْهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيْراً ) النساء : 115

فتوعد من اتبع غير سبيل المؤمنين بنار جهنم وساءت مصيرا, فدل على أن إتباع سبيل المؤمنين في فهم شرع الله واجب, ومخالفته ضلال, وأولى المؤمنين الذين يجب إتباعهم هم أصحاب رسول الله صـلى الله عليه وسـلم.

قال ابن القيم-رحمه الله- وكل من الصحابة منيب إلى الله تعالى فيجب إتباع سبيله وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله )

لأن تفرق عند الأئمة من السلف الصالح أن أقوال الناس وأعمالهم توزن بالنص والإجماع فمن وافق نصا أو إجماعا قبل منه, ومن خالف واحدا منهما رد عليه كائنا من كان.

أذا علم هذا فإن من أبواب الدين التي عظمت فيها الفتنة والمحنة وطاشت فيها الأحلام وكثر فيها الافتراق وتشتت فيها الأهواء والآراء : التكفير والتبديع وهذا لأن التكفير يولد التفجير والتدمير كما نشاهده حاليا في بلادنا الصومال-حرسها الله-ولقد سار أهل السنة والجماعة السائرين على منهج السلف الصالح في هذا الباب على التفصيل وهو : أن أهل البدع والمعاصي ليسوا على درجة واحدة, فمنهم من هو مقطوع بتكفيره كمن أتى بقول أو فعل مكفر وتمت في حقه شروط التكفير وانتفت موانعه , ومنهم من لا يحكم بكفره لانتفاء ذلك ولم يكن من منهج السلف تكفير من لا يستحق التكفير من المسلمين من أهل الكبائر.

وأشهر من عرف قديما بالتكفير والعنف هم الخوارج الذين حكموا بالكفر من لا يستحقه من المسلمين وخرجوا على أولياء أمورهم وصاروا شرا ومحنة على الإسلام المسلمين.

وما زال الفكر التكفيري يمضي بقوة في أوساط شباب الأمة منذ أن اختلقته الخوارج الحرورية , لا يرعوي إلا في فترات يزوغ منهج أهل السنة وتألق عقيدة سلف الأمة , ولا أكون مبالغا في القول إنه سبب كثرة كاثرة من البلايا والرزايا التي منيت بها الأمة في ماضي الزمان وحاضره وما هذه التفجيرات المدمرة والسيارات المفخخة والاغتيالات الغاشمة والمذابح الماكرة للمصلين بل للشيوخ والأئمة ما هذا كله وغيره من فواجع أضرمت القلب وأمرت العيش إلا ثمرة بشعة من ثمرات الفكر التكفيري وعواقبه ولواحقه .

ولا ريب أن هذا الوصف نعيشه اليوم,فهذه الجماعات الثائرة من هنا وهناك في أول أمرها كانت متأثرة بفكر الخوارج , ولكن الكثير من الناس لا يعرفون الخوارج إلا في حال قتالهم للمسلمين, ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- ( … وكذلك الخوارج لما كانوا أهل سيف وقتال ظهرت مخالفتهم للجماعة حين كانوا يقاتلون الناس, وأما اليوم فلا يعرفهم أكثر الناس )

هذا في زمن شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- أي أن أكثر الناس لا يعرفون الخوارج بصفاتهم المعروفة عند أهل العلم حتى يظهر أمرهم بمباشرتهم لقتال المسلمين فكيف لو رأى شيخ الإسلام ما نحن فيه اليوم من اغترار فئام كثيرة بالأفعال وأقوال خوارج هذا العصر بل وتمجيد البعض لهم, وإطلاق الأوصاف المبجلة عليهم , واغترار البعض مما لا علم عنده ببعض ما يظهرون من عبادات مع الغفلة عن حقيقة معتقد الخوارج, وقد احتضنت بعض الجماعات المعاصرة فكر الخوارج التكفيري ثم صدرته للمسلمين, ولقد تأثر بعض أبناء بلادنا بهذا الفكر التكفيري وما تولد منه من تفجير وتدمير, فوقعت أعمال مؤسفة ومؤلمة من بعض جماعات المعتقدة بهذا الفكر, فأحزنت بقبح أفعلها لكل مسلم يحب الله ورسوله ودين الإسلام.

وأخيرا فإني أشكر الله –سبحانه وتعالى- على توفيقه لإتمامي هذا الموضوع, وأذكر نفسي وإخواني المسلمين عموما, وأبناء بلادنا خصوصا, بعد ما وقع من أحداث دامية مؤسفة أضرت بالإسلام والمسلمين من قبل جماعات تقبلت ما صدر إليها حزبية تكفيرية خارج بلادنا ,متشبعة بفكر الخوارج.

أذكر الجميع –لاسيما من كانوا بفكرهم سببا في انتشار هذا الفكر- أنه لا يجوز السكوت عما حصل ولا التبرير لأصحابه ولا للجماعات الحزبية البدعية المخالفة للحق , أو كراهة الكلام فيهم وأذكر الجميع بأننا في هذا البلاد الصومـال المسلمة نتنعم-ولله الحمد والمنة- بالإسلام والعمل به والدعوة إليه على هدي من الكتاب والسنة وفق فهم السلف الصالح, وليس لأحد أن يزايد عليها في ذلك إلا من سفه نفسه وظلمها, ويخالف الجماعة ويكون سببا للفرقة والاختلاف.

حمى الله بلادنا وولاة أمرنا وعلمائنا وأهل بلدنا من كل سوء ومكروه, ورد كيد أعداء هذا البلد في نحورهم وكفانا وكفى المسلمين شرورهم.

وصـلّى الله وسـلّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمّـد وآله وصحبه أجمعـين.

المصدر : الصومال اليوم

-- عبد العـزيز الحسـنيّ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*