الجمعة , 9 ديسمبر 2016

نعمة الاستقرار

نعمة الاستقرار هالة في سماء الوطن لا تراها إلا المجتمعات غير الآمنة، وخيار العنف والاستبداد الطريق الأصعب الذي يؤدي في النهاية إلى تشريع حمل السلاح وإطلاق الرصاص على الصدور العارية، وعادة ما توجد مقدمات قبل مرحلة العنف والقتال، من أهمهما استخدام الوسائل غير الشرعية لقمع الناس، وتلفيق التهم، وإصدار الأحكام غير المنصفة ضد من يعتقدون أنهم يمثلون الخطر ضد مصالح السلطة، ويعد هذا السيناريو الأشهر والأكثر تكراراً في تاريخ البشرية، لكنها ثبت فشله الذريع في إيقاف طوفان التغيير.

ما يحدث في سوريا هو مثال صارخ على عدم الاستقرار الذي أدى إلى الوصول إلى مرحلة إراقة الدماء وقتل الأطفال واغتصاب النساء، ثم الدخول في الحرب الأهلية من أوسع أبوابها، وذلك لإضفاء الشرعية على الجريمة السياسية، والتي قد تنتهي إلى هدنة يخرج منها المجرمون أبرياء، ثم يتم الاتفاق على تسويه سياسية تضمن لمختلف المقاتلين حقوقهم السياسية، لكن الشاهد في ما نتابعه على شاشات الإعلام هو إصرار الشعب على التغيير مهما كلفهم الأمر.

تتفق أبجديات السياسية الحديثة على أن احترام حقوق الإنسان هو أدني شروط الأمن في المجتمعات، ولكي يتحقق ذلك على السلطة أن تتجرع بعض التنازلات من أجل أن تبقي تلك الهالة على رؤوس مواطنيها، إذ لا يمكن أن ينتج التعسف إلا تعسفاً، ولا يصدر من العنف إلا عنفاً مضاداً، وقبل أن ذلك أن تكون السلطة بمثابة الموجه والحافظ الأمين على مصالح الوطن ووحدته، على أن تلتزم وتقسم اليمين على قيادة الوطن إلى حالة الأمن ونعمة الاستقرار مهما كانت حدة الرأي والرأي الآخر.

تعلمنا من فيزياء الحركة أن لكل فعل ردة فعل مساوية لها في القوة ومضادة لها في الاتجاه، وما حدث في الدول العربية التي تعرضت إلى اضطرابات سياسية أثبتت صحة النظرية الفيزيائية، فما يحدث في سوريا وليبيا يحكي مقدار العنف الذي كان تسقيه السلطة مواطنيها، فكانت النتيجة على مقدار سنين الاستبداد والقمع، كذلك لم تكن النتائج في مصر وتونس تحمل في يومياتها كمية عالية من العنف والقتال، وذلك لأن الأنظمة السابقة كانت أقل عنف ودمويه من نظرائهما في سوريا وليبيا.

من الواضح أن العقل العربي السياسي يمر في حالة من الإرتباك بعد بعض فصول الثورات العربية، وتظهر الصورة في أوضح مشاهدها في مصر، فمجلس القيادة العسكرية لا يزال يرفض لا شعورياً التغيير، ويحاول أن يضع العراقيل من إيقاف حركة التغيير، وأعتقد أنه يمر في حالة خوف من المستقبل، فمصالح ثلاثة عقود من السيطرة قد تضيع في لحظه ثوريه غير عقلانية، وقد لا يكون لهم خيار إلا بقبول فطرة التغيير، والتي لم تتبدل منذ الأزل، فالإنسان إذا وصل إلى حد اليأس يخرج في لحظة غير عقلانية إلى الشارع، وتحدث الكارثة.

نعمة الاستقرار ليست مظاهر احتفاليه في وسائل الإعلام، لكنه عمل دؤوب ملتزم بحيادية وشفافية عالية من أجل كشف الخلل ثم معالجته قبل أن يستعصي حله، ويمثل ذلك قمة الوعي السياسي، والذي تظهر أبهى صوره في الدولة الحديثة وفي برامجها ومؤسساتها التي تستطيع أن تشخص مواطن الإصابة بالتعسف والتسلط ثم إزالتهما في الحال.. تظهر نعمة الاستقرار في دول الخليج في أبهى صورها في الواقع، وفي وسائل الإعلام، لكن ذلك قد لا يكفي، فالعمل من أجل كشف ومعالجة الشوائب يحتاج إلى كثير من الجهد، وخير طريقة لمعالجتها النقد الذاتي من مؤسسات محايدة، والتي قد تحمل في بعض صفحاتها بعض الألم، لكنه ألم قد يجعل من نعمة الاستقرار قصة نجاح تُخرس الألسنة إلى حين آخر، خصوصاً أن الإعلام العربي والغربي تبدلت معاييره عند النظر إلى المنطقة، وقبل ذلك تبدل حال المجتمعات، وصارت الأسئلة الحائرة لا تتوقف عن التحليق في الفضاء العام.

————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- عبدالعزيز السماري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*