الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » تتظيم القاعدة من جماعة إلى موضة فكرية

تتظيم القاعدة من جماعة إلى موضة فكرية

ربما أكثر ما شغل العالم مع نهايات القرن العشرين وبدايات الحادي والعشرين ظهور منظمة القاعدة واستحواذها على اهتمام الناس سواء المؤيدون منهم أو المناوئون لها. فهذه المنظمة التي برزت إلى السطح ونمت بسرعة غير متوقعة مستفيدة من العوامل المساعدة التي كانت جميعها تعمل لصالح هذا النمو وتعزز من مكانته باعتبار أن الساحة الجهادية أو الفكرية بحاجة ماسة لمن يتبناها ويشغل الفارغ منها في حياة شعوب المنطقة. هذه المنظمة نجحت في استغلال كل الظروف المحيطة سواء كانت تلك الظروف داخلية من مثل ما يجري في البلاد العربية والإسلامية من تسلط متعمد على كل مقدرات الشعوب سواء كانت تلك المقدرات مادية أو معنوية، أو خارجية متمثلة في الدور الذي تلعبه القوى الكبرى التي آمنت منذ القدم برسالتها الرامية إلى استعباد أهالي المشرق وأراضيه ونهب خيراته والعمل على تكريس تخلفه أطول فترة ممكنة.

كانت هناك حاجة ماسة لملء الفراغ المستمر منذ فترة طويلة والذي لم تنجح الحركات القومية أو التقدمية أو حتى الماركسية من شغله بالرغم من الوقت الطويل الذي أتيح لأصحاب تلك الدعوات للعمل وبالرغم من كل الفرص المتاحة التي كانت تتكلم وفق شعارات مختلفة تماماً عن واقع الحال الذي تعيشه تلك الشعوب التي اضطرت للتعايش لفترة ليست بالقصيرة من الزمن مع تلك الأفكار التي غرست في الأرض الخطأ حينما حملت أفكارا لم يكن من بينها ما يحترم خصوصية الشعوب العربية والإسلامية التي لا تستطيع تكييف نفسها مع من يتجاهل حاجاتها ومتطلباتها ويهمش تاريخها ويحجم دور الدين الذي كان على الدوام صاحب الكلمة العليا في كل صغيرة وكبيرة من حياتها.

لم يكن ظهور تنظيم القاعدة إلى الوجود محض صدفة أو من أجل التعامل مع مشكلة طارئة وإنما كان حتمية متوقعة تم تجاهلها طويلاً أو اللعب على أوراقها وفق المصالح الضيقة التي كانت تنظر إلى شؤون المنطقة على أنها مجرد تابع لا تستحق الحصول على أكثر من الدور الهامشي الذي يجب أن تظل ضمن نطاقه طوال الوقت.

فكرة تنظيم القاعدة لم تكن بدعة وهي بالتالي ليست جديدة أو غريبة على تاريخنا المعاصر أو على المنطقة حيث سبقها إلى دعوة الجهاد كل التنظيمات التي عاصرت فترة الاستعمار والحروب التي ناوأته على اعتبار أن الاستعمار ضمن إطاره الديني والسياسي لا يختلف كثيراً عن الحروب الصليبية التي انتظمت بشكل متسلسل على الشرق الإسلامي لقرنين من الزمان. كما أن فكرة الجهاد المدعومة دينياً لا تزال تحتل في النفوس المسلمة مكانة راقية لا تنازعها أي فكرة أو مشروع أو حتى رؤية مضادة لكون الجهاد دفاعاً مشروعاً عن الحياة في الدنيا ويضمن لصاحبه مكانة رفيعة في الآخرة. فكم من الأبطال تمكنوا سابقاً من رص صفوف المجاهدين ورفعوا راية الجهاد ضد المحتلين والمعتدين ونجحوا في تحقيق مسعاهم إما بطرد المحتل أو من خلال تسطير أسمائهم في سجل الخالدين من أمثال عمر المختار وعبدالقادر الجزائري وعزالدين القسام وغيرهم ممن حملوا راية الدفاع عن أوطانهم في وقت عز فيه النظير.

