الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » بين أخلاقيات الإسلام ومنهج القاعدة

بين أخلاقيات الإسلام ومنهج القاعدة

عندما اختار المولى عز وجل رسوله الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام وكلفه بالدعوة إلى الإسلام، أوحى إليه جل وعلا بالطريقة المثلى للتعامل مع البشر ودعوتهم وهدايتهم من خلال جبريل عليه السلام، وأمده بمعالم وإضاءات مهمة في طريق الدعوة عبدت فيما بعد الطريق لنشر الإسلام ورسالته في ربوع المعمورة برمتها، ولعل تلك المعالم تمثل في مجملها مبادئ الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. لم يكن الإسلام أبدا دينا عدائيا ولم يفرض على الآخرين اعتناقه بالإكراه، لقد عمد المسلمون على مر العصور إلى الدعوة إلى الإسلام من خلال الوسائل السلمية لاجتذاب القلوب والنفوس إلى جوهر الدين الإسلامي ولب عقيدته، ولم تكن الحروب والغزوات التي خاضها المسلمون على مدار تاريخهم الطويل إلا حروبا فرضت عليهم وأذن المولى عز وجل لهم بها للدفاع عن أنفسهم وصيانة حرماتهم وأعراضهم. فالحرب لم تكن أبدا منهجا لنشر الإسلام وتوسيع رقعته، إنما كانت وسيلة لحماية الأمة الإسلامية من الأخطار ودرء أطماع الأمم الأخرى في مواردها وثرواتها، ولم تكن كذلك نزوات لقادة نرجسيين أو شهوة لحيازة المزيد من السلطة، لقد كانت تلك الحروب واجبا مقدسا لحماية صرح هذا الدين العظيم مصداقا لقوله تعالى « أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و إن الله على نصرهم لقدير* الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله».

ولعله من نافلة القول أن نشير لأخلاق المسلمين عند خوض الحروب؛ فلم تكد تبدأ حرب في الإسلام إلا وكانت وصايا الرسول وأوامره الأخلاقية لقادة جيوشه تسبق دق نوافيرها وقرع طبولها؛ ألا يقتلوا شيخا ولا يروعوا ضعيفا، لا يهاجموا امرأة أو يعذبوا طفلا، ألا يقطعوا شجرة أو يمثلوا بجثة أو يدمروا موردا طبيعيا. إنها عظمة هذا الدين الفضيل التي أثارت إعجاب عدوه قبل صديقه، وفرضت احترامه وتبجيله حتى على غير المعتنقين له. كيف تغيرت الصورة الجميلة وتبدلت لهذه الدرجة الآن؟ كيف توغلت جذور الإرهاب وتغولت أذناب التطرف حتى باتت إحدى السمات المميزة لفصائل عدة من فصائل الإسلام السياسي؟ كيف تحولت مبادئ الدين الإسلامي السمح وشرائعه الحكيمة لتلك السلوكيات المتجهمة والتصرفات الحمقاء من قتل آلاف الأبرياء من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال وتدمير الموارد الطبيعية وهدر الثروات، وكيف تبنت بعض التنظيمات المحسوبة خطأ على الإسلام التطرف والإرهاب منهجا والغلو مرجعية حتى أوصلت العالم كله إلى نتيجة خرقاء تربط كل ما هو إسلامي بكل ما هو إرهابي؟، إلى الدرجة التي باتت معها تلك التنظيمات المعروفة للجميع هدفا للتصفية من كافة دول العالم باعتبارها رمزا للإرهاب العالمي المتزيي بزي الإسلام والإسلام منه بريء.. 

لقد تتابعت على ذهني كل تلك التناقضات المثيرة للشجن بين حقيقة الدين الإسلامي ووقائع تاريخه الناصعة والمشرفة وبين الإرهاب السياسي ممثلا في تنظيم القاعدة بمعاركه الفاشلة عندما علمت بخبر وفاة الأمير نايف رحمه الله، الذي كان أحد الأعمدة الصلدة التي تصدت بحسم لإرهاب هذا التنظيم داخل المملكة. لقد كرس الأمير الكثير من وقته وجهده لمحاربة التطرف واستئصال شأفة الإرهاب داخل المملكة. ولطالما كانت جهوده انعكاسا وتمثيلا لنبض المواطن البسيط الذي كثيرا ما أرقته الحوداث الإرهابية وأقلقه المد المتطرف، لتبقى الأمور داخل المملكة بفضل الله في حالة من الاستقرار يحسدنا عليها الكثيرون. ولعل الكثير منا راوده بعض القلق من وفاة الأمير نايف لما قد يعتبره بعض الإرهابيين ثغرة يستطيع من خلالها النفاذ لضرب أمننا واستقرارنا، غير أننا على يقين من أن المملكة دولة مؤسساتية أقرب إلى دولة القانون منها إلى دولة الأفراد، نحن على ثقة من أن مؤسسات الأمن السعودي بكافة أطيافها واعية تماما ومستعدة لمواجهة أي مرحلة ومدربة جيدا لكيفية تجاوز الأزمات، ولا ينبغي أن ننسى أن الأمن القومي مسؤولية جماعية مشتركة بين المواطنين والسلطات، ومسيرة الإصلاح بنيت على دعائم قوية..، وها هي قد بدأت الآن ولن يستطيع أحد إيقافها، فعقارب الساعة لا تعود أبدا إلى الوراء. 

المصدر: صحيفة عكاظ

-- محمد حسن مفتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*