لم يكن الجهاد الأفغاني ضد المحتل الشيوعي السوفياتي إلا شرارة انطلقت معها فكرة الجهاد في ثوب جديد عندما استغلت التنظيمات الجهادية تلك الحرب التي ينظر لها إسلامياً وغربياً على أنها امتداد للشيوعية إلى ما وراء الخطوط المتعارف عليها أو ما تم التسليم به منذ ضم روسيا لجمهوريات آسيا الوسطى في أوائل القرن العشرين. وقد مهد ذلك التقارب بين الشرق والغرب لتلك الحركات التي حصلت على أكثر من ضوء أخضر كانت في حاجة ماسة له باعتبار أن فكرة الجهاد المجردة غير المدعومة مرفوضة من قبل الشرق والغرب معاً لما لهذه الفكرة من معان كثيرة يختلف الشرق والغرب في تفسيرها.

ليس صحيحاً أن فكرة الجهاد التي رأت النور بشكل رسمي وكامل في أفغانستان مع بداية ثمانينيات القرن الماضي هي في الأساس فكرة أميركية تم توظيفها لقتال الشيوعيين، وإنما يمكن أن نلمس تسهيلاً أميركياً لتلك الفكرة التي ظلت طويلاً مهملة وغير مفعلة كونها في حد ذاتها تقوم على المقاومة وتعبر عن إرادة الشعوب الرافضة لأي انتداب أو استعمار أو وصاية غربية.

لكن ليس خطأً أن نقول أن ذلك الجهاد الذي قامت به التنظيمات الجهادية قد استغل أميركياً ولم يسمح له التواصل إلى ما بعد هدف محاربة الشيوعية بدليل أن المجاهدين أنفسهم الذين تمكنوا من هزيمة الاتحاد السوفياتي انشغلوا بأنفسهم منذ ذلك التاريخ وحولوا جهادهم إلى قتال بيني فسره العالم على أنه قتال من أجل السلطة مما أفقد الجهاد معانيه الحقيقية وأعطى أميركا مساحة زمنية معقولة للتفكير في كيفية القضاء عليه أو استغلاله بشكل آخر ومن أجل تحقيق مصالح جديدة ليس شرطاً أن تكون على حساب الشيوعية التي ما لبثت أن انهارت تحت وطأة تلك الحرب.

 «القاعدة» التي تأسست على أنقاض الجهاد الأفغاني بعد أن لملمت فلول المجاهدين الذين تقاطروا على أفغانستان من كل حدب وصوب، كانت محتاجة لتغيير الاستراتيجية القديمة التي لم تعد مجدية أو جاذبة بعد انقضاء عصر السوفيات والشيوعية التي لم تعد تشكل خطراً حقيقياً على الاسلام، وكان عليها أن تبحث هي الأخرى عن عدو جديد يدعم وجودها حيث تزامن ذلك البحث مع ادراك الولايات المتحدة أن القطب الواحد الذي أصبحت تمثله بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لا يمكنه أن يقود العالم دون وجود منافس أو شريك، لأن التفرد يعني اما دكتاتورية مطلقة أو عدالة مطلقة وهو ما لا يمكن أن يتعايش معه البشر مطلقاً.

غير أن القاعدة عادت لتلعب نفس الدور القديم ربما دون أن تعي أنها بتصرفاتها الجديدة لم تخرج عن الاطار القديم الذي قدم خدمات جليلة للولايات المتحدة التي استفادت من الجهاد الأفغاني وانتصرت على عدوها الأول من دون أن تدفع بجنودها لميادين القتال.

الدور الجديد الذي وجدت القاعدة نفسها فيه هو حصولها على الهالة الاعلامية الكبيرة التي صنعت منها كياناً ضخماً له امتدادات في كل أرجاء الأرض ويملك من الامكانات ما يمكنه من تحدي أي قوة في العالم حتى ولو كانت بحجم الولايات المتحدة الأميركية التي دخلت في مواجهة مع القاعدة ومع فكرها الذي أصبح يحمل من المضامين أكثر مما حمله فكر الجهاد ضد السوفياتي الذي ركز على تحرير الأرض وطرد العدو دون الطمع في لعب دور عالمي ذي أبعاد متعددة.

لقد نجحت القاعدة بالفعل في التحول من مجرد فكرة جهادية الى أيديولوجية فكرية تعمل وفق معاير معينة ولها خلايا ناشطة في كل مكان وتستطيع أن تصل الى مبتغاها في أي وقت تشاء.

هذا النجاح الذي صوره البعض في حينه على أنه نجاح للقاعدة ولفكرها الجهادي المنادي بالدفاع عن الاسلام والساعي لنشره في كل أرجاء المعمورة، لم يكن في حقيقته سوى نجاح باهر للولايات المتحدة وكل دول الغرب التي نجحت من خلال هذه الصورة المشوهة من صنع عدو وهمي يدعى القاعدة يتخذ من كهوف أفغانستان وأدغال افريقيا مقراً له، ويمتلك من الامكانات ما يعطيه القدرة على قتال كل قوى الأرض وضرب مصالحها بمختلف الأسلحة التي سعى لامتلاكها والتي لم تكن أقل من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى.

هذه الصورة المرعبة التي تم رسمها بمقاييس غربية أعطت العالم فكرة كافية عن القاعدة وأنشطتها وأهدافها ومدى تخلفها الفكري والعقدي الذي تريد أن تواجه به العالم المتحرر المستنير الذي تقوده الولايات المتحدة، مما جعل الأيديولوجية الفكرية للقاعدة ترتسم في مخيلة سكان العالم ولكن وفق الرؤية الأميركية لها وهي التي تعني أن كل شيء مشروع لمواجهة القاعدة التي لا تستهدف أميركا فقط وانما العالم بأسره.

وتطبيقاً لهذه الأيديولوجية الفكرية كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وكان غزو أفغانستان وإسقاط حكومة طالبان ومن بعدها غزو العراق وما شهده من مذابح مازالت فصولها مستمرة، وكان من نتائجها أيضاً اعادة انتخاب جورج بوش الابن لولاية ثانية ومن بعدها انهيار الاقتصاد العالمي والاستيلاء على كل ثروات الشعوب التي وقفت تتفرج على مدخراتها وهي تنتقل من جيوبها الى خزائن الدول الكبرى.

القاعدة أصبحت بالنسبة للولايات المتحدة مثل الدجاجة التي تبيض ذهباً والتي لا يمكن ذبحها أو التخلص منها طالما أن انتاجها مازال مستمراً ووفيراً. فالقاعدة هي التي تقوم بالمذابح في العراق وهي المسؤولة عن أي تفجير سواء نفذه انتحاري أو بمفخخة أو قذيفة أو بأي طريقة أخرى، وهي أيضاً المسؤولة عن تدهور الوضع في الصومال وهي التي تهدد الحكومة اليمنية ومازالت ناشطة في أفغانستان وباكستان، وتستطيع أيضاً أن تلغم الطائرات في أوروبا وأميركا وأيضاً تستطيع أن تهاجم محطات القطارات والمترو، ويمكنها أن تستهدف حتى البطولات الرياضية وتمنع اجراء الانتخابات في أي بلد كان. كل هذه المخاطر التي تسببها القاعدة تستدعي التدخل الأميركي المباشر في أي وقت وأي مكان ودون استئذان، حيث لا يحتاج الأمر لتخويل من الأمم المتحدة ولا من غيرها طالما تعلق الأمر بحياة البشر الذين تهدد القاعدة حياتهم.

هذه النظرة التي تحولت الى نظرة شمولية لم تقتصر على فكر القاعدة فحسب وانما على كل أشكال الجهاد المشروع من مثل الدفاع عن النفس والأرض وعن حق العيش والتعلم وحرية التصرف في الممتلكات وغيرها من الحريات، أعطت الولايات المتحدة الحق في مصادرة كل شيء من أجل مصالحها الذاتية التي لا يمكن أن تستقيم الا مع هذه الاجراءات التعسفية التي تتخذ من القاعدة شماعة لها في كل شيء بدليل أن الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث اليوم عن مخاوفه من امتلاك القاعدة للسلاح النووي في اشارة الى نوايا واجراءات جديدة ستتخذ من ذلك الادعاء ذريعة لها.

-- عبدالله الكعبي - الوطن القطرية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*